في لبنان، وعلى شكل مختلف عن العديد من الدول العربية الأخرى، يمثل شهر رمضان المبارك فرصة للطوائف اللبنانية على تنوعها لكي تظهر وحدتها، حيث تشهد كل أرجاء البلاد الإفطار الجماعي الذي تدعو إليه القوى السياسية والأحزاب والجمعيات الخيرية والدينية، فالمسيحيون يقيمون موائد خاصة للمسلمين والمؤسسات الإسلامية تتبادل الإفطار في كل مكان عبر موائد الرحمن.
كرنفال رمضاني لا يتكرر إلا مرة في السنة، يقوم به المقتدرون والجمعيات الساعية لمساعدة الأيتام والفقراء ومنها جمعية المبرات الخيرية، جمعية الإمداد، دار العجزة ودار الأيتام الإسلامية وغيرها من المؤسسات التي تغتنم هذا الشهر لإقامة موائد الرحمن.
ولكن كيف يتم التحضير لهذا الإفطار؟ ومن هم المنظمون له؟ وكيف يتم تمويله؟ وهل يقتصر على طائفة معينة دون أخرى؟
قبل الخوض في التحضير لهذا الإفطار، يبدأ العمل بين المؤسسات الخيرية على تزيين الشوارع بالأضواء والإعلانات، حيث تقوم دار الأيتام الإسلامية بتزيين كل الشوارع الرئيسية، وكذلك تفعل «جمعية المبرات الخيرية» التي يشرف عليها المرجع الشيعي محمد حسين فضل الله.
وبعد هذه المرحلة تبدأ التحضيرات الفعلية لإقامة الإفطار في هذه المؤسسات التي تختلف من واحدة إلى أخرى، فقد تحتاج بعض الجمعيات إلى فترة طويلة قد تصل إلى أكثر من ثلاثة أشهر مابين توفير المواد التموينية .
وبطاقات الدعوات وصولاً إلى إعداد الخيم والموائد الرمضانية كما هي حال دار الأيتام الإسلامية أو يمكن أن تقتصر على بضعة أيام أو أسبوع إذ أن المؤسسة تكون قد جهزت ما يلزمها قبل فترة، لذلك لا ينقصها سوى أن توزع بطاقات الدعوة.
قبيل تنظيم هذه الموائد، يبدأ التحضير لإعداد الدعوات التي تبدأ كرسائل تمهيدية ترسل إلى المدعوين سواء كانوا شخصيات أو مؤسسات ثم تنتقل لتصبح رسائل تأكيدية للحضور.
ويتولى التنظيم في دار الأيتام الإسلامية، التي تتألف من 44 مركزاً، لجنة يتراوح عدد أفرادها بين 10 و20 شخصاً من العاملين في المؤسسة، فئة موجودة بصفة دائمة في اللجنة وفئة أخرى يتم انتخابها كل سنة بناء على اختصاصها، ويتم تحديد هذه اللجنة قبل حوالي ستة أشهر من بداية شهر رمضان للبحث في الخطوات التي يجب العمل على أساسها.
وإذا كانت بعض المؤسسات تكتفي بكوادرها في التنظيم، فهناك العديد منها يستعين بجمعيات وأشخاص «من خارجها»، وفي هذا الإطار يقول المسؤول في جمعية الإمداد الخيرية الإسلامية حسن رحمة إن «الجمعية غالباً ما تقوم بالتحضير لهذا الإفطار، بالتعاون مع مؤسسات أخرى أو حتى أشخاص يبدون استعدادهم لمساعدتنا في هذا المجال».
وفي مقابل هذه الفئة التي تنكب على إقامة «الولائم الرمضانية» في كل سنة، تحرص مؤسسات أخرى بإقامتها «في المناسبات»، ويقول مدير دار العجزة «عزام حوري» هذه السنة لدينا استثناء لإعداد هذه الموائد، فعادة لا نقوم بذلك ولكن هذه السنة يصادف مرور خمسين عاماً على تأسيس الدار ولذلك أردنا أن نحتفل بها بإقامة إفطار للمقيمين وموظفي المؤسسة وأيضاً للمساهمين في تمويل المؤسسة.
وبالعودة إلى هذه الموائد، فهي لا تقتصر على الإفطارات التي تقام داخل المؤسسات بل تتعداها إلى «الموائد المتنقلة» بين المناطق كافة، وتقول المسؤولة الإعلامية في «دار الأيتام الإسلامية» جنان جمعاوي «إن الإفطار الذي تنظمه الدار وحتى غيرها من المؤسسات ينقسم إلى نوعين: داخلي وهو خاص بالإفطار الذي يقام في المؤسسة نفسها، وخارجي يقام في المحافظات كافة».
كما تقسم هذه الافطارات المتنقلة إلى عدة فئات، فهناك الافطارات الخاصة بالسيدات وأخرى خاصة بالرجال وغيرها يقيمها طلاب الجامعات.
تقام هذه الإفطارات بهدف جمع التبرعات التي تحتاج إليها هذه المؤسسات من أجل إعالة المقيمين فيها، فدار العجزة والتي تقوم بهذا البرنامج للمرة الأولى، تسعى من خلاله إلى تكريم المتبرعين و«جمع التبرعات منهم في الوقت نفسه».
وعلى الرغم من أن هدف الغالبية من المؤسسات الخيرية التي تقيم الموائد الرمضانية هو جمع التبرعات إلا أنه في هذا الشهر تحديداً يسعى الكثير من الناس والمؤسسات إلى عمل الخير.
وفي هذا الإطار يشير رحمة من «جمعية الإمداد الخيرية الإسلامية» إلى أنه «في هذه الفترة من السنة وتحديداً مع بداية شهر رمضان نبدأ بتلقي المساعدات من التجار والعائلات، وأحياناً من المؤسسات الخيرية، فنتشارك في إعداد موائد رمضان».
وحال جمعية الإمداد لا يختلف عن حال باقي المؤسسات مع إضافات بسيطة وهي أن بعضها يعتمد على مصادر أخرى من التمويل، فجمعيتي المبرات الخيرية ودار الأيتام الإسلامية تعتمدان على مشروع صندوق جمع الصدقات، لكن، مع ذلك، تقدم الدولة مساعدات لهذه المؤسسات عبر وزارة الشؤون الاجتماعية التي تخصص لها سنوياً 23% من موازنتها.
وإضافة إلى التبرعات التي تأتي من المجتمع المحلي، تتلقى العديد من المؤسسات ومنها دار العجزة، تبرعات من المغتربين ومن دول عربية وأجنبية «كمبادرة سنوية لمساعدة المؤسسات الخيرية».
بيروت ـ رجانا حمية