لما كان من مميزات هذا الكتاب السماوي أنه قد حوى ذكر الأولين والآخرين، وأنه الكتاب الخاتم الذي لا يأتيه الباطل ولا تتحداه النظم والمعاني، فقد أصاب من ميزه وأخرجه من مقاييس الصحف العادية ومنطلقات النثر الشعرية والنثرية، وأن هذا القرآن الكريم تعجز القلوب الضعيفة عن احتوائه والعقول المائلة عن إدراكه وصدق فيه ما قاله سبحانه: (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله).

ولذا فقد كانت الدلالات النصوصية واضحة الاهتمام حول الرصانة والاستعداد المتين في كيفية حفظه المتسم بالاستمرارية.وفضلاً عما كان عليه النبي «صلى الله عليه وسلم» من حرص واهتمام بحفظ القرآن الكريم لا يفوته شيئاً منه، فقد واكبت الرعاية الربانية هذا الحرص حاثة إياه «صلى الله عليه وسلم» على التأني في حفظه دون استعجال كما يبدو ذلك في قوله تعالى:

(لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه)، ومن قبيل هذه النصوص قوله تعالى: (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علماً).

وإذا كان هذا البيان من العناية الإلهية في طريقة التلقي والحفظ النبوي فالأجدر بصحابته «رضي الله عنهم» أن يسيروا بخطى التأني وسلامة الاهتمام.

وكان حتماً أن يتصدر جماعة لتلقي القرآن الكريم من الرسول «صلى الله عليه وسلم» حفظاً وتدويناً، ولما كانت معرفتهم بالقراءة والكتابة قليلة فقد عوضوا في صدورهم لوحات واسعة وحوافظ ذاكرة ولا غرابة فإنهم أصحاب الطباع السليمة والحناجر واللسان القويم.

فهم أول من تليت عليهم الآيات وعلموا الكتاب والحكمة قال سبحانه: (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين).

ومن هنا كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) جامع القرآن في قلبه الشريف وسيد الحفاظ في عصره المنيف ومرجع المسلمين في كل ما يعنيهم من أمر القرآن وعلوم القرآن، وكان «صلى الله عليه وسلم» يقرأه على الناس على مكث، كما أمره مولاه وكان يحيي به الليل ويزين الصلاة.

وكان جبريل يعارضه إياه في كل عام مرة وعارضه إياه في العام الأخير مرتين. قالت عائشة وفاطمة (رضي الله عنهما) سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن جبريل كان يعارضني القرآن في كل سنة مرة وأنه عارضني العام مرتين ولا أرى إلا حضر أجلي».

وبلغ من اهتمام المسلمين بالقرآن آنذاك أنهم كانوا يتنافسون بحفظه فذهبوا يتدارسونه ويتعلمونه من بعضهم البعض حتى أنهم كانوا من كثرة قراءاتهم له في البيوت يسمع لهم دوي كدوي النخل فامتلأت البيوت بهذا الدوي القرآني الذي بات حفظه وقراءته مسعى ومبغي كل مسلم حتى أن المرأة لترضى أن يكون مهرها تحفيظها سورة من القرآن.

وهذا الإقبال الجماعي على حفظ القرآن وتلاوته لم يحصر في مكان معين بل تعدى البيوت إلى المسجد النبوي حتى أنه (صلى الله عليه وسلم) أمرهم بخفض أصواتهم كي لا تختلط عليهم الأسماع والقراءة.

وهو بذلك قد تعدى حدود الأفراد إلى الجماعات التي تفوق الحصر، فلا ارتياب في تواتر حفظه صدراً ولا يشكل في خواطرك أي هاجس ما ورد في الصحاح عن طريق عبدالله بن عمرو بن العاص قال: سمعت النبي (صلى الله عليه وسلم) يقول: «خذوا القرآن من أربعة من عبدالله بن مسعود وسالم ومعاذ وأبي بن كعب».

ورُوي عن قتادة سألت أنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؟ فقال: أربعة كلهم من الأنصار: أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد قلت ومن أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي.

وروى ثابت عن أنس قال: مات النبي (صلى الله عليه وسلم) ولم يجمع القرآن غير أربعة أبو الدرداء ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد.

ولقد أوجد حديث أنس إشكالاً عند العلماء لما في روايته من حصر تصريحاً أم تلميحاً. علماً أن التناقض بين فيما روي عنه فرواية قتادة تفيد بجمع القرآن عند أربعة:

أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبي زيد أحد عمومة أنس. ورواية ثابت تفيد بجمع القرآن عند: أبي الدرداء ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبي زيد. وفي هذه الرواية ذكر أبو الدرداء وحذف أبي بن كعب. وهذا يفيد التضعيف في رواية الحصر بأربعة التي أثارت إشكالاً عند الأئمة نقداً.