تظل قضية الزواج العرفي بين الشباب من أهم وأخطر القضايا في المجتمع العربي وخاصة بين طلبة الجامعات والتي امتدت لتشمل طلبة المدارس الثانوية، وقد أجمع العلماء والمراقبون لهذه الظاهرة أن السبب الأول وراء إنتشارها هو الجهل بالأحكام الشرعية المتعلقة بالزواج واللجوء اليه باعتباره أسهل الطرق لإشباع الرغبات وحلا وهميا ومؤقتا للمشكلات وسد حاجات عاطفية.

وغريزية ملحة دونما تكلفة أو عناء، وقد رصدت إحدى الدراسات الحديثة بكلية الآداب جامعة القاهرة هذه الظاهرة الخطيرة في رسالة تقدمت بها الباحثة «إلهام فرج» لنيل درجة الدكتوراة أكدت خلالها مدى التأثير السلبي المباشر الذي أحدثته هذه الظاهرة على مؤسسة الزواج الرسمية في مصر .

وكشفت من خلال الإحصاءات انخفاض معدل الزواج الرسمي الموثق بنسبة 30% تقريبا خلال العقد الأخير، وأشارت الباحثة الى أن الغالبية العظمى من المقبلات على الزواج العرفي هن من الفتيات صغيرات السن واللواتي لم يسبق لهن الزواج من قبل.

كما رصدت كثير من الحالات التي رصدتها وعددها حوالي 4710 تعرضن لمشكلات حادة وصلت في بعضها الى حد الكارثة. وقد حذر أغلب علماء الإسلام من خطورة الزواج العرفي على المجتمع وأصدروا فتاوى كثيرة بتحريم هذا الزواج السري ووصفوه بالزنا.

وعن معنى الزواج العرفي يقول الدكتور محمد رأفت عثمان عميد كلية الشريعة أنه زواج لم يأخذ صفة التوثيق في إحدى الجهات التي حددتها الدولة وهي على سبيل الحصر «المأذون الشرعي» إذا كان الزوجان مسلمين وداخل البلاد، و«مكاتب التوثيق» إذا كانت الزوجة غير مسلمة أو غير مصرية أو إذا كان الزوجان غير مصريين، و»القنصلية» أو «السفارة» إذا كان الزواج قد تم خارج مصر.

وأضاف أن كل عقد زواج لم يوثق في إحدى هذه الجهات يعد عقد زواج عرفي وبالتالي فهو عقد لم يوثق، ويرجع الدكتور رأفت عثمان إنتشار هذه الظاهرة الى الجهل بأحكام الشريعة ومن أهمها وجود ولي الفتاة فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «لا نكاح إلا بولي» ويقول: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل».

ويضيف د. رأفت أن ولي المرأة في الزواج بمعنى أن يكون ولي أمرها هو الذي يتولى عقد الزواج سواء كان الأب أو الأخ أو الجد أو العم أو أي شخص مسئول عنها مسئولية مباشرة في حالة عدم وجود أي من هؤلاء وذلك استنادا الى ما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا نكاح إلا بولي» .

وقد قال ذلك ثلاث مرات، ويضيف د. رأفت صحيح أن هناك رأيا في الفقه الإسلامي للإمام أبوحنيفة يقول أنه يجوز للمرأة البالغة العاقلة الرشيدة سواء كانت بكرا أو ثيبا أن تزوج نفسها دون ولي ولكن هذا الرأي ضعيف أمام ما يراه جمهور العلماء.

* عقود باطلة

أما فضيلة الشيخ عطية صقر الرئيس الأسبق للجنة الفتوى بالأزهر الشريف فيقسم الزواج العرفي الى نوعين: الأول عقد صحيح شرعا يتوافر فيه ولي الأمر والشهود ويحل به التمتع وتتقرر به الحقوق للطرفين وللذرية الناتجة عنه .

وكذلك التوارث وكان هذا هو النوع السائد قبل أن توجه الأنظمة الحديثة التي توجب توثيق هذه العقود، أما النوع الثاني من الزواج العرفي فله صورتان، صورة يكتفي فيها بتراضي الطرفين على الزواج دون أن يعلم بذلك أحد من الشهود أو غيرهم، وصورة يكون فيها العقد لمدة معينة كشهر أو سنة وهما باطلان بإتفاق مذاهب أهل السنة.

ويؤكد الدكتور رأفت عثمان أن عقود الزواج التي تتم دون ولي لا تسمى عقودا عرضية ولا غيرها وإنما هي عقود باطلة وهي أقرب الى الزنا إن لم تكن زنا، وعلى علماء المسلمين وأجهزة الإعلام أن تكثف جهودها في الجامعات والمدارس لبيان هذا الحكم الشرعي، فهناك كثير من الجرائم التي تتم تحت مسمى الزواج العرفي.

ويؤكد أن الخاسر الوحيد في هذا الأمر هي الفتاة التي تواجه مشاكل خطيرة وكثيرا ما تتعرض للفضيحة إذا حدث حمل وحتى إذا لم يحدث فعندما يتركها زميلها الذي أوهمها بصحة الزواج تجد نفسها وحيدة في مواجهة مجتمع لا يعترف إلا بالزواج الشرعي ولو كانت تزوجت بعلم وليها ما تعرضت لهذه المصائب.

ويرى الدكتور محمد نبيل أستاذ علوم الدين بالأزهر الشريف أن الزواج العرفي حرام ويوضح أن «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور متشابهات» وكل ما يقال حول الزواج العرفي أو السري هو حرام لأن الحكمة في الزواج هي الإشهار فكيف يكون الزواج السري زواجا صحيحا.

ويفسر فضيلة الشيخ عطية صقر الحكمة في اشتراط وجود ولي في عقد الزواج قائلا: لا يصح أن تزوج المرأة نفسها كطرف في العقد ولا أن تنوب عنها امرأة أخرى، وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك في قوله: «لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها».

وذلك بهدف التنفير من أن تزوج المرأة نفسها بدون إذن وليها أو من ينوب عنه، لأنها قد تتحكم فيها العاطفة فتتغلب على عقلها فكان لابد من الولي لإيجاد التوازن الذي ينظر الى المصلحة العامة وهذا في الحقيقة إدراك لخطر بناء الأسرة دون ضوابط لأنه بناء خلية يتكون منها المجتمع.

ويؤكد فضيلة الشيخ عطية صقر أن جمهور العلماء يرى أهمية وجود الولي لصحة عقد الزواج عرفيا أو غير عرفي وبخاصة في الأوساط أو العصور المفتونة بالحرية واستقلال الشخصية، واستغلال ذلك استغلالا سيئا أثبت الواقع فشله بعد أن تخمد عاطفة الشباب ويصحو العقل ليفكر.

ويدرك أن الزواج ليس إرتباطا بين شخصين بقدر ما هو إرتباط بين أسرتين، ومن شروط عقد الزواج سواء كان عرفيا أو غير عرفي «الشهود» فلا يقل عددهم عن اثنين، وقد بالغت بعض المذاهب الفقهية في أمر الشهود فاشترطت الشهود العدول بمعنى ألا تكون هناك شائبة دينية في سلوكهم.

* الازمات والظاهرة

ويشير الشيخ عطية صقر الى أن من أسباب انتشار ظاهرة الزواج العرفي أزمة المساكن والمغالات في المهور، فإذا يسر الناس المهور تيسرت أمور الزواج، ويضيف أن أحيانا ما يلجأ بعض الناس الى الزواج العرفي مع توافر شروط صحته لاستمرار حصول المرأة على معاش زوجها المتوفي مثلا.

وفي هذا يقول أن المرأة التي تلجأ الى هذا الزواج ستحتفظ بالمعاش على اساس أنها غير متزوجة ولكنها في حقيقة الأمر متزوجة عرفيا حتى لا يثبت ذلك في الأوراق الرسمية وتحرم من المعاش .

وهنا تكون استولت على ما ليس من حقها عند الله لأن نفقتها أصبحت واجبة على زوجها وهذا أكل للأموال بالباطل ومنهي عنه. وهنا وإن كان الزواج العرفي صحيح شرعا إلا أن له أضرار وترتب عليه أمور محرمة.

ويوضح الدكتور أحمد الطيب الرئيس الحالي لجامعة الأزهر الفارق الجوهري بين الزواج العرفي والزواج السري والخلط بينهما لدى شبابنا فيقول لابد أن نفرق بينهما، فالزواج العرفي قد يحتوي على شروط الزواج الصحيح ولذلك لا يكون حراما أو ممنوعا على طول الخط ولكنه لا يوثق بوثيقة رسمية غذ أنه باطل قانونا إلا إذا اعترف به الزوجان.

أما الزواج السري فهو زواج غير شرعي واقرب الى الزنا وللأسف أغلب الزيجات التي تتم بين طلاب الجامعة والمدارس من هذا النوع لأننا لو طبقنا شروط الزواج الصحيح سنجد أنه بعيد عنها، وأوضح الدكتور الطيب أن ما يحدث من زيجات بين طلاب الجامعات تجاوز حدود جامعات القاهرة .

ووصل الى جامعات الصعيد لدرجة أن بعض الأسر تقتل بناتها إذا علموا بأمرها، ويؤكد أن هذه الزيجات غير شرعية وتعتبر اعتداء على الفتيات اللاتي ينخدعن لأنهن في سن حرجة ويختلطن بالشباب بلا ضوابط محكومة في ظل غياب دور استاذ الجامعة وبالتالي غياب القدوة لدى الشباب.

ويرى أن سبب إنتشار ظاهرة الزواج السري غير الشرعي هو إرتفاع تكاليف الزواج وغلاء المعيشة، وقد ساهمنا كإعلام ومجتمع في تزايد هذه الظاهرة بالإنفصال بين ثقافتنا وتقاليدنا والتركيز على بث قيم وأفكار تعمل على هدم الزواج كمؤسسة راسخة في عالمنا الشرقي.

القاهرة ـ محمد هشام