كانت حبّات بلح «الخنيزي» تتألق بحمرة باذخة، بينما تروي الوالدة شيخة بنت محمد «أم عبدالله» قصة عمرٍ ألِفَ الصحراء وتولْع بها حتى صارا نسيجاً متسقاً، فلا تتخيل المرأة من دون الصحراء، ولا تتخيل الصحراء من دون بدوية تعرف رمالها وتحمل أحلامها بين الخيمة والطوي.

في منزلها الصغير في منطقة «بياته» إحدى مناطق فلج المعلا في إمارة أم القيوين استقبلتنا أم عبدالله هاشةً مرحبة تتذكر أيام الماضي بحنين، وتتحدث عن الحاضر بلسان الشاكر للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي عمّر البلاد وغيّر حياة أهلها نحو الراحة والأمان والرخاء، فتقول:

«زمان أول كان التعب يبدأ مع الفجر حتى آخر اليوم، فقد كان الرجال يطلبون أرزاقهم ونحن نخض ونروّي ونغزل ونسدّي ونحطّب ونطبخ ونرعى الحلال.

وقد طلع علينا تعب أيام زمان وأثّر على الصحة والقوة، ولولا المغفور له الشيخ زايد الذي غير أحوالنا ووفر لنا كل شيء، لكنّا الآن نعيش حياة التعب كما في الماضي. وقد اهتم بالناس من «شعم لين داس» ومع تلك الذكريات كانت أم عبدالله تنشد:

لوما زايد غدينا

ولّينا من زمان

رحنا السوق وشرينا

من غالي الأثمان

زاد وكسر بيدينا

من فضل بوسلطان

وتعود أم عبدالله لتتحدث عن منطقة بياته وسبب تسميتها فتقول «سميت المنطقة نسبة إلى طوي يدعى بياته كانت الناس تشرب منه وتروي إبلها، وقد كان الماء هو عنصر الحياة الأول في الصحراء، فكثير من الناس يموتون عطشاً حين لا يجدون ماء أو طوي أثناء ترحالهم في البلاد.

وفي الماضي لم نكن نستقر في مكان، ففي السنة الواحدة نذهب إلى أربعة أماكن أو خمسة نتابع فيها الكلأ وخضرة الأرض، فنكون مرة في الذيد ومرة في فلج المعلا وأخرى في رأس الخيمة».

* الأرض للجميع

وتتحدث أم عبدالله عن الصحراء بحرقة فتقول: «كنا نعرف رمال الصحراء حبة حبة، وكانت الأرض للجميع أينما ذهبت تستطيع أن تبني بيتك، واليوم أصبحت الأماكن تقاس بالمتر وتباع بأسعار كبيرة، ولم يكن في المنطقة «خلوط» فالكل من قبائل معروفة يحترمون المرأة ولا يقتربون منها أو ينظرون إليها، كما هو الحال اليوم.

وكانت «البطائح» جارية والمطر دائم والحياة مبروكة، فالحلال يعيش في الصحراء ويأكل من نباتها، واليوم يطلب «السبوس» والحيشيش «ولا فيه فايدة» وأنا لم يعد لدي بوش كما في السابق فعندي «نويقة خلفت قعيد بعته بألف روبية» فلم أعد أستطيع اطعامه ورعايته كما في الزمان الأول».

ويستمر الحديث عن المنطقة وأسمائها وحياة الناس فيها في الماضي فتقول أم عبدالله «كان لكل بقعة اسم، ففي «بياته» عدة أماكن منها «هزع المرخة» و«هزع سعايد» والغبيطات» و«اليمحة» و«بلاجع».

وفي موسم الرطب كنّا نسير إلى الذيد أو الفلج على الجمال ولم يكن هناك حر كثير مثل اليوم، فالجو أكثر اعتدالاً، وكنا نقص عذق الرطب ونعلّقه ونأكل منه حتى ينتهي فنقص غيره، والناس تجتمع على المودة والجيران متعاونون، واليوم لا أحد يعرف عن الآخر شيئاً ولو مرضت داخل بيتك لا أحد يسأل عنك»®.

* المهر

وتتحدث أم عبد الله عن المرأة في الماضي فتقول: كانت الفتاة العذراء كالوحش في الفلاة لا تقترب من أحد، وحين تتم خطبتها تضع البرقع وتكون محتشمة، وكانت «صباحتها» مئتي روبية أو بكرة وقد تصل إلى ثلاثمئة روبية لمن تكون فائقة الجمال أو بنت شيخ وخاطبها متمكن ويستطيع الدفع، وكان المهر يعطى لأبيها وهو الذي يقرر زواجها.

ولم تكن المرأة تنظر إلى خاطبها، فقد كان الرجال يجتمعون ويرون من لم يتزوج منهم فيقولون عند فلان «بنت» فتجمعوا خمسة رجال أو عشرة، و«ضووا على الركاب» أي قصدوا بيت والد العروس يحملون السح والماء لرحلتهم فيخطبون الفتاة ويقيمون العرس من يوم الأربعاء حتى يوم الجمعة.

ويعقرون جملاً وخمس رؤوس غنم أو أكثر حسب إمكانيتهم ويتعاون الفريج من الأهل والجيران على الطبخ ومساعدة «المعرس» فيشترون «شوال أو شوالين من الرز» ويطبخونه مع اللحم، ويجتمعون للاحتفال ويرزفون في العرس حتى يتمون ثلاثة أيام.

وكانت المرأة جميلة «عاقصة» شعرها بالآس فلا تقصه كما تفعل نساء اليوم بل كانت المرأة تتفاخر بشعرها أمام صاحباتها حتى ان هناك من تربط ضفيرتها بإصبع قدمها بسبب طولها، وكانت قانعة برزقها ورزق عيالها، فلا تمتلك سوى «كندورة» نيل وخلق وثوب «ابريسم» وهي تخيط ثيابها فتضع «التلي» على الثوب وتصنع البرقع بنفسها.

ولا تجد الذهب إلا قليلاً، وكان سعر البرقع بربع روبية والكندورة بروبيتين، والمرأة في الماضي نشيطة تقوم بواجبات زوجها وبيتها وترعى أغنامها وإبلها وتربي الأبناء على العادات الأصيلة.

واليوم تترك كل شيء للبشكارة ولا تدري عن أطفالها شيئاً، فتجد الولد «يعلك اللبان» ويتكلم بالهاتف وحين تسأله أين أبوك يقول «ما أدله» ولا يعرف مسؤولية الضيف والضيافة، وكل هذا بسبب إهمال الأمهات وانشغال الآباء الذين تركوا المسؤولية واهتموا بأنفسهم فقط.

الذكريات عند أم عبد الله تثير الشجون فهي ترتبط عندها بحياة الشباب حيث القوة والنشاط فضلاً عن متطلباتها البسيطة، بينما يرتبط الحاضر بتقدم السن وكثرة المسؤوليات، فالبيوت تضيق مع كثرة الأبناء والأحفاد وصغر المساحة، لذا تجد البدوية التي تعودت أن تسكن خيمة تتلاعب الريح بأرجائها ويتسع أمامها فضاء الصحراء فتأنس بحنين إبلها.

ويبشرها اخضرار الأرض بالخصب والخير، لا تأنس بحائط يفصلها عن بيئتها الطبيعية، ولا ترضى بحياة اليوم الكسولة، فترفض تغيراتها وتنتقد أخطاءها، وتحن إلى أيام قطعت فيها الصحراء لتروي عطش أغنامها واستقرت فنسجت خيمتها بيدها وصارت سيدة البيت بمجهودها.

وتعود بنا أم عبد الله إلى شهر رمضان المبارك في الماضي وكيف كان يمر عليهم آنذاك فتقول: كنا نعيش في الصحراء ونعرف الشهر الفضيل برؤية الهلال ونفطر على رؤية الهلال كذلك، أما إذا لم تثبت الرؤية صمنا على حساب الأيام وعددها .

ولا تجد في الماضي أكلات كثيرة كالتي نراها اليوم، فإذا حل الغروب أفطرنا على التمر و«الكامي» الذي نعده بأنفسنا عندما نخض اللبن فنستخرج منه الزبدة ونشرب اللبن فيروى عطشنا، وكذلك كان طعامنا في السحور، وفي أحيان قليلة نذبح ذبيحة فيأكل منها الجميع حين تطبخ مع «العيش» أو الفريد.

وكانت مواقيت الصلاة معروفة حسب حركة الشمس ومكانها في السماء، وهكذا ينقضي الشهر الكريم بالعبادة والاستغفار كل حسب معرفته، فلم تكن هناك مساجد، فإذا وجد رجل «عارف» أذّن للصلاة في «رأس العرقوب» وصلى الناس جماعة.

وربما جلسوا قرب «الضو» ليتذاكروا الأخبار ويسأل بعضهم عن بعض، فإذا هل هلال العيد تهيأنا له، فتزينت النساء بالحناء والخضاب ولبسن الحلي من الخرز الملون أو الفضة إن وجدت، وتبادل الناس تهاني العيد، وأولم المقتدر منهم لجماعته واستمروا ثلاثة أيام ثم عادت الحياة إلى طبيعتها.

ودعنا أم عبد الله، ونحن نتمنى أن تنعم بالصحة والرضا متجهين نحو الحياة الحديثة في المدينة، تذكرنا الطبيعة الصحراوية على جانبي الطريق بحكاياها وأيامها الخوالي.

استطلاع دلال جويِّد