كتب توفيق الحكيم مذكراته في أشكال عديدة، منها النصوص المباشرة، ومنها الحوارات الطويلة التي أجراها عدد من الكتاب والصحافيين الذين عرفوه أو ارتبطوا به، ومن بين هؤلاء الروائي جمال الغيطاني الذي، بعدما اشتهرت مذكرات نجيب محفوظ التي دونها بنفسه، أجرى مع صاحب «حمار الحكيم» حوارات طويلة روى فيها الحكيم أحداث وطرائف من حياته.
وهنا صفحة منها.لم تستمر رواية الرسم لدي طويلا، لأن شيئا آخر بدأ يظهر لي في الأفق: الموسيقى.كانت أسرتي قد عرفت جماعة من «عوالم» الأفراح بمناسبة زفاف عم لي يدعى علي عقد قرانه منذ سنوات، عندما كنت في التاسعة أو الثامنة. وكان قد وصل في سلك البوليس إلى وظيفة مأمور بندر شبين الكوم، وشبع من حياة العزوبية اللاهية العابثة.
وانقطعت صلته بأوساط اللهو المألوفة في ذلك العصر، وأراد الزواج. فالتجأ إلى أمي يوسطها في البحث عن عروس. كان شرطه الوحيد، على عكس والدي، ان تكون العروس غنية، حتى لو كانت قردة عجوزا.
وبحثت له والدتي واهتدت إلى بغيته: سيدة قد قاربت الخمسين من الجواري الأتراك البيض تملك مئة فدان من أجود الأطيان. وكانت حكاية الزواج هذه مصدر خير لنا أنا وأخي الصغير. ذلك أن عمي وقد استخفه الفرح بالثروة المنتظرة الهاجمة عليه، صار لا يدخل دارنا الا ومعه الهدايا من حلوى وفاكهة وغيرها.
فلما اقترب يوم القران دخل علي بهدية عظيمة لي ولأخي، هي دراجة بعجلات ثلاث وبندقية أطفال فخمة بكل لوازمها... فباركنا هذا الزواج وفرحنا به.
على ان الحدث المهم في هذا العرس بالنسبة لي أنا خصوصا كان أمرا آخر: أصرت العروس على ألا يزفها إلا «عوالم» من القاهرة، لا من بلدة صغيرة مثل شبين الكوم. فهذا في نظرها أمر لا يليق بمقامها.
فأوفدوا الأخ الأصغر للعريس ولأبي، وذهب إلى القاهرة لمقابلة جماعة من «العوالم» والإتيان بها إلى سبين الكوم. وذهبت أنا معه. ولست اذكر بالضبط مناسبة ذهابي معه ومن الذي أوفدني. هل أنا الذي طلبت؟
أو أنهم أرسلوني من تلقاء أنفسهم؟ كل ما أذكر هو أنني ذهبت إلى القاهرة مع عمي الأصغر ومشينا طويلا في شارع محمد علي، نقف بين كل خطوة وأخرى على باب دكان صغير علقت على جدرانه آلات الطرب من عود ودف ودربكة وراحت تجري بين عمي وأصحاب تلك الدكاكين مناقشات ومساومات طويلة لا تنتهي، وأنا واقف أتململ من الضجر إلى أن انتهى بنا المطاف إلى حانوت أخير تم فيه الاتفاق على كل شيء. وعلمت فيما بعد أن هذه الدكاكين هي أمكنة «المطيباتية» المختصين بتوريد «عوالم» الأفراح.
هذا كل ما شاهدته وما فعلناه في ذلك اليوم وعدنا في نهارنا إلى شبين الكوم من دون أن أرى نساء ولا عوالم حتى يوم الفرح ذاته وفي هذا اليوم المشهود كنت أنا أيضاً ضمن الوفد المكلف بإحضار العروس من بلدها إلى شبين.
وأذكر تلك الصورة ولا أنساها: ركبنا عربة قطار خاصة ألحقت بمؤخرة العربات، كانت تسمى عربة «صالون» خصوصية، اعتادت مصلحة السكة الحديد في ذلك العهد أن تؤجرها للأفراح الكبيرة.
وقد أصرت العروس المزهوة بثروتها على أن يكون انتقالها إلى شبين الكوم، في صالون خصوصي يضم «المعازيم» وأهل الفرح من الجانبين ولست ادري ما الذي حشرني أيضاً بين هؤلاء في هذا الصالون ذلك اليوم.
ولكن أذكر اني سافرت في ذلك الصالون، ووصلنا إلى شبين الكوم بالسلامة، وهنا قامت القيامة، وسمعت صياحاً وصخباً وزعيقاً يملأ الجو في المحطة، إنها العروس بسلامتها، ما كادت تنظر حولها وهي نازلة من القطار في المحطة حتى صاحت: أين الموسيقى الميري؟ (الحكومي).
ورفضت رفضا تاما ان تنقل قدما في المحطة إلا إذا سارت الموسيقى الميري أمام عربة العروس بخيولها المزوقة بالورود ولم يكن احد فكر في ذلك وعمل له ترتيبا، لأن العروس لم تكن صغيرة السن ولا كان هذا أول عرس لها فقد سبق لها الزواج أكثر من مرة، ولكن مخّها التركي أبى إلا أن تزف في الشوارع بالموسيقى الميري. ولم افهم الا فيما بعد سبب هذا الضجيج والزعيق.
وأكبّ الجميع على يد العروس متوسلين متضرعين ان تغفر لهم هذه الزلة وأن تركب عربة الخيول، وتمضي في هدوء إلى البيت الفرح، منعا للفضيحة وتجمّع المارة وأهل الفضول وأخيراً ركبت وسارت معهم وهي تشتمهم باللغة التركية، وهم يشتمونها في سرهم باللغة العربية.
وما جاء المغرب حتى وصل «تخت العوالم» وقد سمعت منهن دوراً أو دورين وقد غلبني النعاس، فنمت قبل أن أشاهد الزفة، على أن أواصر المعرفة كانت قد عقدت بين والدتي وجدتي وبين «الأسطى حميدة» المطربة رئيسة العوالم، أثناء هذا الفرح.
كانت تلك المطربة خفيفة الروح لطيفة العشرة، تحمل نفساً كريمة وإن لم تكن حسنة الصورة، دعتها والدتي إلى زيارتنا مع «تختها» فلم يكد يمضي العام وذهبنا إلى الإسكندرية في الصيف كعادة .
والدتي التي لا تستغني عن موطنها أبدا، حتى جاءتنا «الأسطى حميدة» مع بعض المقربات من تختها، ونزلت علينا خفيفة عزيزة مكرمة. إلا أنها ما كانت تبخل علينا بأغانيها وتقاسيم عودها. ثم ازداد نزولها على منزلنا عندما انتقلنا بعد ذلك بسنوات إلى القاهرة.
وحين أصيبت جدتي بالفالج ونصح لها الطبيب بصفاء البال والسرود، تعهدت بها «الأسطى حميدة» كلما خلا وقتها من العمل. فما كان يمضي أسبوع لدينا من دون سهرة أو فرح. أما «المطيب» فكان يأتي ليأخذها من عندنا لتقيم الأفراح. ولقد كان صوتها يشجيني وحفظت الكثير من الأغاني التي كانت تغنيها.
واشتد إعجابي بها إلى حد خيل إليّ معه أنها جميلة، وشعرت نحوها بإحساس يكاد يشبه الحب. وهي كانت تشجعني على الغناء معها قائلة لي إن لدي قدرة على تأدية النغمات كما أتلقاها منها.
وذات يوم عدت من مدرستي «محمد علي الابتدائية» في سنتي الأولى فوجدتها في البيت وهي تضرب على عودها. وكانت وقتئذ بمفردها في الحجرة. فتشجعت ورجوتها أن تعلمني عزف العود، فشرعت تعلمني بالفعل. ولم يمض وقت قليل حتى استطاعت يدي ان تخرج من الأوتار نغما منسقا.
وهنا دخلت علينا والدتي وهي تحسب العود في يد العوادة. فلما أبصرتني أنا محتضنا العود والأنغام تخرج منهن أطلقت في البيت صرخة راعدة غاضبة وهجمت عليّ تنتزع العود مني وتصيح «لو عرف ابوك يدبحك» وهلعت تصرخ وتقول انني لن افلح في المدارس إذا أنا أمسكت العود بين يدي مرة أخرى، وأن مصيري سيكون ان اطلع «مغنواتي».
ثم أرغمتني على القسم بسيدي البسطامي، الذي ليس بعد الحلف به من يمين ألا ألمس العود بيدي طوال حياتي فأقسمت، وبرّت القسم بيني وبين نفسي بعد ذلك بأنه لن يمنعني من حفظ الألحان والأغاني حتى الصعب من الأدوار القديمة التي كانت تؤديها «الأسطى» ذاتها بمشقة كأدوار عبده الحامولي.
وكانت والدتي تحب ادوار الحامولي بنوع خاص وتروي لنا عنه الكثير قائلة إن أغنيته «اتمخطري يا زينة» إنما وضعت لأجلها خصوصاً بمناسبة زفافها ذلك أن صلة سي عبده بجدي «سيدي البسطامي» كانت، في ما روت، وثيقة وأن الصداقة كانت كبيرة بين الاثنين منذ أنقذ جدي سي عبده من مرض ألمّ به.