هناك كثير من الاتهامات التي يوجهها الغرب للحضارة الإسلامية، بل ان بعض الغربيين ينكرون وجود هذه الحضارة من الأساس، وهؤلاء ربما ينطلقون من مفهوم ضيق للحضارة يتمثل في التقدم التكنولوجي أي ينظرون إلى الجانب المادي وحده.
ولذلك يجب على المسلمين نشر المفهوم الصحيح للحضارة وبيان الجوانب التي برعت فيها الحضارة الإسلامية والمنجزات التي قدمها علماء المسلمين للبشرية.
وان تكون هناك وسائل إعلام قوية قادرة على نقل هذه الحقائق للعالم كله، أيضاً يجب على علماء المسلمين بيان الجوانب الإنسانية في الحضارة الإسلامية لان الغرب يتهم تلك الحضارة بأنها حضارة عنف وإرهاب بل يربط بين الدين الإسلامي ذاته وبين الإرهاب.
نناقش هذه القضايا في الحوار التالي مع الدكتور محمد عبدالعليم العدوي الأستاذ بكلية اللغة العربية جامعة الأزهر فرع المنصورة .
* الحضارة الإسلامية تتهم في الوقت الحاضر بأنها وراء العنف والتطرف والإرهاب وإنها لا تصلح لهذا العصر وان على المسلمين الأخذ بالحضارة الغربية ونشر مفاهيم الديمقراطية والحرية كما تطرح في الغرب فما ردكم على هذا كله ؟
ـ لابد أولا من وضع المصطلحات في موضعها الصحيح، فكلمة حضارة تعني السمو الفكري والمادي.
فالحضارة هي مجموع الثقافة والمدنية، والإسلام دين الحضارة الحق لأنه عنى بأمر الدنيا وأمر الآخرة وعنى بالعقل والقلب والنفس وعنى بالروح والجسد وتلك هي الحضارة المثلى وما تراه من تقدم مادي في أمور الدنيا هو في الحقيقة مدنية وليس بحضارة ومن هنا يحدث الخلط.
ونحن نقول دائما الحضارة الأوروبية والحضارة الأميركية وفي الحقيقة هي تعني بالتقدم المادي من طعام وشراب ورفاهية يظلم الإنسان الغربي أخاه الإنسان.
ويفرق بين الأبيض وبين الأسود ويلقى الفائض من الطعام في البحار في حين ان كثيرا من الملايين الفقراء في العالم جوعى ثم اذا حدث تقدم في العلم كان بعضه مهلكة للناس وأضراراً بهم، فهل هذه هي الحضارة إذن حينما يقال إنسانية الحضارة الإسلامية فلأنها تستمد تلك الإنسانية.
وتلك السمة الغالية من الإسلام الذي ارتضاه الله للناس جميعا، ومن هنا نقول لم يدع احد قط في العالم انه خلق نفسه او خلق غيره، فالذي خلق هو الذي اصطفى الرسل وهو الذي ارتضى دين الإسلام للناس وهو عليم بما خلق.
* مفهوم خاص
* هل الحضارة في المفهوم الاسلامي تعني التعارف بين البشر والتعاون من اجل تعمير الأرض وليس مجرد تحقيق التقدم التكنولوجي ؟
ـ الحضارة الإسلامية في آيات القرآن الكريم اشير إليها حينما قال - سبحانه وتعالى ـ : «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله اتقاكم» وابن خلدون في مقدمته - ولابد ان نزهو به وبعلمائنا الذين كانوا نجوما لامعة في عالم الحضارة والفكر الإسلامي - قال ان الحضارة تعني بلوغ الأمة درجة عليا من الرفاهية في الجانب المادي والثقافي.
ويقول عن الحضارة انها الاجتماع البشرى او العمران البشرى وكيف يقوم العمران وكيف ينهار والذي يجعل العمران يقوم أو ينهار هو الإنسان لان الله خلق كل ما في الكون وسخره لخدمة الإنسان وأمره ان يستفيد مما في الكون لأعماره ولخير البشرية كلها. ومن هنا نقرأ قوله - تعالى ـ :
«يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى» والخطاب هنا لم يأت للذين امنوا وإنما للناس جميعا ليشمل المؤمن وغير المؤمن وهو يعيد الناس إلى الأصل الواحد فجميعهم خلقوا من ذكر وأنثى فلا تفاضل بين الناس بعنصرية ولا جنس ولا لغة ولا مكان ولا زمان. فالذي يرفع العمران ويؤسس الأخلاق وينهض بالأمم ان يكون النبت من الذكر والأنثى لذلك يأتي في مجال لا يلتفت إليه كثير من الناس حينما يقول - تعالى ـ :
«إنا خلقناكم من ذكر وأنثى «ليبين ان الحضارة لا تنهض الا بجناحين أي بزوجين وما عدا ذلك يدمر الحضارة ولا يقيمها وما يشاع الآن فيما يسمى حضارة غربية ثم الانحراف عن جادة الطريق وعن الزوجية وعن الفطرة» ومن كل شيء خلقنا زوجين «وغير ذلك مما لا يمت إلى الحضارة بصلة يجعل هذا يندرج تحت المدنية.
وليس الحضارة إذن حينما يقرر القرآن خلق الناس من ذكر وأنثى فهو يقيم اللبنة الأولى في المجتمع ثم يجعل الله الناس شعوبا وقبائل حتى يتعارفوا من خلال التآلف والمحبة والمودة والتراحم ثم يفرد النوع الذي تعمر به الحياة وتسعد» إن أكرمكم عند الله اتقاكم» .
* ما واجب المسلم إزاء هذه الحضارة المتميزة حتى يقدمها للعالم في صورتها الصحيحة والحقيقية ؟
ـ يجب على كل مسلم ان يترجم إنسانية الحضارة إلى منهاج عملي أفراداً وشعوباً، حكاماً ومحكومين لأنه لابد ان نأخذ من ماضينا المجيد لحاضرنا حتى يكون مزدهرا ولله در امير الشعراء احمد شوقي حينما قال :
واذا فاتك التفات إلى الماضي فقد غاب عنك وجه التأسي. فهل نعود إلى ديننا أولاً لنستلهم منه حضارتنا وتاريخنا ومبادئنا وأخلاقنا ومكاننا ومكانتنا أرجو ذلك.
* كيف نوصل هذه المعاني السامية إلى شعوب العالم وليس الغرب فقط حتى تقتنع بطريق مباشر ان الإسلام ليس دين العنف أو الإرهاب ؟
ـ يجب ان نقتدي بالمعلم الأول والمربي الأول والداعية الأول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ونسير على المنهج والأسلوب الذي سار عليه ولو عدنا منذ أربعة عشر قرنا ورأينا رسول الله في مكة وحوله مجموعة قليلة جدا تعد على أصابع اليدين فهل كان يتصور امرؤ أنهم سوف يسودون العالم ؟
بالطبع لا لأن الناس تربط دائما بين الأسباب والمسببات لكن لان الله - سبحانه وتعالى - هو الذي اصطفاه وهو الذي ارتضى له ذلك الدين آمن به نفر قليل ثم اتسعت الدائرة وخرج المسلمون دعاة إلى الله لا لدنيا يصيبونها، كل يحمل مسؤولية هذا الدين ويضحى بنفسه وبماله في سبيل الله وكذلك بالعلم.
ونحن حينما نتتبع كيف وصل الإسلام إلى الدنيا مشرقا ومغربا نجد ان ذلك حدث اما عن طريق الفتوحات التي فتحت القلوب واحيا مواتها قبل ان تحيى موات الأرض وتلك النقطة لابد ان نوضحها لغيرنا، فالفتوحات الاسلامية لم تكن استيلاء على ارض.
ولم تكن خروجا من اجل ضيق العيش في الجزيرة ولم تكن تسلطا على احد ولا أكراها للدخول في الدين وإنما كانت لإحقاق الحق وإقامة العدل والتمكين لدين الله في الأرض، إذن نسير كما كان يسير أوائلنا، نسير ونعتصم بحبل الله ونأخذ بمنهج الدعوة ولينفر كل مسلم في موقعه، عيب كثير من الناس ان كل واحد يلقى التبعة على غيره ويحمل المسؤولية لغيره مع ان الدعوة إلى الله .
وتبليغ رسالة الإسلام مسؤولية كل مسلم وهي فرض عين على كل مسلم بقدر فقهه ومنهجه ومعرفته لهذا الدين وهي فرض كفاية على المتخصصين في مجالهم. فالمتخصص في الطب هو داعية إلى الله والمتخصص في الهندسة وكذلك المتخصص في الزراعة هو داعية إلى الله ومن هنا يلمح العلماء الأفاضل في قوله - تعالى ـ :
«ولتكن منكم امة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون «ان الأمر هنا للوجوب «ولتكن منكم امة» على اختلاف العلماء فيما اذا كانت هل من للتبعيض ، نعم يجوز ان تكون للتبعيض أي ليكن من بعضكم لأنه لا يجوز ان يدعو إلى دين الله الا من كان عالما به وألا جهل الدعوة وجهل من يدعوه إليها .
وهذا ما نلاحظه في الآية « فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين» لم يقل ليتعلموا الدين وإنما ليتفقهوا والفقه غير العلم والعلم غير المعرفة إذن ولتكن منكم امة أي من بعضكم على رأى من ذهب إلى ان الدعوة فرض عين على العلماء المتفقهين كل في تخصصه.
وقد تكون من للتأكيد فيكون المعنى ولتكونوا امة جميعا مهمتها ليس الأكل والشرب واللهو واللعب لا والا ما قمنا بواجب الإسلام علينا فالمسلم لابد ان يكون صورة مثلى للإسلام ويحزنني ان اسمع دائما ان العالم الإسلامي يصنف ضمن العالم الثالث وأنا لا أتصور هذا والله يقول :
«كنتم خير امة أخرجت للناس» إذن نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا إذن علينا ان نعود مرة أخرى إلى «ولتكن منكم امة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر» .
* هل المقصود بالخير في الآية الكريمة هو الحضارة ؟
ـ نعم الخير هو الحضارة فكل عمل يفيد البشرية وينهض بها هو خير ونلمح من وجوه بلاغة القرآن الكريم ان التعبير جاء بالفعل المضارع الذي يفيد التجدد فكلما جد زمان علينا ان ندعو إلى الخير ونأمر بالمعروف .
وننهى عن المنكر والذي يصلح الدنيا ويقيم الحضارة هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولذلك عقد ابن خلدون فصلا تحت عنوان كيف تقوم الدول .
وتنهار وفصل في ان الظلم مؤذن بخراب العمران ولا يكون الظلم الا اذا حل المنكر محل المعروف واصبح المعروف منكرا ولم يلتفت الناس إلى قول الله - تعالى - وهذا يمثل قمة الازدهار الحضاري والانهيار الحضاري:
«ولو ان اهل القرى امنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض» «وإذا أردنا ان نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا» فنحن جميعا مطالبون ومأمورون بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم ـ : « بلغوا عني ولو آية».
* جانب عنصري
* هل معنى كلامكم أنكم تنفون صفة الإنسانية عن الحضارة الغربية ؟
ـ لا هي حضارة كما ذكرت لكنها ابتعدت عن الإنسانية، فالغربيون اخذوا جانبا عنصريا، وعلى سبيل المثال اذا وجدنا حضارة أو مدنية تخصص نفسها بجنس معين وتقول هذا الجنس هو أنقى الأجناس أو ان هذا الجنس الآري لابد ان يستعبد الأجناس الأخرى أو ان جنس الشمال أرقى عقلاً من جنس الجنوب.
أو من يدين بكذا أرقى مما يدين به غيره فهل هذه تعتبر حضارة إنسانية بالطبع لا فإذا أردت ان تحكم بالعدل فالعدل يكون بين الناس جميعا وإذا أردت ان تقر حقا فليكن الحق للناس جميعا لا تظلمون ولا تظلمون والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول :
«يا أيها الناس ان دماءكم وأموالكم وإعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا» قد تقول الحضارة الغربية انها تكرم الإنسان وتعطي لكل إنسان حقه ولكني اسأل أي إنسان، تعطيه هذه الحضارة حقه ؟
نحن لا نزال نرى في قمة هذه الدول من يفرق بين الأبيض والأسود ومن يفرق بين المقيم في هذا البلد والوافد إليها مع انه إنسان وانكى من هذا وأتعس أننا نرى الحيوان الأعجم كالكلاب والقطط يوصى لها بملايين الدولارات وتخصص لها أماكن في الفنادق والحدائق فإذا كان الكلب والقط يعطى ويوصى لهما عند موت أصحابهما بملايين الدولارات قد يقول قائل وهل الإسلام يمنع هذا ؟
بالطبع لا. ففي الإسلام يطعم الإنسان والحيوان ويرحم الإنسان والحيوان ومن هنا نكتشف ان الإسلام دين الإنسانية وهو رحمة للإنسان ورحمة للحيوان. ولذلك ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - انه قال :
«دخلت امرأة النار في هرة حبستها فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض» واذكر في عام 1993 ان طلب مني بحث عن الإنسانية في الإسلام .
ونشر في إحدى المجلات التي تصدر في برن في سويسرا بست لغات وقد استفسروا منى هل هذا حديث، فهل الرسول محمد هو الذي قال: «بينما رجل يمشى في الطريق اذا بكلب يلهث الثرى فنزل فملأ خفه فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له» .
ووثقت لهم الحديث وحينما ذهبت إلى برن وبازل وزيورخ وغيرها من المدن السويسرية والتقيت معهم وحاورتهم بينت لهم ان هذه هي إنسانية الإسلام فالإسلام رحمة بالإنسان ورحمة بالحيوان والطير والقرآن الكريم جاء يوجه الرسول إلى انه رحمة للعالمين : «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» .
? قد يرى البعض فيما تذهبون إليه دعوة للانعزال والتقوقع فما ردكم على ذلك ؟
ـ أرجو الا يفهم كلامي على إنني أدعو إلى الانعزال او ان ننعزل كمسلمين وإنما نحن ندعو إلى الانفتاح على العالم كله واخذ ما عند الغير من خير والاستفادة منه ولا ادعى ان تلك بضاعتنا ردت إلينا وفي ديسمبر الماضي كان لي بحث عن القيم الإنسانية والقيم الإسلامية وأثرها في نهضة اسبانيا والدول الأوروبية.
وقد ألقيت هذا البحث في مؤتمر عقد في غرناطة بمشاركة رابطة الجامعات الإسلامية وقد تعجب الكثيرون أثناء عرضنا للحضارة الإسلامية ودور العلماء المسلمين والقيم الإسلامية مثل قيمة التسامح والتراحم .
وكيف كان ذلك داعيا لقدوم البعثات من دول أوروبا لتتلقى العلم في غرناطة وقرطبة واشبيلية حتى انه بعد انتهاء المؤتمر حيت إحدى المستشرقات الوفد المسلم وهي على المنصة ورحبت بنا وأعربت عن سعادتها لمشاركتنا في هذا المؤتمر.
القاهرة ـ ضياء الدين أحمد