ستة وعشرون عاما أمضاها في السلطة الرابعة، قلمه أفرز مدادا أثرى به الساحة الأدبية والفكرية والإعلامية.ترعرع في رحاب المطبوعات الإعلامية الأولى التي برزت في السبعينات، منها «أخبار دبي» و«الأزمنة العربية».

حبه للعمل التطوعي جعل منه شخصية اجتماعية بارزة، وهذا النشاط دفعه إلى الارتقاء لمناصب قيادية في العديد من المؤسسات والجمعيات.هو كاتب وأديب وصحافي، له عين الناقد، وأذن الصاغي، ولسان المحاور.

جرأته في طرح القضايا زادت من شهرته، وقد أمضى عقدا من الزمان «مع الناس» يتابعه القراء يوميا على صفحات «البيان» من خلال ركن صغير تميز بأسلوب بسيط، ساخر وناقد معا.

شهرته تجاوزت حدود الإمارات لتمتد إلى الوطن العربي، فقد شغل منصب رئيس اتحاد كتاب وأدباء الإمارات لدورات عدة، وحاليا أمين عام مؤسسة سلطان العويس الثقافية، انه عبد الحميد أحمد رئيس تحرير صحيفة «جلف نيوز» التي تصدر في دبي باللغة الإنجليزية.

في حوار معه أجاب عن أسئلة عدة غطت القضايا الإعلامية والثقافية وكعادته كان صريحا في إجاباته غير مجامل وفيما يلي تفاصيل الحوار:

* ما هي أهم التحديات التي تواجه الإعلام المحلي أولا ثم العربي؟

ـ أدت التغيرات الاقتصادية السريعة في المجتمعات العربية إلى تغيرات اجتماعية وثقافية، هذه التحولات السريعة قادت إلى نمط الحياة الاستهلاكية خاصة في الخليج والإمارات، وقد واكبها تغير في الإعلام أيضا ولكن بمواكبة عشوائية وليست بطريقة ممنهجة.

فالإعلام في الغرب، رغم التحولات الكبيرة ظل متماسكا ولم يتحول إلى إعلام هش. ففي بريطانيا حافظت «بي بي سي» والصحف على اتزانها ورصانتها، لذا يجب عند التحول أن لا نتجه نحو إعلام هش وإذا غيرنا في شكل المطبوعة لإرضاء الناس فليس بالضرورة أن تقدم بصورة هشة.

والتحدي الآخر وجود الإصلاحات، ففي الخليج يوجد إصلاح سياسي جار ومرتقب، وهذه التغيرات مرتبطة بالعولمة ومتطلبات العصر. لذا نحن بحاجة إلى إعلام منفتح وحر يقدم المعلومة الصحيحة ولا يخشى النقد. وإذا لم تعط الصحافة دورها فإننا سنواجه مشكلات كبيرة تتعلق بحرية الرأي.

كما يوجد أيضا تحد تقني، فقد تطورت شبكات الاتصال والمعلوماتية على مستوى العالم، وأصبحت خدمة تزويد الأخبار متوفرة بأكثر من وسيلة وليس عن طريق الصحيفة فقط، وهنا يجب البحث عن آليات جديدة لتكون أجهزة الإعلام مزودا رئيسيا للخدمة الإخبارية، وليست متلقية لها فقط. كما أن مواجهة التحديات تتطلب كادرا بشريا يتمتع بكفاءات عقلية وثقافية وفكرية متميزة، لأن رأس المال والتقنية لا يفيدان من دون كفاءات بشرية.

* التركيبة السكانية في الدولة فرضت وجود لغتين «العربية والإنجليزية» ومن خلال قيادتك لصحيفة عربية وأخرى إنجليزية هل يوجد فرق بين الإعلام الموجه بالانجليزية والآخر بالعربية؟

ـ من النواحي المهنية يجب أن لا يكون هناك فرق، لأن الفنون الصحافية واحدة في الطرفين، ولا توجد فروقات، لكن الفروقات في طبيعة القارئ، والقارئ الأجنبي مختلف عن العربي، لأن خلفيته الثقافية متعددة.

فالغربي ذو انفتاح واسع سياسيا وأخلاقيا، بينما الشرقي مغلق، لذا فإن التعامل مع تركيبة «فسيفساء» أي نسيج معقد، يتطلب المخاطبة بطريقة متوازنة، وكصحافي فإنني مطالب بأن ألبي طموحات القارئ المتعددة الثقافات والخلفيات وهذه مهمة صعبة.

القراء العرب نسيجهم الثقافي والسياسي واحد، بينما القراء الأجانب أكثر تفاعلا ونقدا لما ينشر لأنهم جاؤوا من بيئات متقدمة ومتحررة وعليك أن تقدم مستوى راقيا من صياغة الخبر والصورة، والكتابة لهم بحذر.

* هل تغلب التلفزيون والانترنت على الصحافة برأيكم؟

ـ لا، لم يتغلبا على الصحافة بل حدث تأثير، واستطاعت الصحف أن تستخدم شبكة الإنترنت لمصلحتها، وأصبحت مزود خدمات من خلال الإنترنت واستفادت منها.

تكنولوجيا الإعلام عملية متكاملة، والخط الفاصل بين الصحف الالكترونية والمقروءة أصبح دقيقاً، فالصحف تحول حركة القراءة إلى الكترونية والعكس صحيح أيضا، العملية متكاملة.

ونحن كصحافيين عندما نخطط لمتابعة الأخبار صباحا، نتابع ما أذيع ليلا من التلفزيون أو الإذاعة، كما أن مزودي الإنترنت يأخذون الأخبار من الصحف، لذلك فإن العملية متكاملة.

لكن الفرق في أن طبيعة المادة المطبوعة تحتاج إلى وقت، وكل 24 ساعة يحصل القارئ على جريدة، بينما التلفزيون ينقل الخبر بشكل مباشر وكذلك الإنترنت ولذلك فإن على الصحيفة أن تتميز بكتابها المتميزين ودراساتها المعمقة وتحليلاتها.

* معظم الصحف تكتفي بنشر الأخبار فهل ينتهي الخبر عند نشره؟

ـ لا يوجد خبر ينتهي عند نشره، ويفترض أن تثور عند الصحافي أسئلة عدة عند نشر الخبر، هل الخبر يحتاج إلى متابعة؟ أم توضيحات، أو مزيد من النقد والرأي، الخبر يبدأ عند نشره، والصحيفة الميتة التي تعتقد أن الخبر ينتهي عند نشره. ومهنيا لا يوجد خبر من دون متابعة، وكل جريدة تتعامل مع الخبر وفق سياستها.

* سقف الحرية في الصحافة الانجليزية هل هو أعلى من العربية؟

ـ زملاؤنا في الصحف العربية يرون أن سقف الحرية في الصحافة الأجنبية أعلى أو أوسع، وقد يكون ذلك صحيحا إلى حد ما، هذا ناشئ عن أن العاملين في الصحافة الانجليزية جاؤوا من بيئات أكثر انفتاحا كما أسلفنا ولديهم هاجس رفع سقف الحرية.

كما أن دائرة الاهتمامات هي التي توسع سقف الحرية، مثلا الصحف الانجليزية لا تولي أهمية للأنباء الرسمية والبروتوكولية مثلما توليها الصحافة العربية التي تنشر أخبار العلاقات العامة والبروتوكولات التي لا تجد طريقا لها في الصحافة الانجليزية إلا نادرا.

كما أن قوى المجتمع التي تشكل ضغطا على الصحافة العربية ليست على اطلاع بالصحافة الانجليزية، لذا فإن هذه الصحف تجد حرية إلى حد ما في طريقة التعامل مع الخبر المحلي أكثر من الصحف العربية.

* التنافس بين الصحف الانجليزية هل هو قائم وأين موقع «الجلف نيوز» من هذا التنافس؟

ـ التنافس موجود وهذه المنافسة قوية بين الصحف الانجليزية وأقوى مما هو قائم بين الصحف العربية، والمنافسة تزداد خاصة مع دخول المزيد من المطبوعات.

وأنا سعيد لأنني انتميت إلى مؤسسة «الجلف نيوز» لأنها مستقرة وتنمو باستمرار سواء الجريدة أو المطبوعات الأخرى الصادرة عنها مما يجعلها أكثر انتشارا، ولا يوجد مطبوعة في الوطن العربي توزع كما توزع «الجلف نيوز» حيث وصلت إلى مستوى تحريري شكلا ومضمونا يرقى إلى المستوى العالمي.

ولاشك أن التنافس مفيد ومن دونه لا تعمل القدرات، والتنافس جيد بشرط أن يكون على أسس مهنية، كما أن التنافس يقوي من الصحيفة الجيدة ولا يضعفها.

* «الجلف نيوز» تطرح قضايا العمالة الآسيوية وتسلط الضوء على البؤساء من هؤلاء في الوقت الذي يوجد أغنياء من الجالية الآسيوية فهل يتم تسليط الضوء عليهم؟

ـ الجريدة تتعامل مع الأحداث سواء كانت للفقراء أو العمال أو الأغنياء وكل خبر دون استثناء يتم تغطيته، ولكن أهم الأخبار الآن هي أخبار العمال لأن البلد قائم على العمال، ونحن نهتم بهم كقضية ولا نميز بين الفئات، لكن الأخبار تفرض نفسها، ورغم ذلك توجد تغطية لأخبار الأغنياء، غير أن الأغنياء ليسوا الأكثرية كي يحظون بالنسبة الأكبر من الأخبار.

* هل تحقق «الجلف نيوز» أرباحا؟ وإذا كان نعم هل يتم توزيع نسبة من الأرباح على العاملين؟

ـ من الأشياء المتميزة في المؤسسة وجود قدر عال من المكافآت والمحفزات مثل التأمين الصحي والمكافآت السنوية، ويتم سنويا توزيع نسبة أرباح على العاملين وهي مكافآت مجزية.

* سوق الإعلانات في الإمارات هل هو في ازدياد أم نقصان ومدى تأثره بزيادة عدد المطبوعات سواء المجلات أو الصحف؟

ـ الواضح أن الحصة الإعلانية في الشرق الأوسط تزداد وخاصة في الخليج، والصحف والمجلات تأخذ النصيب الأعظم، في الإمارات يزيد الإنفاق الإعلاني بفضل المشروعات العملاقة والشركات العالمية التي تستثمر في الإمارات ما يتطلب إنفاقا إعلانيا لترويج خدماتها.

وكل مطبوعة تأخذ حصتها لكن نتيجة عدم وجود الشفافية في السوق يحدث تجاوزات من نوع إعطاء خصومات كبيرة أو عمولات لوكالات أو معلنين، مع ذلك فإن المعلن في النهاية هو الذي يقرر لأنه يريد مردودا من إعلانه التجاري، كما أن المعلنين الكبار يعرفون من هو الأقوى في السوق والمنافسة قائمة للحصول على النسبة الأعلى من الإعلانات.

* كم كبير من المجلات يتم إصدارها في الإمارات فهل هذه ظاهرة صحية؟ وهل تجد قارئا لها؟

ـ أشك بوجود قارئ لهذه المجلات، خاصة مع عدم وجود كثافة سكانية ونسبة القراء قليلة، لكن يوجد إنفاق عال على الخدمات والسلع مما يهيئ لنمو السوق الإعلاني.

خاصة أن نسبة القراء التي تشتري المجلات والصحف هي شريحة منفقة والفئة التي تقرأ من مهندسين وموظفين كبار رواتبهم جيدة ولديهم القدرة على الصرف، لذلك فهذه المجلات تستقطب حصة من الإنفاق الإعلاني دون أن يعني ذلك أنها توزع كثيرا.

* استقطبت دبي استثمارات كبيرة في مجال الإعلام خاصة المرئي، ما رأيك بمستقبل هذه الاستثمارات؟

ـ لم يخطر ببالي أن أفكر بالموضوع، لكن في النهاية البقاء للأصلح، ومن يعمل بطريقة مهنية عالية يستأثر بعقل القارئ وقلبه، ومن يقدم خدمات إخبارية ذات مستوى عال يستحوذ على أعلى نسبة سواء القراء أو المشاهدون.

* هل تلعب وسائل الإعلام العربية دوراُ في الإصلاح والتغيير وكيف يمكن تحقيق ذلك؟

ـ وسائل الإعلام تلعب دورا غير مباشر في عملية الاصلاح من خلال تزويد القراء والمشاهدين بالأخبار العربية والدولية لمعرفة ما يجري وتلعب دورا في التثقيف والتعليم، لكن هذا الدور تراجع في الإعلام خاصة في الصحف، ففي السنوات الأخيرة تراجع دور الصحافة.

وأصبح أسوأ مما كان عليه قبل عشرين عاما. وبالمقابل فإن دور بعض المحطات التلفزيونية المستقلة تقدم على الصحافة سواء عن طريق ما تنقله من تحليلات أو برامج حوارية ووثائقية، أي أن التلفزيون تفوق على الصحافة في موضوع مواكبة أو دعم عمليات الإصلاح.