هي حكاية الفتى السويسري فيكتور فرانكنشتاين (لاحظ اسم عائلته بإيقاعه الجرماني).. إنه يدرس العلوم الفيزيائية والبيولوجية إلى حد أن أصبح شغوفا، بل مفتونا بها. يعثرون على هذا الفتى مغشيا عليه بين أغوار الجليد في منطقة القطب الشمالي.. يسأله قائد بعثة الاستطلاع الإنجليزية الذي أنقذه..
ـ ما الذي جاء بك إلى هذه القفار الثلجية؟
ـ كنت أبحث عن شخص هرب مني.
ـ في هذه البرية لم نصادف إنسانا بل صادفنا ـ يا للعجب ـ كائنا شكله كالبشر ولكنه وكأنه من العماليق وكان متجها مثل سهم أسطوري صوب منطقة القطب على متن زحافة عملاقة تجرها قطعان الكلاب.
ـ هذا الكائن هو من أبحث عنه بالضبط.
ـ من هو؟
ـ هو الشيطان الذي صنعته.. ولذلك قصة طويلة.
بعدها بدأ الشاب السويسري يحكي القصة من أولها: فيكتور فرانكنشتاين ينحدر من أسرة موسرة.. لكن فيكتور كان يحب العزلة وتستهويه تجارب المختبرات ويستبد به الفضول إلى معرفة ما يمكن أن يخبئه الكون والطبيعة والمخلوقات من أسرار.
وفي الجامعة يلتقي بأستاذه، البروفيسور وولدمان الذي يشجعه على التركيز على دراسة علوم التشريع والفسيولوجيا والكيمياء.. مما دفع الشاب الغريب إلى طرح سؤال أكثر غرابة هو:
ـ ترى كيف كانت بدايات الأشياء؟
في هذا الإطار تمضي الرواية إلى متابعة الليالي المسهدات التي أمضاها الفتي فرانكنشتاين حبيس المختبر يجري التجارب ويراجع المعادلات ويستفتي المراجع إلى أن توصل إلى كشف وإنجاز مذهل تلخصه الرواية في العبارة التالية:
«القدرة على بث أنفاس الحياة في أوصال المادة المحررة من الحياة».
هكذا ـ تضيف الرواية ـ امتلأت فرائص الفتى بمزيج من الرعب والاشمئزاز عندما استوى أمامه الكائن البيولوجي الذي شارك في «تصنيعه»®. أفاق من غفوة ألمت به ليجد إلى جوار سريره عملاقا أقرب إلى هيئة الوحش واقفا مكشرا أو مسفرا عن شيء يشبه الابتسامة.. لم يكن أمام الشاب سوى أن يخرج إلى السوق..
يلتقي ببعض من أصدقائه وكم كان ارتياحه حين عاد ليكتشف غياب المخلوق المتوحش الغريب.. وكم كان يؤرقه ما كان يتسامع به الناس عن جرائم قتل غامضة وقعت في أحياء المدينة ولا يجدون لها تبريرا أو تفسيرا وترددت أقاويل عن كائن عملاق له هيئة فظيعة يدب في طرقات البلدة.. يبحث عن نار للدفء أو طعام يسد الرمق.
وما أن تقع عين البشر عليه حتى يصاب بعضهم بالرعب أو بالصدمة ومنهم من يلقى مصرعه في التّو والحال. لم يكن يألفه أحد ولا كان يريده إنسان.. لم يجد العملاق أمامه سوى كوخ مهجور يأوي اليه.. ولكنه كان يستطيع من نوافذه أن يرى ما يحدث في أكواخ الجيران..
منهم أسرة فقيرة من فتى وفتاة وعجوز ضرير.. ظل الكائن الغريب يتابع كلامهم فيتعلم منهم لغة البشر ويعجب بهم إذ كانوا يحرمون أنفسهم من الزاد كي يقتات العجوز الضرير..
وكان طبيعيا بعد فترة التعلم أن يلتمس العملاق قراءة الكتب التي رأى البشر يتداولونها ومن هذه الكتابات قرأ دفاتر «تصنيعه» التي سبق إلى تدوينها الشاب الباحث فرانكنشتاين.. بعدها ذهب ليهدد «صانعه» ويطلب منه أن «يصنع» له رفيقة أنثى تؤنس وحشته.. ولما امتنع فرانكنشتاين انطلق المخلوق التعس ليقتل أفرادا ممن أحبهم رجل العلم.. وبعدها هرب إلى مواقع بعيدة..
وإذ خشي العالم على حياته إنطلق بحثا عنه ليكف أذاه وشروره عن خلق الله واستطالت رحلة البحث إلى حيث شمال العالم المغطى بالجليد وحيث سقط فرانكنشتاين في حفرة ثلجية فريسة الجهد والمرض والإعياء إلى أن عثر عليه الرحالة الإنجليزي والتون..
لكن هيهات فقد مات الباحث السويسري بعد أن روى حكايته وانشقت الثلوج فجأة فإذا بالرحالة يشاهد أمامه الكائن المشوه العملاق وقد انكب على جثمان صانعه يبكيه ويخاطب الرحالة قائلا: «كنت أود أن آتي إلى عالمكم رمزا للمحبة والتعاطف.. لكن شاءت الأقدار أن أصبح عبدا للتأثر والانتقام.. وآن الأوان كي أنهي حياتي بكل ما حفلت به من تعاسة».
يقول والتون الرحالة في رسالة إلى أخيه: «و.. قفز الكائن الغريب من نافذة الكوخ فاستقبلته الأمواج وطوحت به بعيدا حيث ضاع في دوامة يكسوها الظلام».
* الأفكار.. الرموز.. الدلالات
يرى النقاد أن أول ما تحذّر منه رواية ماري شيللي هو أن يبالغ المرء ـ إلى درجة الغلو ـ في مضمار الطموح.. إن هذا الإيغال يوصل إلى تطرف الطموح.
وقد يودي بكثير من القيم التي من شأنها أن تشيع الانضباط والأخذ بالقسط والاتزان في حياة الإنسان.. لقد تصور دارس البيولوجيا أن المختبر هو كل شيء، وأن المعلومات والعلوم هي كل ما يملك البشر فكانت النتيجة أن توصل إلى كائن خرافي لم يستطع السيطرة عليه .
ولا استطاع أن يسخره لصالح الخير أو البناء وعندما اعترف بمسؤوليته عن ذلك، وحاول أن يتراجع أو يصحح ما جنته يداه.. كان الأوان قد فات.. لقد انعزل فرانكنشتاين داخل جدار المختبر.. نسى الناس والحب والتواضع والطبيعة والزهور والربيع.. نسى إشراقة الصبح ولحظة حلول المساء وسط حمرة الشفق..
أصّم أذنيه عن همس الشجر وشدو العصافير ومناغاة الأطفال.. ولم يكن يستمع إلا لصوت طموحه أو غروره والى هدير غليان السوائل داخل أنابيب الاختبار. سولت له نفسه وصّور له خيلاء العلم أنه ساحر عظيم يستطيع أن يخترع المعجزات والمشكلة، المأساة أن انقلب السحر على الساحر وخرج المارد من القمقم وكان من المستحيل أن يعاد إليه.
وهكذا تقول الرواية أن للعلم حدودا وأن المعرفة مسؤولية وأن للعلم والمعرفة جانبان أحدهما إيجابي ينفع الناس والآخر سلبي مغرور قد يدمر حياتهم.
أما الكائن الغريب.. فقد صورته الرواية في حال من التجوال.. هائما على وجهه المرعب لا يقترب منه أحد ولا يشفق عليه إنسان.
وبغير النجوى والمحبة وبغير الرحمة والعطف ماذا تفيد الحياة اللهم إلا برودة العزلة ووحشة الكائن البائس الوحيد؟.. ليس صدفة إذن أن تكون نهاية الأستاذ فرانكنشتاين، ومعه الكائن الذي أسهم في «تصنيعه» بين الصخور الثلجية أو بين أمواج القطب الجليدي البعيد.
وعلى الجانب المقابل من المعادلة تتردد بين سطور الرواية صور النار.. إنها رمز الدفء والحب ووشائج العائلة داخل الأكواخ الفقيرة البسيطة بقدر ما أنها رمز الدمار والبغض حين يشكلها الكائن المصنوع فإذا بالأكواخ تحترق لأن أصحابها وساكنيها رفضوه ونبذوه من حياتهم.
* العمل في ذاكرة الإنسانية
المؤلفة، ماري شيللي اختارت لروايتها عنوانا فرعيا يرتبط كلاسيكيا بحكاية النار.. العنوان هو: «برومثيوس الحديث»
والمعروف أن زوجها الشاعر شيللي أبدع دراما شعرية (صدرت عام 1820) تعد أعظم ما كتب ذلك العبقري بين شعر الرومانسيين الإنجليز وعنوانها هو: «برومثيوس.. طليقا».صدرت ترجمة مهمة لهذا العمل لأستاذ كبير راحل هو الدكتور لويس عوض تحت العنوان المذكور.
إن برومثيوس هو بطل الأسطورة الإغريقية الذي سرق أسرار النار، بعد أن أخفتها آلهة الزمان القديم عن معرفة البشر.. ومن يومها ظل برومثيوس عبر العصور رمزا للتحدي والمهارة والشطارة الإنسانية لأنه قدم شعلة النار إلى البشر فاستطاعوا من خلالها أن يصهروا المعدن ويصنعوا الحضارة.
أين هذا كله من برومثيوس الجديد أو الحديث عند ماري شيللي: إنه فرانكنشتاين، الذي حاول أن يقدم للإنسانية، كائنا مصطنعا فلم يستفد من ذلك أحد.. لا الناس ولا الصانع ولا الكائن المصنوع.. ولا الحضارة أيضا.
* ا لمبدعة
اسمها ماري شيللي.. أديبة إنجليزية نشأت وسط ظروف شديدة الخصوصية.. أمها (ماري كذلك) كانت من رائدات حقوق المرأة في إنجلترا وأبوها ويليام جودوين كان من صفوة فلاسفة عصره.. وزوجها هو الشاعر الأشهر بيرسي شيللي وهو أحد أعلام المدرسة الرومانسية في الشعر الإنجليزي.
واضح أن صاحبة الرواية لم تكن فتاة او امرأة عادية.. في الثامنة عشرة هربت من بيت أسرتها بصحبة الشاعر شيللي الذي وقعت في حبه وسافرا وسط فضيحة مدوية للحياة معا في سويسرا إذ كان شيللي متزوجا في الأصل.. ولما انتحرت زوجته الأولى المسكينة ارتبط الاثنان برباط الزواج الشرعي فتشكلت بذلك عائلة صغيرة كان من أقرب أصدقائها شاعر رومانسي آخر هو اللورد بايرون.
وكم كان شيللي وماري وبايرون يمضون ليالي الشتاء في سويسرا حول المدفأة وهم يتبادلون إلقاء الشعر وسرد حكايات عن أيام الطفولة واليفاعة في إنجلترا.. هنالك اقترح بايرون ـ كما يقول مؤرخو الفترة ـ أن يكتب كل من الثلاثة قصة رعب ليكون أبطالها الأشباح..
وإذ ركز شيللي على قصائده الطوال فأصبحت من عيون الشعر الإنجليزي (أغنية إلى الرياح الغربيّة مثلا) وإذ انغمس بايرون في معمعة السياسة وحروب استقلال اليونان فقد تفرغت ماري شيللي إلى تنفيذ «المشروع» فكانت الرواية التي بين أيدينا في هذه السطور.
يرصده : محمد الخولي
