تربى الفنان والموسيقار المغربي الحاج عبد الهادي بلخياط على فن المديح والسماع، في مرحلة غابت فيها المدارس الفنية، كان ذلك في بداية الخمسينات، قبل أن يكتشف فنان الأجيال محمد عبد الوهاب ويتأثر به، ومن ثم يتجه في سنواته الأخيرة نحو أداء الأناشيد الدينية والابتهالات.
ويعود بلخياط أحد أشهر مطربي المغرب، في رمضان الحالي، بتجربة جديدة في مساره الغنائي، وهي إصدار البوم لأغان دينية محضة تشم فيها رائحة البخور وتمتزج فيها صورة الدراويش بابتهالات المتصوفة، تنفيذا لوعد كان قد أطلقه منذ أن شارك في مهرجان الموسيقى الروحية بفاس عام 1999، عندما قام بأداء قصيدة «المنفرجة» في إحدى ليالي المهرجان الراسخة في الأذهان.
وفي هذا الحوار يتحدث بلخياط عن هذه التجربة، وعن مشروعه الفني لتأثيث الفضاء الغنائي بأغنيات تؤكد حرصه على التواصل المستمر مع جمهوره في المغرب والوطن العربي.
* ما مغزى هذه التجربة الغنائية؟
ـ أعتبر هذه التجربة مهمة جدا في مشواري الغنائي فهي تحمل أغاني ذات طابع ديني وروحاني ارتأيت أن تكون جاهزة مع شهر رمضان وهو الشهر المعظم مقارنة مع باقي الشهور، والألبوم يأتي في سياق التواصل مع الجمهور العريض بالنظر إلى طبيعة وروح القصيدة ذات المعاني السامية والنبيلة.
كنت دائما أريد أن أرسخ تجربة جديدة في القيم والمثل النبيلة، وأن يظل مساري الغنائي واضحا من خلال تقديم أغان ترتبط بالوجدان والشعور والإحساس، ولم أجد أفضل من شهر رمضان لتقديمها.
* ماذا يتضمن هذا الألبوم؟
ـ إضافة إلى قصيدة «المنفرجة»، هناك أغنية بعنوان «شع نور محمد» وثانية باسم «لك الحمد» وثالثة عنوانها «أسماء الله الحسنى»، وأغنيات عديدة أخرى، وقد عمل على توزيعه موزعون مغاربة ومصريون، وإن شاء الله سيكون هذا الألبوم في مستوى تطلعات المهتمين بالشأن الغنائي.
* هل يمكن أن نؤرخ بهذا الألبوم لتجربة غنائية فريدة من نوعها في المشهد الغنائي المغربي؟
ـ أظن أن هذا الألبوم سيكون بمثابة محطة مهمة في مشواري الغنائي لتأثيت مسار غنائي جديد أريده أن يرتبط بالوجدان وبالمشاعر النبيلة الصادقة التي ترتبط بالروحانيات، وهذا الألبوم أردته معززا بإبداع موسيقي يرتبط بالتجربة في عمقها ودلالاتها، يعني أن النغمة الموسيقية ترتبط بكل جملة في الأغنية وأتمنى أن تكون نسخة فريدة في المشهد الغنائي لأنها تعيدنا إلى سكتنا الصحيحة.
* هل تتوقع النجاح لألبوم غنائي ديني، في خضم هذه الهرطقة الغنائية السائدة؟
ـ إن كل عمل ناضج وحقيقي وفيه مساحة كبيرة من الإبداع الصادق سيكون ناجحا، وإن شاء الله سيكون هذا العمل في المستوى وعند حس ظن الجميع، لأنه يقدم أغاني دينية وكل ما يرتبط بالدين له مكانة كبيرة عند كل واحد منا.
إننا إذا سلمنا بنجاح هذه الموجات الغنائية الجديدة سنكون بمثابة الجندي الذي يحمل معه مفرقعات بسيطة دون وزن إلى ساحة الحرب وهو مقتنع بأنها أسلحة متطورة، لذلك فلابد من العودة إلى النبع والأصل دون تأويل ما دام هذا الأصل مازال يحيا في نفوسنا وذاكرتنا، وكيف يمكن للجماهير العربية أن تنسى بسهولة أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ؟
* لنعد إلى الوراء ونستذكر رحلتك مع الغناء، متى كانت البداية؟
ـ ولدت وترعرعت وسط جو عائلي متدين ومحافظ، وكنت منذ طفولتي أستمع إلى الفنان الراحل محمد عبد الوهاب، فكان تأثري به كبيرا في بداية مساري الغنائي، ولأنني تربيت على فن السماع، فقد وجدت في مدرسة عبد الوهاب ما يجعلني أتعلم كثيرا من الأشياء.
* وهل كان الوالدان ينظران بعين الرضا لهذا الاختيار؟
ـ في البداية، كانا يرفضان رفضا مطلقا انخراطي في مجال الغناء، ولم يغير والدي من موقفه هذا إلا حينما سمعني أغني أغنية «يا قاطعين الجبال»، فعبر عن سعادته مؤكدا لي أن هذا المسار هو الذي يجب علي اتخاذه إذا أردت مواصلة الغناء.
ولا أظن أن والدتي كان لها موقف آخر، نظرا لطبيعة الذهنية التي كانت سائدة آنذاك والتي تعتبر الغناء شيئا غير محبب. ورغم كل ذلك، واصلت طريقي في الغناء لأنني أحببت الأغنية والشعر والأدب ومنحتهم كل حياتي وأوقاتي.
* ما هي أول أغنية منحتك تأشيرة الدخول إلى الساحة الغنائية؟
ـ إنها أغنية «يا ناعما رقدت جفونه» وهي من أصعب الأغاني التي أداها الراحل عبد الوهاب.. لقد حفظت هذه الأغنية عن ظهر قلب ورددتها كثيرا وأنا صغير جدا. وقد ظل تأثري بعبد الوهاب وإعجابي بغنائه إلى الفترة التي بدأت فيها أقدم أعمالي الغنائية بالإذاعة المغربية، حينئذ غادرت التقليد ونهجت طريقا غنائيا خاصا بي، يسمح لي بالتعبير عن شخصيتي الغنائية.
الرباط ـ رضا الاعرجي
