هذه المجلة نصف شهرية شبه شاملة لأن التعريف بهويتها يمتد إلى الأدب والثقافة والسياسة والتاريخ والموضوعات القضائية. وقد أسس هذه المجلة الشاعر الكبير خليل مطران ومعه الأديب محمد مسعود.
أما الأول فهو شاعر معروف له باع في دراسة التاريخ والترجمة عن الفرنسية ولد في بعلبك، ثم انتقل إلى مصر فتولى تحرير جريدة «الأهرام» ثم أنشأ جريدة «الجوائب المصرية» التي ناصر بها مصطفى كمال. كان النقاد يشبهونه بالأخطل .
وقد توفي بالقاهرة عام 1949م. أما محمد مسعود فهو مؤرخ وأديب ومن كبار المترجمين ولد بالإسكندرية، تعلم بها وأجاد الفرنسية واللاتينية بدأ عمله الصحافي محرراً في جريدة المؤيد، ثم أصدر جريدة الآداب والنظام توفي بالقاهرة عام 1940م.
صدر العدد الأول من هذه المجلة في 40 صفحة بتاريخ 3 من صفر 1318ه/ 1 من يونيو 1900م. ولأن مؤسسها من كبار الشعراء، كما ذكرنا، فقد جاءت الافتتاحية على نسق لغوي باهر نورد منها:
«الحمد لله الذي جعل العلم من الأرواح بمنزلة الحياة من الأشباح، فتضاعفت به الأعمار ولم يمد في آجالها بما قربت وسائله للنفوس من قصي حاجاتها وبعيد آمالها. أما بعد فإننا قد استخرناه تعالى في إنشاء هذه المجلة».
وقد قسمت المجلة إلى عشرة أبواب: أولها يعنى بالأدبيات التي تدخل قارئها إلى أطيار الشعر والبلاغة، وثانيها يدخل في التاريخ والعاديات وهو عبارة عن متحف عن الآثار البالية والأنباء المنتثرة، وثالثها يلج إلى القضاء للبحث في المسائل الشرعية والمشاكل الوضعية.
ورابعها عن الزراعة ويبحث في أسرار النيل وخيالاته، وخامسها يختص بالاقتصاد متقصياً أحوال الشركات المصرية في ربحها وخسارتها، وسادسها يفضي إلى المباحث الفلسفية وعصارة فلاسفة الزمان.
وسابعها في حفظ الصحة، وثامنها عن الأخبار العلمية الممل منها في إيجاز، والمفيد منها في تطويل، وتاسعها في تعريب أشهر الفصول التي كتبها علماء الغرب عن الشرق، وآخرها عبارة عن تلخيص لكل كتاب له شأن عظيم في مختلف العلوم والآداب.
وقد أوردت المجلة في باب الأدبيات قصة تكشف بجلاء مدى بلاغة المرأة العربية في وصفها لجمال امرأة أخرى مثل وصف أم عصام الذي أرسلها الحارث بن عمر بن حجر لتتأكد من جمال الخنساء الذي سمع به في مضارب البلاد فقالت له:
«رأيت جبهة مصقولة كالمرآة، يزينها شعر حالك كأذناب الخيل المضفورة إن أرسلته خلته السلاسل وإن مشطته قلت عناقيد حلاها الوابل، وحاجبين كأنهما خطا بقلم أو سوّدا بحمم تقوسا على مثل عين الظبية البهرة التي لم يذعرها قانص.. الخ»®. ولولا ضيق المساحة لأتحفنا القارئ بباقي الوصف الذي قلما نجد شبيهاً له، في أيامنا هذه.
وتواصل المجلة في عددها الأول الولوج إلى روائع النثر ونصاعة اللغة فأوردت قطعة مخملية سطرها أمير الشعراء أحمد شوقي لتلحقها بعد ذلك بقصيدة عن خرافة خلق المرأة في الثقافة الهندية القديمة، وقد عرّبها أحمد شوقي عن جريدة «الديبا» الفرنسية.
وفي باب «مباحث الغرب عن الشرق» فصل في «التراجم والسياحات» وقد جاء فيه نبذة مختصرة عن «سيدي علي بن الحسين التركي» ولا ندري إذا كان «سيدي» اسماً أم تبجيلاً، عموماً انصب الحديث عنه في مدى الوقائع العظيمة والأهوال التي عاناها في البر والبحر.
وموهبته في الشعر والنظم والنثر في وصف البلدان والأقوام وتناول المقال السيرة الذاتية للرجل وتدرجه في مناصب البحرية العثمانية، ورباطة جأشه في مواجهة الصعاب الحربية التي تعرض لها حتى أصبح مضرباً للأمثال.
أما باب «التاريخ والعاديات» فقد بحث في معرفة الاسم الحقيقي لفرعون موسى حيث يظن بعض علماء الآثار أن مومياء الملك منفتاح المنحدر من الأسرة الثامنة عشرة هي لفرعون موسى.
كما المقال عن سرقة مومياء الملكة «اين شبسويت» ومدى الخسارة التي سوف تلحق بالمتاحف المصرية إن لم تسعى لاستردادها، خاصة أن تلك الملكة هي التي بنت «دير البحر» في الأراضي المصرية، فضلاً عن حياتها التي اتسمت بالوقائع والنوادر وتلافيف حكمها الكثيفة.
وتناول «باب القضاء» بحثاً تاريخياً في أصل السجل الشرعي وأول دخوله إلى الديار المصرية، حيث تم التعريف بالمعنى اللغوي والاصطلاحي للسجل الشرعي، ووظيفته، وأول قاضٍ استخدم هذه النوعية من السجلات وقد أورد مقدم البحث أن نشوء السجل بمعناه التدويني تم في عهد الخليفة عمر بن الخطاب.
كما عثرنا في العدد الأول للمجلة المصرية على مبحث فلسفي وأخلاقي في الفلسفة الصينية وتقسيماتها ومذاهبها وكذلك وجدنا فقرات مفيدة في حفظ الصحة والأنباء العلمية، وصناعة الخزف في مصر القديمة، وبرج بابل، وقبور النجوم «المعروفة حالياً بالثقوب السوداء»، وتكبير الأجسام، وسقوط المطر الأسود والأحمر فوق جبال الألب.
وتنهي المجلة صفحاتها بـ «باب التلخيص» وهو قراءة موجزة عن رواية «مثل الأوراق» للكاتب الإيطالي «جياكوزا» يذكر أن المجلة توقفت عن الصدور عام 1327ه/ 1909م.