لعل من أهم العلوم التي يحتاج إليها كل الناس في كل زمان ومكان؛ لمعرفة الحلال والحرام، وللسير على هداها في الحياة؛ لتقوية الأسباب بينهم وبين ربهم، علم الفقه، فقد استقرأ الأئمة النصوص القرآنية والأحاديث النبوية.

وانطلقوا من هذه النصوص يؤسسون ويبنون هذا الصرح الشامخ الذي يلجأ إليه كل مضطر، وجاء من بعدهم العلماء والأتباع، يزينون هذا الصرح، ويزيدون في أنواره؛ ليهتدي بأشعتها المهتدون.

ومن الأئمة الذين أسسوا أحكام الفقه وفق ما فهموه واستخلصوه من تلك النصوص الإمام أحمد بن محمد بن حنبل (-241ه)، فأقام بذلك بناء مذهب متكامل، صار يعرف فيما بعد باسمه، وسار على نهجه علماء وتابعون.

وأخذوا يفصلون جزئياته ويفرعونها، من خلال المصنفات التي صاغوها، فامتلأت بعصارة فكرهم وعلمهم، وانتشرت هذه المصنفات بين المتعلمين والمعلمين. الذين قاموا بدورهم بتفسير ما كانوا يرونه غامضاً وشرحه، وبتفصيل ما يعتقدونه مجملاً، فكثرت بذلك الشروح ووضع على هذه الشرح حواش تيسر السبيل أمام قارئيها.

ومن الكتب التي اعتنى بها العلماء كتاب (دليل الطالب)، للفقيه المؤرخ الأديب مرعي ابن يوسف بن أبي بكر الكرمي الحنبلي (-1033 ه)، وهو كتاب في الفقه الحنبلي؛ فقد اهتم به كثير من العلماء، من شارح له، أو واضع حاشية عليه، أو ناظم له.

ومن أهم الشروح شرح شمس الدين، أبي عبدالله، محمد بن أحمد السفاريني (-1188 ه)، وشرح عبدالقادر بن عمر بن عبدالقادر الشيباني التغلبي الدمشقي (-1135 ه)، وكلا الشرحين عنونا بنيل المآرب شرح دليل الطالب. ولهذين الشرحين تعلق بهذا المخطوط الذي نعرض له.

فقد قام الشيخ عبدالغني بن ياسين اللبدي (-1317 ه) بكتابة حاشية على شرح السفاريني لكتاب (نيل المآرب شرح دليل الطالب)، أو على شرح الشيباني، وقام ابنه الشيخ محمود بن عبدالغني بتجريد هذه الحاشية من نسخة كتاب (نيل المآرب شرح دليل الطالب) الخاصة بوالده، ووضعها مستقلة في كتاب.

وقد استعار الشيخ محمد بن سعيد بن غباش الحنبلي الأزهري نسخة هذه الحاشية من ابن مصنفها عندما مر به في فلسطين في التاسع من شهر شعبان عام ثمانية وأربعين وثلاثمئة وألف، فعمد إليها ونسخها، غير انه لم يبقها على حالها، إنما أضاف إليها أشياء منه، وقد ذكر في مقدمته منهجه في زياداته وإضافاته، الذي سنوضحه مفصلاً عند الحديث عن هذه الزيادات، التي يمكن ان تعد حاشية ثانية على حاشية اللبدي.

أما مؤلف الكتاب ـ دليل الطالب ـ فهو مرعي بن يوسف بن ابي بكر بن أحمد الكرمي، نسبة إلى طولكرم، مدينة بفلسطين، تقع قريباً من الساحل، المتوفى 1033 ه.

أما مصنف الحاشية فهو الشيخ عبدالغني بن ياسين اللبدي، نسبة إلى قرية كفر اللبد، من أعمال نابلس، عالم جليل وفاضل نبيل، ولد في سنة 1262 ه، وطلب العلم في مصر.

وكان جل انتفاعه على العلامة يوسف البرقاوي (-1320 ه)، شيخ رواق الحنابلة بالجامع الأزهر، حج وجاور بمكة المكرمة سنين عديدة، وصار مدرساً بحرمها الشريف، كان تقياً مهيباً حسن الهيئة، ولم يزل مجاوراً مقبلاً على شأنه حتى توفي بمكة، وكانت وفاته سنة 1317 ه.

* المؤلف

ومن زاد الحاشية زيادات يشار إليها بالبنان: محمد بن سعيد بن غباش بن مصبح بن زائد ابن صقر بن أحمد الحنبلي الأزهري، من القضاة والعلماء والوجهاء، الذين كان الناس في مجتمع الإمارات يلجأون إليهم في حل المشكلات التي تعترض حياتهم، والمنازعات التي كانت تقع بين الحين والحين بينهم، كما المجتمعات الأخرى.

ولد بالمعيريض في رأس الخيمة سنة 1323 هـ = 1905 م، وينتمي إلى عشيرة آل بوراجح من آل قيس، وهي بطن من قبيلة بني مرة. وكان لاشتغال والده بالتجارة أثر كبير في تيسير السبيل وتمهيد الطريق أمامه للسفر من أجل طلب العلم.

ودرس في طفولته في الكتاتيب، حيث كانوا يدرسون فيها القرآن والأحاديث وعلوم الدين وقد ذكر الشيخ ابن غباش في مذكراته أنه تلقى علومه الأولى على يد الشيخ أحمد حمد الرجباني القادم من نجد، فدرس على يديه كتاب التوحيد، وتفسير الطبري، وأوائل كتاب دليل الطالب، لمرعي الكرمي، ومتن الرحبية في الفرائض، والمقدمة الآجرومية.

وبعد ان أنهى ابن غباش دراسته على يد هذا العالم ألحقه والده بالمدرسة التيمية التي أنشئت في الشارقة. بعد ذلك عاد إلى رأس الخيمة، والتقى الشيخ محمد بن عبدالله الفارسي، فدرس عليه أيضاً.

ثم هيأ الله له أن ينطلق، نتيجة تعلقه بالعلم وحب المعرفة، إلى الأزهر للدراسة فيه. فتلقى فيه العلم على يد أساتذة لهم باع طويل في العلوم، وتلقى العلم على يد كبارهم، فدرس الحديث والمصطلح، والفقه وأصوله، والصرف والنحو، وفنون البلاغة والعروض والقوافي، وفن الوضع، وآداب البحث والمناظرة، فبرع فيها، وكان من المتفوقين.

ثم عاد إلى مسقط رأسه في رأس الخيمة، ومارس القضاء خلال إقامته في وطنه، ولكنه انطلق في أثناء الحرب العالمية الثانية من رأس الخيمة إلى السعودية نتيجة تردي الأحوال، واشتغل في السعودية بالتدريس في مدرسة ثانوية الإحساء بالهفوف، ثم عين مساعداً لرئيس محاكم الخبر.

ثم دعي إلى قطر؛ ليتولى إدارة المعهد الديني، وبقي فيه إلى عام 1969م، ولكن القدر لم يمهله، فتعرض لحادث سيارة، نقل على أثره للعلاج في الهند، وهناك سلم روحه لبارئها في العام نفسه، بعد حياة حافلة بحب العلم والعطاء.

ولم نتمكن من الوصول إلى معرفة مصنفاته التي صنفها غير مذكراته، وهذه الحاشية التي نعرض لها، فرحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته.

ذكرنا في المقدمة أن هذا المخطوط يتضمن حاشيتين على شرح كتاب (دليل الطالب)، المعنون بنيل المآرب شرح دليل الطالب، والموجود في هذه النسخة جزء منهما، يتضمن المقدمة (الديباجة)، وكتاب الطهارة، وكتاب الصلاة، وكتاب الجنائز. وتضمن كتاب الطهارة أبواباً وفصولاً، وكذا كتاب الصلاة أيضاً قُسم إلى أبواب، وكذا كتاب الجنائز.

ومن الجدير بالذكر أنه ضمنّه رسالتين في مسألة جواز التقليد، حيث أدى إلى جواز التلفيق، الأولى لمرعي الكرمي، والثانية لمحمد السفاريني.

والحاشيتان اللتان في هذا الكتاب هما حاشية الشيخ عبدالغني اللبدي، وحاشية الشيخ محمد بن سعيد بن غباش، حيث قام الثاني منهما بنسخ حاشية الأول، وضمنها زيادات كثيرة منه، جاءت ممزوجة بالأولى، لكنه وضع رمزاً يميز به زياداته عن الحاشية الأصلية.

واللافت للنظر أن رمزه المميز بينهما لم يسر فيه على منهج واحد، وقد بين لنا ذلك بما يأتي:

1ـ ذكر في الهامش في الصفحة الثانية قوله: «اعلم أنني ربما أزيد وأدخل في هذه الحاشية، ما أجده من التقريرات المهمة التي ليست منها، وأنسبه لقائله متى ما عثرت عليه، وأميز تلك الزيادة بقولي: «أقول»، وفي آخرها «انتهى» حتى يعلم الفرق بين المزيد والمزيد عليه». واتبع هذا المنهج من أول الكتاب إلى الصفحة 66.

2ـ ذكر في هامش الصفحة 66 قوله: «اعلم أنني من هنا إلى آخر الكتاب غير اصطلاحي المتقدم، فما كان للمحشي عبدالغني اللبدي في الحاشية أنقله بتمامه، ولا أميزه بشيء، وما كان من زياداتي عليه ميزته بقولي في الآخر: «انتهت زيادتي» مقتصراً على ذلك، وحذفت «أقول» من أول الكلام لحصول التمييز بما ذكرت في الآخر فتنبه.

3ـ ذكر في هامش الصفحة 73 قوله: «من هنا إلى آخر ما يأتي، إذا قلت قاله م ص في الحاشية، فالمراد بها حاشيته على المنتهى». هذا والرمز م ص يستخدمه للدلالة على منصور البهوتي، شارح كتابي الإقناع والمنتهى.

4ـ ذكر في هامش الصفحة 104 قوله: «حيث قلنا: من هنا إلى ما يأتي أ هـ منها فالمراد به ما كان في حاشية المحشي اللبدي سواء أكان الكلام الذي منها له أو لغيره فتنبه».

وتتبع الشيخ محمد بن سعيد بن غباش ما في حاشية اللبدي من الاصطلاحات في أسماء المؤلفين الذين يذكرهم بالحروف المقطعة كغيره فظهر له من ذلك أنه:

ـ إذا قال والده فيها: قال أو قاله في الحاشية، فالمراد بها حاشية الشيخ ابن عوض الحنبلي، تلميذ الشيخ عثمان بن قائد النجدي ثم المصري، مما سمع بالدليل المذكور أو الدليل نفسه.

ـ وإذا قال: م.خ فمراده محمد الخلوتي صاحب حاشية المنتهى.

ـ أو م.ص: فالمراد منصور البهوتي شارح الإقناع والمنتهى وغيرها.

ـ أو م.س فمراده محمد السفاريني فيما كتبه على الدليل، أو أفاده شيخ مشايخنا.

ـ ح.ش: حسن الشطي الحنبلي، صاحب تجريد زوائد الغاية وشرحها.

ـ ح.ف: المراد حفيد صاحب المنتهى.

ـ في شرح مسلم أي شرح الإمام النووي.

ـ شيخ مشايخنا: حسن الشطي.

وقد وضح ابن غباش هذه المصطلحات، (أو الرموز) على ورقة العنوان، مبيناً بذلك مصادر الشيخ عبدالغني اللبدي في حاشيته هذه.

عبدالقادر أحمد عبدالقادر

مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث