دخلت دبي فترة عقد الستينات وهي في أمس الحاجة لخدمات البنية التحتية المتطورة. فلا غرو، فقد أصبحت دبي في هذه الفترة من أكثر المراكز التجارية على الخليج حركة ونشاطاً كما ازداد عدد سكانها وعدد الوافدين إليها وتنوعت مطالبهم واحتياجاتهم. لذا فقد أصبح وجود بنية تحتية متطورة مطلباً مهماً من مطالب دبي.

شهدت سنوات الستينات، بالإضافة إلى تعميق خور دبي، بدء التفكير في تنفيذ مشروع ضخم أخر وهو إنشاء الميناء العميق(أو ميناء راشد) حيث إن خور دبي أصبح مزدحماً بالسفن التي تدخله والتي بلغ عددها في تلك الفترة حوالي 4000 سفينة في السنة.

وكانت هذه السفن وهي من نوع عابر المحيطات، ترسو في المياه الإقليمية على بعد أميال من الشاطئ ويجري تفريغها إلى صناديق (دوب) ومفردها (دوبة) تجرها القاطرات لتصل بها إلى الميناء قليل العمق كما بينا سابقا.

ففي عام 1964 كانت حركة الملاحة البحرية في دبي في تزايد مستمر نتيجة لتزايد نسبة السفن الإيرانية والباكستانية والهندية التي تصل إلى دبي. ولم تعد السفن المحلية الصغيرة قادرة على استيعاب حركة النقل من الشاطئ إلى داخل خور دبي مما أدى إلى ازدحام الحركة التجارية في الخور.

ومما زاد من الازدحام أن بعض الشركات العاملة في تطوير الميناء وشركات البترول مثل شركتي أويل فيلدز سبليز Oil Fields Supplies ومكدرموت ح..مٍُُُّّْ اتخذت لها مواقع على الخور.

وعندما تبين أن شركة البترول ستبدأ في الإنتاج من حقل «فتح» صار واضحا أن العمل والملاحة في الخور سيصبح أكثر صعوبة من ذي قبل.

لذا أعطت الحكومة الأوامر لشركة هالكروا المحدودة Halcrow Limited في عام 1965 للبدء في وضع تصور حول إنشاء ميناء جديد. ووضعت الخطة على أساس بناء ميناء بحري يطل على الخليج في وسعه استقبال أربع عابرات محيطات في آن واحد، مع خطة لاستقبال تسع عابرات في المستقبل.

ولكن تكلفة المشروع كانت كبيرة حيث بلغت حوالي 9 ملايين جنيه إسترليني. وقد تم توقيع العقد في يونيو 1967 إلا أن العمل فيه توقف بسبب الحرب العربية -الإسرائيلية والتي نشبت في تلك الفترة قبل أن يعود العمل في المشروع بعد عدة شهور.

* إضافات جديدة

كانت حركة التنمية في دبي خاصة والإمارات عامة مستمرة خصوصا بعد أن قررت بريطانيا في عام 1967 توسيع القاعدة الجوية الملكية البريطانية في الشارقة مما ترتب عليه زيادة الحركة التجارية.

لذلك سرعان ما أدخل الشيخ راشد تعديلا على خطة بناء الميناء الجديد بحيث يكون قادرا على استيعاب 15 عابرة محيطات عوضا عن 9 عابرات مما زاد من التكلفة الإجمالية إلى 23 مليون جنيه إسترليني.

وقد تم تمويل المشروع بالكامل من قرض اقترضته حكومة دبي من أحد البنوك بضمان الدخل المتوقع أن تحصل عليه الإمارة من البترول. وأوكل مشروع التوسعة الجديد لشركة كوستين. Costin هذا وقد تكلل المشروع بالنجاح .

وفي 25 أكتوبر 1972 افتتح الشيخ راشد الميناء الجديد رسميا وعرف باسم «ميناء راشد». وقد بدأ ميناء راشد العمل في استقبال السفن العملاقة وهكذا مكن هذا الميناء إمارة دبي من الاحتفاظ بمركزها التجاري المتميز في منطقة الخليج، ومن تكثيف دورها الاقتصادي كوسيط تجاري بين الشرق والغرب.

* تنظيم الجمرك

لم تكن دبي في أوائل القرن العشرين تمتلك أي مؤسسات اقتصادية أو إدارية أو سياسية منتظمة تدير شؤونها. وإنما كانت المشيخة والطبقة السياسية التي بيدها الحل والعقد تدير الأمور وفقا للنظام والعرف القبلي السائد في منطقة الخليج والجزيرة العربية لقرون.

ولكن التطور الاقتصادي والاجتماعي الذي حل بدبي جعل أمر تنظيم الجمرك تنظيما أداريا حديثا مطلبا ضروريا لمواجهة مطالب المجتمع التجاري المتزايدة بالإضافة إلى القاطنين في الإمارة.

كان الجمرك يمثل الإدارة الحكومية للبلاد في مدينة تنمو نموا تجاريا متزايدا. وكان الميناء يدار بشكل غير نظامي وعلى الطراز التقليدي إذ يقوم دوره على جمع الضرائب من حمولات السفن التجارية ويتم ذلك بأن يقوم الحاكم بتعيين أحد التجار ليأتي للحاكم بمبلغ مقطوع لقاء عمله.

فكان التاجر يجمع الضرائب من السفن بواقع 2 أنة (الروبية الهندية تتكون من 16 أنة) على كل حمل أو كيس. ويفاوض الحاكم عادة مع التاجر على أن يدفع الأخير للحاكم مبلغا مقطوعا على أن يكون الباقي للتاجر نظير أتعابه. ولم يكن ذلك النظام متبعا في دبي فقط بل كان متبعا في موانئ فارس وفي مسقط وبعض الموانئ الخليجية الأخرى.

وعندما انتهت الحرب العالمية الثانية ولمواجهة ظروف العصر تمت زيادة الضرائب على السلع التجارية إلى 5,3 أنة . وكانت البضائع التجارية تفرغ عند مبنى الجمرك المعروف محليا باسم «الفرضة» حيث احتفظ الحاكم بمكتب له هناك للإشراف شخصيا على هذه الدائرة.

وقد تولت شخصيات عديدة منصب التاجر المسؤول عن جمع الضرائب وكان آخر الشخصيات المهمة هو محمد الموسى. وفي عام 1955 أصبح البنك البريطاني للشرق الأوسط (الذي افتتح فرعا له في دبي عام 1946) هو المسؤول عن جمع الضرائب. ومنذ الخمسينات ازدادت نسبة الضرائب من 5,3% إلى 622,4% وكانت نسبة البنك هي 025,0% . كما ظل نظام التحميل والتفريغ على حاله حتى العام 1955.

ففي ذلك العام تولى أمر إدارة هذه الهيئة السيد محمد مهدي التاجر الذي انتدب من جمارك البحرين بناء على توصية من الوكيل السياسي البريطاني هناك ليعمل في ميناء دبي. فبدأ التاجر في إدخال سبل الإدارة الحديثة على نظام الجمرك. وقد نجحت الإجراءات الجديدة في تنشيط التجارة وزيادة الموارد المالية.

منذ منتصف الخمسينات تضاعفت أهمية الجمرك بوصفه الإدارة الحكومية المركزية التي تتولى مسؤولية توفير الدخل للبلاد. واتخذت معظم الشركات العاملة في الأمارة مراكز لها على ضفتي الخور لتكون قريبة من الجمرك ومن الخور حيث تقوم جميع النشاطات الاقتصادية. وكانت طرق تنزيل البضائع من السفن إلى الميناء ما زالت تلك الطرق البدائية. فكانت تنقل على ظهور الحمالين .

أما المواد الغذائية كالخضروات والفواكه فكانت تفرغ قرب أسواق الخضار عند مدخل الخور. ومنذ عام 1951 بدأ حجم التجارة يزداد وحجم البضائع الواردة ينمو ولم تعد فئة الحمالين قادرة على مواجهة الكم الهائل من البضائع المستوردة. في ذلك العام بدأت شركة كري مكنزي في استخدام معدات الرفع الضخمة أو الكرينات مع الرافعات الشوكية في النقل والتحميل.

كانت فترة الخمسينات تمثل فترة طفرة حقيقية لدبي. فقدت شهدت دبي تطورا كبيرا مع ازدياد أهميتها التجارية. بالإضافة لذلك فقد تضاعف سكان دبي في تلك الفترة ليصبح حوالي 000, 30 نسمة .

جذب المركز المتطور اهتمام الحكومة البريطانية التي سرعان ما قامت بنقل وكالتها في منطقة الساحل المتصالح لتكون في دبي بدلا عن الشارقة. وهكذا حازت دبي على أهمية اقتصادية وسياسية أيضا.

ولكن وعلى الرغم من اتساع مدينة دبي فإن الخدمات الجيدة فيها بقيت قاصرة. ولكن تطور المدينة العصري وتطور حاجات السكان كانت تتطلب بنية تحتية حديثة .

فمثلا وسائل جمع النفايات كانت حتى عام 1955 قديمة لا تتناسب وتطور دبي ولا تتم بطريقة صحية. فكانت النفايات تجمع عن طريق السكان في أماكن وسط المناطق السكنية ليأتي شخص مكلف من قبل سكان الحي لإزالتها.

ولم تكن هناك أماكن صحية لتجميع القمامة سوى في وسط الأحياء السكنية. ولكن في عام 1955 عينت الحكومة شخصا مكلفا بتجميع القمامة وإزالة تلك المخلفات التي أصبحت تنقل إلى خارج المدينة حيث تحرق هناك. وهكذا بالتدريج بدأت تظهر في دبي ملامح التحول نحو الحداثة ونحو تبني أساليب الحياة العصرية.

ترصدها: د. فاطمة الصايغ