هذا الكتاب جمع فيه كاتب جامع المرقصات والمطربات، أمثلة لم تتجاوز ألف بيت من الشعر، وبعد أن بين الطبقات الخمس التي بنى عليها جامعه، أشار إلى اقتصاره في هذا العنوان على المرقص والمطرب، ثم عرف بالكتاب.

وما لهم من نثر رائق وبعدها عمد إلى الشعراء واستخرج من شعرهم المرقصات والمطربات مرتباً إياهم على المئين أي تعود المئة، فيذكر شعراء المئة الخامسة مثلاً، وهكذا ويذكر ما في شعرهم من مرقصات ومطربات.

وقد طبع الكتاب عام 1869 م ـ 1286ه، والمؤلف هو ابن سعيد المغربي (610 ـ 685هـ ـ 1214 ـ 1286م) علي بن موسى بن محمد بن عبدالملك بن سعيد، العنسي المدلجي، أبو الحسن، نور الدين، من ذرية عمار بن ياسر، وهو مؤرخ أندلسي، من الشعراء، العلماء بالأدب. ولد بقلعة يحصب، قرب غرناطة، ونشأ واشتهر بغرناطة.

وقام برحلة طويلة زار بها مصر والعراق والشام، وتوفي بتونس، وقيل في دمشق. من تآليفه: «المشرق في حلى المشرق»، و«المغرب في حلى المغرب»، مكون من أربعة مجلدات، طبع منها جزءان، وهو من تصنيف جماعة، آخرهم ابن سعيد، و«المرقصات والمطربات».

و«الأدب الغض» و«ريحانة الأدب» و«المقتطف من أزاهر الطرف» و«الطالع السعيد في تاريخ بني سعيد» و«النفحة المسكية في الرحلة المكية» و«عدة المستنجز» و«نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب» و«وصف الكون» و «بسط الأرض» وكلاهما في الجغرافية، و«القدح المعلى» و«رايات المبرزين» انتقاه من المغرب».

* منهج المؤلف

يقول ابن سعيد: إن الله جل وعلا جعل قيمة كل امرئ ما يحسن ويقول، وشرف البلاغة أن تأخذ الافهام منها على قدر القرائح والعقول.. ولله در القائل: إن المتقدمين بنوا فأوثقوا، وإن المتأخرين زينوا ونمقوا، ورأيت في رسالة وإن لكل زمان ما يليق به من البيان.. ولم تزل البلاغة في كل عصر بالمشارق والمغارب تطلع ما يزين سماءها من شمس وبدر وكواكب..

وإني لما تغلغلت في الرحلة ما بين مشرق ومغرب، وملأت سمعي من كل معجب بنفسه، قمت محتسباً للبلاغتين وتبيين طبق الصناعتين، فاشتغلت بالكتاب الموسوم بجامع المرقصات والمطربات وما يعنون به من سائر الطبقات.. ولما شاع اشتغالي بالجامع المذكور تطلعت إليه همم أحالت أمانيها في الغرض من هذا الشأن عليه وتكرر الطلب والسؤال، قبل أن ينتهي إلى غاية الكمال.

فجعلت هذا الكتاب كالمقدمة بين يديه، وصنفته ليكون كالمدخل إليه (وسميته عنوان المرقصات والمطربات) وضمنته من النثر زهرات مقتطفة يسهل حفظها، ومن النظم بدائع أبيات لا يشق على القلب والطرف ذكرها ولحظها..

ولم أتجاوز في النظم ألف بيت، مما لا تحدي عليه بلو ولا ليت ورتبته على الأعصار ترتيب الفرائد في العقود، ومزجت المرقصات والمطربات فيه مزج الحمرة بالبياض في الخدود، وفصلت ما بين فضلاء الشرق وفضلاء الغرب كما فصل بين الجمعين حكم الطعن والضرب، ولم أتعرض للكلام على التنقيص والترجيح.

ولا تصرفت في طريقتي التقبيح والتلميح بل أتت بقليل النثر فصلا بعد فصل، وبالألف من النظم بيتاً اثر بيت، مجرداً جميع ذلك لتسهيل الحفظ، والطبقات التي بنى الجامع المذكور على الكلام فيها خمس: المرقص، والمطرب، والمقبول، والمسموع والمتروك.

فالمرقص: ما كان مخترعاً أو مولداً يكاد يلحق بطبقة الاختراع لما يوجد فيه من السر الذي يمكن أزمة القلوب بين يديه، ويلقي منها محبة عليه، وذلك راجع إلى الذوق والحس، مغن بالإشارة عن العبارة.

والمطرب: ما نقص فيه الغوص عن درجة الاختراع إلا أن فيه مسحة من الابتداع، والمقبول: ما كان عليه طلاوة مما لا يكون فيه غوص على تشبيه وتمثيل وما أشبه ذلك.

والمسموع: ما عليه أكثر الشعراء مما به القافية والوزن دون أن يمجه الطبع ويستثقله السمع، والمتروك: ما كان كلاً على السمع والطبع، والمقتصر على إيراده في هذا العنوان ما كان من طبقتي المرقص والمطرب، وكلاهما دائر على غوص الفكرة وإثارة المعاني..

وقد يلي من طبقتي المسموع والمقبول ما يكون توطئة للمرقص والمطرب فاجعله من جملة العدد بشفاعة ما يتعلق به ومعظم الاعتماد في هذا الكتاب على النظم لكونه أعلق في الأفكار، وأجول في الأقطار، وهو معين على نفسه في تذكاره ودرسه، ولم نخل بإهمال النثر بالكلية، بل أوردنا منه ما يكون كالعلم في الحلة الموشية.

والنثر في كلامهم يطلق عليه ما هو مقيد بالسجع وما هو غير مقيد وجميع نثر القدماء داخل في طبقة المقبول وما تحتها وفي الجامع المتقدم الذكر ترتيب ذلك على الأعصار مستوفى منه ما يختار استيفاء مختار الأشعار، ولا نورد هنا إلا ما كان مقيداً بالسجع المسهل للحفظ مما هو داخل في طبقتي المرقص والمطرب جرياً على ما اعتمدنا عليه في النظم.

* أمثلة من الكتاب

ابن الصيرفي المصري هو إمام المئة الخامسة بالديار المصرية كتب بها عن الخليفة الآمر ووقفت على ترسله في نحو عشرين مجلداً، ومنه استمد القاضي الفاضل، ومن أمعن النظر في ترسل ابن الصيرفي عل ذلك ومن ملح ترسله قوله: وكانت غربان الماء تحكي قطع السحائب في أديم السماء، يحسب الناظر أنها ركاب، طفت في بحر السحاب، أو جفون محدقة والمجاذيف أهداف.

أبو عباس الغثاني كاتب صاحب افريقية علم في الكتاب تعجز بلاغته، ومن فصول نثره قوله: سر إلى مجلس يكاد يسير شوقاً إليك، ويطير بأجنحة جواه حتى يحل لديك، فلله كماله إن طلعت بدراً بأعلاه.

وجماله إن وضحت غرة بمحياه، فهو أفق قد حوى نحوماً، تتشوف إلى طلوع بدرها لتقتبس منه، وقطر قد اشتمل على أنهار تتشوق إلى بحرها لتستمد منه وتأخذ الزيادة عنه، فإن مننت بالحضور، وإلا فيا خيبة السرور.