إذا كان الإمام محمد عبده قد أقدم في وقت متأخر من حياته على كتابة «مذكراته» فانه في الحقيقة لم يكتبها إلا من اجل الفصول التي تحدث فيها عن «الثورة العرابية» وغالبا بشكل سلبي همه ان ينزع عن تلك الحركة هالتها الثورية الوطنية.

لا سيما بالنسبة إلى دور عرابي فيها، مسبغا عليها صفة التحرك الشخصي لمطالب شخصية، بغية اتهامها لاحقاً بكونها السبب في مجيء الانكليز إلى مصر واحتلالها. ويبدو واضحاً أن عبده الذي كان في البداية من قويدي الثورة، إنما رغب في هذا النص الذي رد عليه عرابي ان يبرر تراجعه عن ذلك التأييد لصالح...رياض باشا.

كان الضباط يتوهمون ان رياض باشا مؤيد في منصبه بقناصل الدول ذات النفوذ في مصر، وقد كان الخديوي نفسه يظن ذلك، فرأوا ان مقاومة وزارته مقاومة للدول ذات النفوذ في مصر، فلا يتعرض لها إلا بوسائل الرفق واللين.

فلما قال قنصل فرنسا لعرابي ما قاله (كاشفاً عدم مساعدة فرنسا لرياض) انكشف ذلك الوهم وتحول الاتجاه من سؤال الخاضع إلى إلحاح المطالب. فأخذ عرابي وعبد العال وعلي فهمي يدعون سائر الضباط للآفاق معهم على مقاومة كل ما تسنه نظارة الجهادية من نظام ضار بهم وطلبوا عزل ناظرها عثمان رفقي مثار تلك المخاوف.

علا نداء الضباط بذلك وكثر الاضطراب فانعقد مجلس النظار برئاسة الخديوي للإسراع بحل هذه المشكلة وحضره بعض رجال المعية. فكان من رأي رياض باشا ان يحاول تحقيق ما في التقرير على مجلس عسكري.

وكان من رأي ناظر الجهادية عثمان رفقي القبض على الضباط الثلاثة زعماء هذه الحركة والحكم عليهم بالعقوبة التي استحقوها لجرأتهم هذه ووافقه بعض النظار وجميع من حضر من رجال المصيبة وكان الخديوي توفيق يؤيد هذا الرأي. وقد استمر الجدال ذلك اليوم إلى ان جاء وقت الظهيرة.

ولم يتقرر شيء فقاموا إلى المائدة. وبعد الفراغ من الطعام والرجوع إلى المداولة جاء احد رجال المعية طلعت باشا، إلى رياض باشا وأسر إليه بأن بعض الناس يتهم دولته بمجاراة الضباط والأخذ بناصرهم طمعا في ان يملك قلوبهم، ثم يستخدمهم في الاستيلاء على الخديوية المصرية.

فلما عادوا إلى الجلسة لبث رياض باشا صامتا وصارت الأغلبية على رأي الخديوي وعندئذ سأل رياض باشا ناظر الجهادية «هل تتحمل تبعة هذا الأمر؟» قال «نعم» وصدر الأمر بالقبض عليهم وسجنهم يوم 31 يناير 1881.

وهذا ما حدثني به احد النظار في ذلك الوقت، ولا أظنه إلا صادقاً. ولكن أمر الخديوي لم ينفذ يومها بقوة الحكومة وسطوتها كما جرت به العادة ولكن سلك في تنفيذه طريق الحيلة والغدر. ما قادنا إلى الأول من فبراير من ذلك العام.

فقد كتب ناظر الجهادية إلى الضباط الثلاثة يدعوهم إلى ديوان نظارته للمذاكرة في «ترتيب حفلة زفاف الأميرة جميلة شقيقة الجناب الخديوي أول أيام شهر ربيع الأول 1298 ه.

والموافق أول فبراير وهو اليوم التالي ليوم صدور الأمر بحبسهم فلما وصلت إليهم الدعوة دهشوا لأن موضوعها لا يحتاج إلى مداولة ثلاثة من أمراء الآيالات، ولم يكن مثله بمعتاد، فقطنوا للحيلة في تلك الدعوة في ذلك التاريخ .

ودعوا من يثقون بهم من الضباط وأطلعوهم على ورقة الدعوى فاقتنع الجميع ان خطرا سيحل بالثلاثة ثم بكل من يشايعهم أو بكل ضابط مصري على ما رجح عندهم. فحملهم على الحرص على حياتهم ووظائفهم وأقدم بهم علمهم بضعف الحكومة عن الانتقام منهم لاضطراب أحوالها وما كان من اختلاف عناصرها.

وما كانوا يتخيلونه من رضاء الشعب عما يفعلونه أقدم بهم ذلك على ان يقاوموا الشر المنتظر بالقوة إذا اقتضت الحال غير مبالين بعاقبة وكان في الضباط المحاضرين كل من محمد عبيد بكباشي في الأول وخضر خضر بكباشي في آلاي السودان مأخذا على عهدتهما إنقاذ الضباط الثلاثة إذا سقطوا.

وهكذا توجه الضباط الثلاثة ظهر أول فبراير 1881 إلى قصر النيل يتبعهم عن بعد بعض العيون من الآلاي الأول فإذا الديوان غاص بالضباط وأمراء العسكرية فلما وصلوا إلى حيث المناظر عثمان رفقي باشا تلا عليهم هذا الأمر الصادر بسجنهم فجردوا من سيوفهم والقوا في السجن بعد ان قذفهم الحاضرون بالشتائم، وكان أكثرها .

وأبلغها في التحقير كلمة فلاح فعاد المقتفون لأثرهم وابلغوا ضباط الآلاي الأول ما ارادوا فنهض البكباشي محمد عبيد بالعسكر الذين تحت قيادته لإنقاذهم فاعترضه القائمقام الجركسي خورشيد بكل بسمة فلم يسمع له قولا. وشاهد الخديوي حركتهم فأمر بروجي الحرس بأن يدعو الضباط الحرس إلى السراي فدعاهم فلم يستجب له أحد.

وانطلق بهم محمد عبيد إلى قصر النيل فهجموا على الديوان فيه فثار الرعب في قلوب الحكام والضباط الموجودين ومعهم الناظر والوكيل وأفلاطون باشا ووثب كل منهم إلى نافذة يطلب الخلاص لنفسه فمنهم من جرح ومنهم من كسر.

وفتح الجند معتقل الضباط الثلاثة عنوة فخرجوا ظافرين وأرسلوا إلى ضباط آلاي السودان وكان في طرة فحضر حالا والى آلاي عرابي باشا وكانوا قد قبلوا أميرهم الجديد الذي خلفه بعد حبسه .

والتمسوا العفو عنه لدى الخديوي ثم بلغهم ما حدث فوقعوا في «حيص بيص»وقد خطب عرابي في العسكر والضباط المجتمعين بعابدين وأثنى على إخلاصهم في حب أمرائهم ثم أمرهم بوضع السلاح واخذ يكتب إلى القناصل ويستفيد لمخابرة قصر عابدين.

وكان رياض باشا قد بلغه الخبر وهو في نظارة الداخلية، فجاء إلى سراي عابدين فيما غرابي يرسل شكواه إلى البارون درنج قنصل فرنسا العام ويلتمس منه ان يبلغ جميع القناصل ان الضباط لم يأتوا عملا إلا ما يقي أرواحهم ويضمن لهم إقامة العدل بينهم.

وأرسل إليه ورقة الدعوة إلى ترتيب الزفاف وبسط الحيلة التي دبرها ناظر الجهادية للإيقاع بهم وشرح له ما حصل من سلب السيوف والحبس مع أنهم لم يأتوا جريمة سوى إنهم حاولوا عزل ناظر الجهادية وهو طاب عادل لسوء تصرفه فورد الجواب من البارون درنج بالثناء عليه ما دام الحق في جانبه. فسرّ عرابي بذلك اما باقي القناصل فلم يجيبوه بشيء.

اثر ذلك أرسل الخديوي إلى عرابي يسأله عن سبب هذه الفتنة، فأجابه بأنه لا يريد إلا عزل ناظر الجهادية، فقبل منه وعرض عليه عدة أشخاص على ان يكون احدهم خلفا للناظر، فلم يقبل عرابي أحدا إلى ان عرض عليه محمود سامي البارودي باشا، ناظر الأوقاف فقبله.

فعين في الحال ناظرا للجهادية فأرسل عرابي يشكر الخديوي على ذلك وطالب العفو عن العساكر والضباط فيما فعلوا فعفا عنهم، وصدر إليه الأمر بأن يصرف العساكر في الحال، فلم يمتثل وأجاب بأنها تنصرف في صباح الغد وبذلك انتهت الحادثة التي كانت تعرف بحادثة قصر النيل..

كان في استطاعة عرابي ان يطلب عزل رياض باشا بل يطلب أكثر من ذلك لما وصلت إليها الحكومة من ضعف كبير في ذلك الوقت ولانحصار القوة بيد عرابي، ولكنه كان غير مدبر فان طلاب التغيير لم تكن لهم ثقة بعرابي.

ومن معه حتى كانوا لا يفضون إليه بما يريدون، بل كانوا يظنون ان مجرد المقاومة والنزوع إلى نيل مطلب ما بالعنف والوصول إليه بالقوة يكفي بأن يقدم استفتاءه ولا حاجة إلى التصريح به لعرابي ومن معه خوف الاخناق فيزداد عناؤهم إذا انكشف أمرهم فكانت الوساوس منحصرة في تزيين ما هم الضباط من طلب حقوقهم.

أما عرابي فلم يكن في باله ولا يهتف به في منامه ان يطلب إصلاح حكومة أو تغيير رئيسها فذلك مما كان يكبر على وهمه ان يتعالى إليه، وإنما الذي أحاط بفكره وملك جميع مقاصده هو الخوف على مركزه مع شدة البغضاء لمن كان معه من أمراء الجراكسة والمنافرة من عثمان باشا، فلم يكن لهم سوى الأمن.

والمحافظة على مقامه والانتقام من ذلك العدد والتغلب على ما كان بيد الجراكسة من الوظائف العسكرية... قصد التمتع بما كانوا يتمتعون به من رواتب أو نفوذ لأنه هو وإخوانه أبناء البلاد أحق من غيرهم بمزايا الخاصة أمثالهم.