انطوني بارغس من أكبر الكتاب الانجليز في النصف الثاني من القرن العشرين. وحسبنا أن نذكر بعض أعماله، مثل «البرتقال الآلي» التي حولها ستانلي كوبريك فيلما شهيرا، و«سيمفونية نابليون» و«يسوع الناصري» حتى ندرك مكانته. لكن بارغس أيضا رحالة نبيه.
وهو، بعد أن عاش في ماليزيا ردحاً من الزمن في الخمسينات، عاد إليها بعد ربع قرن ليرصد تغيراتها الماضيه فيها، وخاصة كيف رغب يوما في اعتناق الإسلام حتى.. يكون له أربع نساء كما يقول.
المدن في ماليزيا تزدهر، ولا سيما منها كوالالامبور حيث تنتشر مؤسسات ضخمة وناطحات سحاب حديثة وفنادق في منتهى الفخامة. في كوالا.. يمكن لأي كان أن يفعل كما فعلت ويمضي ليلته في فندق أميركي الطراز، لكنه سيلاحظ بعض الشيء أن مستوى الرفاهية لا يزال منخفضا. ففي مرة، كنت في المصعد حيث انقطعت الكهرباء في كل المدينة.
تصوروا يومها بقيت محبوسا داخل ذلك المصعد طوال خمس ساعات. ومن الجدير بالملاحظة هنا أنك من العبث أن تبحث عن شاب ماليزي يرضى أن يعمل في أعمال صيانة الشبكات الكهربائية أو عاملا في المطارات والفنادق أو محطات السكك الحديدية.
هنا، كما في أماكن أخرى كثيرة، نكتشف بسرعة أن الصينيين والهنود هم الذين يقومون بالأعمال الوضيعة، أما الماليزيون فيتمسكون في كل لحظة بكرامة قومية تجعلهم يكتفون بحضور الاحتفالات الرسمية مرتدين ملابسهم الوطنية المحلية ذات الألوان الزاهية.
ومع هذا علينا أن نكتشف لنعترف بأن ماليزيا الحقيقة، العميقة، ماليزيا الماليزيين الأصليين لا توجد في المدن، بل علينا التوجه إلى الأرياف حتى ندرك حقيقة هذا الشعب الودود الكاره للمعارك، والذي يحذر المدينة وفسادها ويشعر بالراحة وهو في دياره.
إنها سعادة صنعت من زراعة الرز وصيد السمك وجني الموز والتوابل ولعب الشطرنج ووضع الشعر والغناء وممارسة الرقص التقليدي، إضافة إلى الذهاب إلى المسجد الجامع كل يوم جمعة للصلاة. بيد أن ما أقوله هنا إنما ينطبق بالأحرى على الجيل القديم الذي يتميز بلطف غامر وصوت عميق كتوم، وكرم الضيافة إضافة إلى علو الأخلاق.
ولكن ثمة في ماليزيا، كما في كل مكان آخر، جيلا من الناس استطاب الملذات الاستهلاكية، فشعر أن المدينة تجذبه إليها جذبا فسارع الخطا نحوها. ومن هنا، امتلأت شوارع المدن بضجيج الدراجات النارية (السكوتر)التي صارت بالنسبة إلى الشبيبة الماليزية رمزا يدل على الوضعية الاجتماعية.
غير أن هذه الدراجات سرعان ما تطأطئ رأسها لدى مرور سيارات «المرسيدس» و«البنتلي» و«الرولزرويس» التي يملكها أغنياء الصينيين هنا رمزا لثرائهم الفاحش.
في الشارع، يمكنك أن تلاحظ بسرعة أن الشبان الماليزيين عدوانيون. وهم لن يتأخروا في ضرب شاب صيني أو هندي.. هكذا على سبيل النزوة و«المزاح». والبعض منهم يعاقر الماريجوانا.. وكثر منهم يرتادون «اليسكوتيك». وفي الأرياف لن تتأخر طويلا قبل أن تلاحظ كم أن الأهل هناك قلقون على مصير أولادهم الذين توجهوا إلى المدن. إنها مع هذا صورة باتت كلاسيكية في طول العالم وعرضه اليوم!
على بعض الصعد، يقال إن الأمور لم تتغير كثيرا في هذا البلد. وهذا الأمر سوف تلاحظه خاصة إذا ما دخلت واحداً من تلك النوادي الشهيرة التي كانت في الماضي وقفا على الرجل الأبيض. لكننا إذا استثنينا الأميركيين الذين يأتون إلى هنا لقضاء الأعمال، سنجد أنه لم يعد ثمة وجود لأناس بيض في ماليزيا.
قد نجد ماليزيين ذوي بشرة بيضاء ينتمون إلى سلالات عريقة، لكنهم في الحقيقة ليسوا سوى مزارعين متقاعدين، يشعر الواحد منهم بالمرارة، ويبدون عاجزين تماما عن فهم أوروبا الحديثة التي قيض لبعضهم أن يزورها مرة أو مرتين. النوادي هي الآن في أيدي الصينيين والهنود من الذين، في اقتباسهم تقاليد بريطانية عريقة، جعلوا منها نوادي خاصة لجمهور هو نخبة النخبة.
وهذا الجمهور يرتاد النادي مساء للعب البريدج وتناول العشاء على الطريقة الانجليزية، أو لاحتساء قهوة في البار.. قبل أن يجلس الواحد منهم وراء مقود سيارته عائدا إلى دارته المطلية باللون الأبيض والتي يغلب الخشب في بنائها والواقعة، طبعا، عند ضاحية مشجرة خضراء.. وبصورة عامة يظل الماليزيون بعيدين عن ذلك المناخ كله. وعلما هذا يكون نظام نخبوي قد ولّى في ماليزيا ليحل محله نظام نخبوي آخر..
تكون الثروة معياره الأول، لا العرق ولا لون البشرة. بعد الظهر يحتسي هؤلاء الشاي. ويوم الأحد يلعبون الكريكيت.. اتباعا حرفيا للتقاليد الكولونيالية البريطانية. ومن نافلة القول ان لغة الحديث اليومي لدى أهل هذه النخبة هي الانجليزية. ومع هذا، اعترف هنا أنني أبدا لم أشعر بأني على سجيتي في أي من تلك النوادي.
. بل شعرتني غالباً منجذباً إلى الأرياف، حيث لم اكتف يومها ـ 1957 ـ برفض العودة إلى انجلترا.. بل فكرت بأن أصبح ماليزيا خالصا. وفكرت لحظة في اعتناق الإسلام معتقدا أني بهذا سأكون قادرا على الزواج من أربع نساء. يومها شرعت حقا في إجراء اللازم واخترت لنفسي اسم يحيى بن عبد الله، بعد أن بدأت في دراسة القرآن.
في ذلك الحين، كانت الحياة تبدو لي رائعة. وبدا لي، لسبب غامض، أن الحياة في المناطق الاستوائية تنشط كل حواس الرجل الأبيض، تجعله نهما إلى الأكل والشرب والحب. في نفس الوقت الذي تخبو فيه أحاسيس المرأة البيضاء وتذبل.
وهكذا، رحت أتخيل نفسي مع زوجات ماليزيات أربع ينجبن لي قبيلة من أطفال ذوي ألوان خيالية أطفال يحترمونني احتراما كبيرا وينادونني «بابا»، وفي لحظة قررت، حتى، أن أذهب للحج في مكة المكرمة لأحمل لقب الحاج يحيى.
وقلت لنفسي «سوف أصبح واحدا من الأعيان، واحدا من الذين يحييهم الناس بحب يوم الجمعة في المسجد. كدت أفعل ذلك كله. ولكن ذات ليلة، حين كنت غارقا في نوم سعيد سمعت صوتا أوروبيا يقول لي: «إن هذا العالم لم يخلق من أجلك. مكانك هنا عندي في أصقاع الشمال الباردة».
وبسرعة اتخذت قراري بالتراجع عن أحلامي، لكني حتى الآن وعلى الرغم من تقدمي في السن، لا زلت أتساءل عما إذا كان القرار الذي اخترته يومها كان القرار الأصوب.
اليوم ها أنذا أعود من جديد إلى بنانغن تلك الجزيرة الخضراء الواقعة إلى الشمال الغربي والتي تلقب عادة ب«لؤلؤة الشرق».
وهي في الحقيقة منطقة ساحرة بمناظرها الطبيعية وهوائها المنعش الآتي من البحر. في هذه الجزيرة، لا يزال المرء يشعر حتى الآن وكأنه مقيم في مستعمرات تلك الأيام التي كانت انجلترا سلطاتها على حوافر آسيا المالية الثلاث (بنانغ وسنغافورة وملقا). هنا يحس المرء بنفسه مأخوذا بروعة المشهد، ناهيك عن لطف السكان العفوي.
لقد تغيرت ماليزيا كثيرا. لكن ماليزيا التي عرفتها في الماضي لا تزال موجودة في كل مكان. وأحيانا كما كانت بالتمام.. وعلى الأقل في مدينتين هما كوالاكانفسار وكوتابارو. ولقد كان سلطان بيمرك قد جعل من الأولى مقره الرئيسي، حيث في وسع المرء أن يتأمل بكل إعجاب قصره المنيف المعروف باسم «ايستانا» إضافة إلى جامع اعتبره أعجوبة من أعاجيب الشرق..
في ماليزيا يمكن للمرء أن يسر أيضاً بالتعايش بين أنواع الأكل واللغات والحيوانات والنباتات، غير أن هذا لا يمنع القول بأن هذا البلد صار الآن مسيساً أكثر من اللازم.. ومن المؤكد أنه سوف يعاني الأمرين من هذا الواقع الجديد..