كتاب غريب في موضوعه، وفي أسلوبه هذا الذي كان من آخر ما اكتشف من مؤلفات أبي عثمان عمرو بن بحر (الجاحظ) (767 ـ 864)، صاحب «الحيوان» و«البخلاء» و«البيان والتبيين» بين شوامخ أخرى في قمة التراث العربي.
الكتاب الذي نعنيه هو «البرصان والعرجان والعميان والحولان» الذي، من دون رنة سخرية أو هجاء، يبحث في واحدة من أخطر القضايا التي كان نادرا ما جابهها الفكر العربي: قضية التشوهات الجسدية والعيوب الخلقية، ولكن من موقع إنساني حضاري خالص.
من يعرف الكتاب الذي وضعه الجاحظ عن «البخلاء» معددا فيه أسماء وأفعال أشهرهم متناولاً قالبهم ذاماً إياهم في معظم الأحيان، سيخدعه بالتأكيد عنوان كتاب آخر للجاحظ هو «البرصان والعرجان والعميان والحولان».
ذلك أن هذا القارئ سيخيل عليه على الفور أن هذا الكتاب مليء بدوره بالنوادر والتهكم الذي يبديه الجاحظ إزاء أصحاب العلل والتشوهات بدءا بنفسه، إذ نعرف أن الجاحظ ـوكما يدل اسمه ـ كان جاحظ العينين إلى حد لا يطاق كما كانت له علل وضروب قبح أخرى لطالما سخر منها في العديد من نصوصه.
غير أن الأمر في هذا الكتاب ليس على هذا النحو. فالجاحظ هنا لم يشأ أن يتوقف طويلاً في ذكره العيوب والعاهات ليسخر من أصحابها بل على العكس تماما، فقد رآه وقد قصد، حسب الدكتور عبد السلام هارون محقق الكتاب «أن يجلو صورة ناصعة مشرقة لذوي العاهات من الذين لم تكن عاهاتهم لتحول بينهم وبين تسنح الذرى.
وهو مهد لذلك بسرد شواهد وآثار من أدب العرب القدامى والمعاصرين له، في الاعتزاز ببعض العاهات والدفاع عنها، والصعود أحياناً إلى الفخر بها والتمدح وصدق الانتماء».
والحال أن سرد هذا كله في فصول هذا الكتاب الغريب والشيق من كتب التراث العربي، يبدو غريبا ولافتا خاصة ان الجاحظ لا يتوقف عن التأكيد في كل فصل وآخر أن ذوي العاهات لهم ذمة وميثاق عن من يطلعون على عوراتهم وعيوبهم من الأطباء الذين يظهرون على شتى العيوب الباطنية السرية.
وكذلك المغسلون الذين يطلعون على هنات الموتى قائلا إن «أول الشروط التي وضعت في أعناق الأطباء ستر ما يطلعون عليه في أبدان المرض. وكذلك حكم من غسل الموتى».
إذاً فإن الجاحظ يتناول موضوعه هذا، هنا، في كل جدية. وهنا لا بد من فتح هلالين للإشارة إلى أن ما دعا الجاحظ إلى وضع هذا الكتاب إنما كان مؤلف وضعه الهيثم بن عدي، تناول فيه هذا أصحاب العاهات ولكن من باب السخرية والإدانة.
وهو يؤكد هذا في قوله، للشخص المجهول الذي طلب منه تأليف كتابه «وقد خفت أن تكون مسألتك أياي كتابا في تسمية العرجان والبرصان والعميان والحولان من الباب الذي نبهتك عنه وزهدتك فيه. وذكرت لي كتاب الهيثم بن عدي في ذلك. وقد خبرتك أني لم ارض مذهبه. ولم أحب له حظا في حياته، ولا لولده بعد مماته».
واضح هنا أن الجاحظ إنما كتب «البرصان والعرجان...» كرد فعل غاضب على كتاب سابق. ومن هنا جاء إصراره على أن يكون كتابه كتاب مدح لا كتاب هجاء.
ومن هنا جاء الكتاب «ذريعة إلى بيان نظرة العرب في أدبهم وأشعارهم إلى هؤلاء القوم الذين كتبت عليهم العاهة، والتعامل الإنساني الرفيع معهم بالقول والفعل، الذي قد يصل إلى حد الإسراف في مدحهم إياهم بما بدا عليهم من تلك المظاهر أو استتر» كما يشير الدكتور هارون عن حق.
من ناحية مبدئية، استغرق المحققون والباحثون طويلا قبل ان يتيقنوا من نسبة هذا الكتاب نهائيا إلى الجاحظ، خاصة أنه كتاب لم يكتشف إلا حديثا نسبيا، ثم ان الجاحظ فيه ـ وعلى عكس ما هي الحال بالنسبة إلى كل كتبه الأخرى ـ لم يوضح إلى ما يهدي الكتاب. ومع هذا، لدى تفحصه حينا بعد حين، لاحق بسرعة حقيقة نسب الكتاب..
ووصل الباحثون إلى استنتاجات عديدة تتعلق به، يمكن تلخيصها على النحو التالي: أولا إن الكتاب يتناسب مع ميل الجاحظ الموسوعي إلى جمع المادة الغزيرة حول موضوع من المواضيع.
ومن ذلك مثلا ما جمعه من أخبار ومعلومات في كتابه «الحيوان» ثانيا، أن الجاحظ نفسه قد غلب عليه اسم عاهته حتى نسي الناس اسمه الحقيقي، من هنا كان منطقيا انه إنما أراد من هذا الكتاب القول أن ذوي العاهات .
هو منهم لا يقلون عن الإشراق شأنا ثالثا، إن الجاحظ يتناول هنا مسائل شغلت أبناء عصره، حيث انه لم يكن هو أول من كتب في عاهات البدن مبعدا إياها عن ان تكون عاهات عقلية أو روحية.
وطبعاً كعادته هنا في تناوله لموضوع كتابه يتناول الجاحظ في كل فصل من فصوله عاهة أو تشوها خلقيا (بدنيا) ليتحدث عن تاريخه وأسبابه ثم أشهر أصحابه ذاكرا الأشعار والأقوال التي أبدوها أو التي تناولتهم..
وهكذا يتتالى ذكر العرجان (في قسم خاص) ثم البرصان والحدب وأصحاب الأدران والمفاليج وصولاً إلى العناق الطويلة والصلع والقرع إلى آخر ما هناك، من دون نسيان التوقف مليا عند «باب القول في الأيمن والأعسر والأضبط» ملاحظاً ما قيل في فضل الأيمن على الأعسر.
غير أن ملاحظة هذا وذكر الأقوال والأشعار ذات التوجهات المختلفة، كلها أمور لا تمنع الجاحظ من أن يدلي برأيه الشخصي الذي غالبا ما يبدو مهتما بالجانب الإنساني من الموضوع، حتى ولو أبدى ذماما في بعض الأحيان لصاحب علة من العلل.
مؤكدا في طريقه أن العلة ليست هي سبب ذمه، بل سوء تعامله مع علته، إذ يورد الكاتب في الوقت نفسه أسماء أو حكايات آخرين من أصحاب ذات العلة، عرفوا كيف يتجاوزونها ويكونوا من الإشراف على رغمها.
في نصوص كتابه هذا، يميل الجاحظ، أسلوبيا، إلى البدء بذكر شخص من الأشخاص من أصحاب العلل ولا سيما من المعروفين شعبيا، والذين تتناقل العامة حكايتهم، ثم يروي لنا ما وقع لهذا الشخص من أحداث وطرائف، ومآس حتى. ويتناول بعد ذلك ما يمكن أن يقول صاحب العلة قد قاله، شعرا أو نثرا، تعليقا على ما حدث.
ثم ينطلق من هذا كله ليروي جملة أشعار وأقوال لآخرين تتناول الحالة ذاتها أو ما يشبهها. ومن البديهي أن تطول مراجع الجاحظ في هذا كله صنوف الشعر الجاهلي ثم شعر صدر الإسلام حتى أيامه..
غير أن هذا لا يمنع الجاحظ من الاستعانة بالقرآن الكريم والسنة الشريفة، حيث يذكران مثل هذه المسائل، انطلاقا من رغبته في أن يبين ما جاء به الدين من بعد إنساني وجديد في هذا المضمار. ولنلاحظ هنا أن الجاحظ لا يكتفي في معظم الأحيان بإيراد الأخبار والنوادر على علاتها، بل إنه غالبا ما ينشغل، في طريقه بتمحيصها تمحيصا نقديا، وخاصة إذا ما وجدها تتنافى مع الذوق السليم.
أو تتناقض مع ما كان مأثورا عن صاحبها أو عمن رويت عنه. أما الجانب الأطرف من الكتاب كله، والذي يمكن اعتباره تجديدا في المعرفة الموسوعية في زمن الجاحظ، فهو الجانب الذي يتوقف طويلا عند تعامل الإنسان مع جسده ونظرته إليه.
. بل نظراته إلى كل عضو من أعضائه، حتى وإن كان القرآن الكريم، كما يذكر الجاحظ قد أنكر على الناس التباهي بأجسامهم في قوله «ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً».
إن كل هذا يصنع من كتاب «البرصان والعرجان والعميان والحولان» كتاباً استثنائيا في تاريخ التراث العربي، وليس من منطلق موضوعه وشكله، بل أيضاً من منطلق رسالته الإنسانية.
