هو العلامة الحافظ القاضي أبوبكر محمد عبدالله بن محمد بن عبدالله المعروف بابن العربي المعافري الاندلسي الاشبيلي المالكي، وهو من مفاخر علماء الإسلام بالاندلس وآخر أئمتها وحفاظها، كان أبوه من فقهاء أشبيلية ورؤسائها.
ولد سنة 468 هجرية الموافق 1075 ميلادية بإشبيلية وتأدب ببلده، وقرأ القراءات، ثم رحل الى مصر والشام وبغداد ومكة وكان يأخذ عن علماء كل بلد يرحل إليه حتى أتقن الفقه والأصول وتوسع في الحديث والرواية وأتقن مسائل الخلاف والكلام، وتبحر في التفسير وبرع في اللغويات والأدب والشعر.
قال عنه أحد تلاميذه، وهو القاضي عياض، ومن قدر التلميذ نتبين الاستاذ: استقضى ببلده فنفع الله به أهلها لصرامته، وشدة نفوذ أحكامه، وكانت له في الظالمين صورة مرهوبة، وتؤثر عنه في قضائه أحكام غريبة ثم صرف عن القضاء وأقبل على نشر العلم ـ واشتهر اسمه وكان رئيساً محتشماً وافر الأموال بحيث أنشأ على اشبيلية سوراً من ماله ـ وبلغ رتبة الاجتهاد.
تعرض في تفسيره للقرآن لسور القرآن جميعها، لكنه يضع جل اهتمامه في بيان آيات الأحكام، أي يبين أصول الاحكام بالقرآن ثم يفصل الحكم منتصرا لمذهب الإمام مالك الذي يدين به..!
وقال هو عن نفسه: «حذقت القرآن وأنا ابن تسع سنين، ثم ثلاثاً لضبط القرآن والعربية والحساب فبلغت ست عشر سنة وقد قرأت من الأحرف ـ أي القراءات ـ نحوا من عشرة بما يتبعها من إظهار وإدغام ونحوه.. وتمرنت في الغريب والشعر واللغة»®.!
ولما بلغ السابعة عشرة قضى الله بسقوط دولة آل عباد في سنة 485، فخرج به أبوه من اشبيلية يوم الأحد مستهل ربيع الأول قاصداً شمال افريقيا فكان أول نزولهم في ثغر أنشيء منذ سنين قريبة على ساحل بلاد الجزائر، وهو ثغر «بجاية».
الذي نزل به ابن العربي هو وأسرته ولبثوا فيه مدة تتلمذ فيه ابن العربي على كبير علماء هذا البلد أبي عبدالله الكلاعي، ثم ركبوا البحر مشرقين إلى ثغر «المهدية»، وفيها أخذ عن عالمها ابي الحسن بن علي بن محمد بن ثابت الحداد الخولاني المقريء، قال ابن العربي «فكنت أحضر عليه كتابه المسمى بالإشارة وشرحها وغيرهما من تأليفه.
وكان ذلك بالمهدية في شهور سنة 485» وفي المهدية أيضاً أخذ عن الإمام أبي عبدالله محمد بن علي المازري التميمي «453 ـ 536».ولما ابحروا من المهدية قاصدين السواحل المصرية تجددت لهم النكبة بهياج البحر عليهم، فوقعوا من ذلك في حادث وهو ما قاله عنه: «وقد سبق في علم الله ان يعظم علينا البحر بزوله.
ويغرقنا في هوله، فخرجنا من البحر، خروج الميت من القبر، وانتهينا بعد خطب طويل ـ الى بيوت بني كعب بن سليم ـ ونحن من السغب على عطب. ومن العرى في أقبح زي.
وقد قذف البحر زقاق زيت مزقت الحجارة منيئتها ـ جلدها ـ ودسمت الأدهان وبرها وجلدتها، فاحتزمناها أزراً، واشتملناها لفعا ـ ما يلتفع به أي يلتحق أو يتدثر ـ تمجنا الأبصار، وتخذلنا الأنصار.. فعطف أميرهم علينا.
فأوينا إليه فآوانا، وأطعمنا الله على يديه وسقانا وأكرم مثوانا. وكسانا بأمر ـ أي بسبب أمر حدث ـ حقير ضعيف، وفن من العلم طريف.وشرحه ـ أي بيانه ـ أنا لما وقفنا على بابه ألفيناه يدير أعواد الشاه ـ أي قطع الشطرنج، فعل السامد اللاه.
ـ السامد هو اللاه أيضاً يعني الكلمتين مترادفتين ـ فدنوت منه في تلك الأطمار، ـ أي الأسمال الممزقة ـ وسمح لي بياذقته ـ أتباعه وحراسه ـ إذ كنت من الصغر في حد يسمح فيه للأغمار. ووقفت بإزائهم أنظر إلى تصرفهم من ورائهم.
اذ كان علق بنفسي بعض ذلك من بعض القرابة في خلس بطالة، ـ أي بعض أوقات الفراغ المختلسة بين أوقات العمل والجد ـ مع غلبة الصبوة والجهالة ـ أي الميل الى الخفة وعدم الحكمة. فقلت للبياذقة: الأمير اعلم من صاحبه.
فلمحوني شزراً، وعظمت في عيونهم بعد ان كنت نزراً ـ أي قليلاً ـ وتقدم الى الأمير من نقل اليه الكلام، فاستدناني، فدنوت منه، وسألني: هل لي بما هم فيه بصر؟
فقلت: «لي فيه بعض نظر، سيبدو لك ويظهر. حرك تلك القطعة» ففعل، وعارضه صاحبه، فأمرته ان يحرك الأخرى، ومازالت الحركات بينهم تترى، حتى هزمهم الأمي.
وانقطع التدبير، فقالوا: ما أنت بصغير.. وكان في أثناء تلك الحركات قد ترنم ابن عم الأمير منشداً: وأحلى الهوى ما شك في الوصل ربه.. وفي الهجر، فهو الدهر يرجو ويتقي ثم قال بعدها: لعن الله أبا الطيب، أو يشك الرب؟!
فقلت له في الحال: ليس كما ظن صاحبك أيها الأمير، إنما أراد بالرب هنا الصاحب. يقول: ألذ الهوى ما كان المحب فيه من الوصال، وبلوغ الغرض من الآمال، على ريب، فهو في وقته كله على رجاء لما يؤمله، وتقاة لما يقطع به، كما قال:
اذا لم يكن في الحب سخط ولا رضا
فأين حلاوات الرسائل والكتب
وأخذنا نضيف الى ذلك من الأغراض، في طرفي الإبرام والانتقاض ـ أي الموافقة والمخالفة، ما حرك منهم الى جهتي دواعي الانتهاض، وأقبلوا يتعجبون مني، ويسألونني كم سني؟ فبقرت لهم حديثي، وذكرت لهم سري. وأعلمت الأمير بأن أبي معي، فاستدعاه، وقمنا الثلاثة الى مثواه ـ أي جواره ـ فخلع علينا خلعه، وأسبل علينا أدمعه ـ أي اشفق لحالنا.
وجاء كل خوان، أي مائدة، بأفنان الألوان، فانظر الى هذا العلم، أي لعبة الشطرنج الذي هو الى الجهل أقرب، مع تلك الصبابة اليسيرة من الأدب ـ أي النبذة ـ كيف انقذانا من العطب ـ وهذا الذي يرشدكم ان غفلتم ـ الى الطلب ـ أي تحصيل ما يستطيعون من علم فإنه سينفع وسرنا حتى انتهينا الى ديار مصر»®.!
وهذه القصة العجيبة ذكرها في كتابه: «ترتيب الرحلة، للترغيب في الملة» وكانت مصر وقت قدومه اليها تحت حكم المستنصر أبي تميم حفيد الحاكم بأمر الله الفاطمي، وهو عصر انزواء أهل السنة وظهور المذهب الشيعي.
ولهذا كان ابن العربي اذا أراد ان يتلقى دروسه في الإسناد على أبي الحسن علي بن الحسن الخلعي الموصلي الأصل المصري المولد ذهب الى القرافة الصغرى قريباً من قبر الإمام الشافعي.
وانتقل ابن العربي بعد ذلك الى بيت المقدس، ليجد فيها الإمام أبابكر محمد بن الوليد الطرطوشي الفهري من كبار علماء المالكية الاندلسيين.
وهو كابن عربي خرج من الأندلس يريد الشرق فذهب الى العراق ثم الى دمشق، ثم الى بيت المقدس، فاستفاد منه ابن العربي كثيراً قبل ان ينتقل الى مصر ويستقر بالاسكندرية. كما لقي ابن العربي بيت المقدس أيضاً ابن الكازروني، ثم انتقل الى دمشق فأقام بها وأخذ عن علمائها الافذاذ امثال ابي الفتح نصر بن ابراهيم المقدسي.
والحافظ بن محمد هبة الله بن أحمد الاكفاني الانصاري الدمشقي وأبي الفضل أحمد بن علي بن الفرات، رغم انه من علماء الشيعة، وأبي سعيد الرهاوي، وأبي القاسم بن أبي الحسن القدس، وأبي سعيد الزنجاني.
وقد ذكر الرفاهية التي كانت عليها الديار الشامية فترة إقامته بها، مستدلاً بواقعة وقعت له، اذ دعي الى تناول الطعام في بيوت بعض الأكابر، فرأى نهراً جاريا الى موضع جلوسهم ثم يعود الى ناحية اخرى، قال:
«فلم أفهم معنى ذلك، حتى جاءت موائد الطعام في النهر المقبل الينا، فأخذها الخدم ووضعوها بين أيدينا، فلما فرغنا القى الخدم الأواني وما معها الى النهر الراجع، فذهب بها الماء الى ناحية الحريم من غير ان يقرب الخدم من تلك الناحية، فعلمت السر، وإن هذا لعجيب»®.!
ورحل مع أبيه من دمشق قاصداً دار الخلافة العباسية ـ بغداد ـ وكان الخليفة المقتدي بالله، وكان دينا خير قوي النفس عالي الهمة من نجباء بني العباس، وكان من محاسنه أنه نفى المغنيات والخواطيء، وأمر بالمحافظة على محارم الناس وصيانتها، وكانت أصول الخلافة مرعية الجانب، وحضارتها مزهرة.
. ثم بويع بعده للمستظهر بالله أحمد ـ بعد سنتين ـ من قدوم ابن العربي الى بغداد، وكان الخليفة الجديد مهذباً مثقفاً، ضليعاً في الأدب بليغ التوقيعات ـ هي بمفهوم العصر التأشيرات التي يخاطب بها المرؤوسين أو القرناء من الأدباء وأهل الشورى والنفوذ..!
وفي هذا المناخ العلمي أخذ ابن عربي في توسيع ثقافته وتلقي العلوم عن أهلها، حتى برع في علوم السنة وتراجم الرواة وأصول الدين وأصول الفقه وعلوم العربية والآداب، فتتلمذ على أبي الحسين المبارك بن عبدالجبار الصيرفي المعروف بابن الطيوري، المحدث الكبير، وأبي الحسن علي بن الحسين البزاز، وابي المعالي ثابت بان بندار البقال.
وابي عامر محمد بن سعدون، وابي الحسين أحمد عبدالقادر اليوسفي، وشيخ بغداد في الأدب أبي زكريا يحيى التبريزي، ولقي شخصيتين من أكابر علماء أو شخصيات المسلمين وهما محمد بن عبدالله بن تومرت وهو رجل ادعى النسب العلوي، ثم ادعى انه المهدي المنتظر، وهذا الرجل اعجب بابن العربي وأوصى عليه خلفاءه ليكرموه..
والثاني هو أبو حامد الغزالي ـ صاحب احياء علوم الدين ـ ويقول ابن عربي: «رأيت الغزالي في البرية وبيده عكازه وعليه مرقعة وعلى عاتقه ركوة، وقد كنت رزيته في بغداد ويحضر درسه أربعمئة عمامة من أكابر الناس وأفاضلهم يأخذون عنه العلم ـ فدنوت منه فسلمت عليه، وقلت له:
يا إمام، أليس تدريس العلم ببغداد خيراً من هذا؟ فنظر اليّ شزراً وقال: لما طلع بدر السعادة في فلك الإرادة «أو قال: في سماء الإرادة» وجنحت شمس الوصول، في مغارب الأصول:
تركت هوى ليلى وسعدى بمنزل
وعدت الى تصحيح أول منزل
ونادت بي الأشواق: مهلا فهذه
منازل من تهوى، رويدك فانزل
غزلت لهم غزلاً دقيقاً فلم أجد
لغزلي نساجاً، فكسرت مغزلي
ومن بغداد ذهب الى مكة للحج والتلقي عن من بها من العلماء، ثم عاد الى بغداد قرابة السنتين، ثم قفل راجعاً إلى اشبيلية عن طريق دمشق ثم فلسطين ثم الاسكندرية.
وقد ترك ابن العربي تراثاً علمياً مجيداً في شتى الفنون، منها ما ذاعت شهرته، مثل كتابه الفذ «العواصم من القواصم» فيما شجر بين الصحابة من خلاف، وفيما يجب على المسلم الصادق من توقير الصحابة جميعاً وعدم النيل من أعراضهم والتطفل على علائقهم.. ومنها شرحه على الترمذي المسمى «عارضة الاحوذي في شرح الترمذي».
ومنها في الفقه «المسالك في شرح موطأ مالك»، «القبس على شرح موطأ مالك بن أنس»®. وفي التفسير: «أحكام القرآن» و«القانون في تفسير القرآن العزيز»، «أنوار الفجر في تفسير القرآن»®. وغير ذلك كثير.
علي عيد