قبل اختراع المصابيح الكهربائية، عانت المجتمعات الانسانية من انتهاء الانشطة الحياتية عند مغيب الشمس، وحاولت جميعها مغالبة ذلك التحدي الذي يواجه تطورها ومعيشتها بوسائل مختلفة من الإضاءة الصناعية كالمسارج والمشاعل والمصابيح الزيتية.
وكان هذا التحدي مزدوجا في الحضارة الاسلامية، فبالاضافة إلى الدواعي المعيشية المعتادة كان المسلمون بحاجة ماسة إلى الإضاءة الاصطناعية الغامرة لإنارة مساجدهم وقت أداء صلوات المغرب والعشاء بل والفجر أيضاً، ولتوفير سبل آمنة للمارة في الطرقات قاصدين المساجد في هذه الاوقات المعتمة.
لقد كانت هناك دوافع دينية حقيقية الجأت أولي الأمر والحرفيين على حد سواء الى البحث عن كل جديد ومبتكر من وسائل الإضاءة الاصطناعية، مع إكسابها أشكالاً من الجمال الفني يتوافق مع الاغراض المقدسة لها وجلال المواضع التي ستبث فيها، ويلبي في الوقت ذاته فلسفة الاتقان والروح الزخرفية التي هيمنت كليا على منتجات الفنون التطبيقية في الفن الاسلامي.
وزيادة على ذلك فان ادارة الشئون البلدية في الحياض الاسلامية الكبيرة، راحت تحث المواطنين على إنارة الطرق ليلا وجعلت ذلك واجبا على اهل الحارات واصحاب المتاجر بالاسواق، وقد تبارى هؤلاء التجار في اقامة وسائل اضاءة اقوى تأثيرا واقدر على مقاومة الظروف الجوية المعاكسة مثل سقوط الامطار وهبوب الرياح.
واجمالا فان هذه التطورات والدوافع والاحتياجات، تضافرت لتجعل من وحدات الإضاءة في الفن الإسلامي ميدانا واسعا للابداع في التقنيات والاشكال والزخارف، فضلا عن التنوع الكبير في مواد الصناعة لتلبية شتى أنواع الاحتياجات ومختلف القدرات الشرائية للسكان الفقراء والمستورين على حد سواء.
ومما له دلالته الموحية أن عدداً لابأس به من روائع أدوات الإضاءة الاسمية، كالشماعد والثريات والمشكاوات والمسارج والمصابيح قد آل إلى المتاحف الفنية من ممتلكات الكنائس الاوروبية.
كما ان المشكاوات الزجاجية كانت من بين المنتجات التي حرصت الجمهوريات الايطالية على تقليدها والاتجار بها في حوض البحر الابيض وشمال أوروبا أيضاً بوصفها من انتاج الحوافر الاسلامية وذلك قبيل اختتام سنوات القرون الوسطى وحتى بدايات العصور الحديثة.
وكما جرى للعديد من التحف التطبيقية الاسلامية انزوت وحدات الإضاءة التقليدية إلى أركان العاديات التي تباع للسائحين والراغبين في تزيين منازلهم بقطع فنية تحمل عبق التاريخ، واحتلت مكانها المصابيح الكهربائية ذات الإضاءة الغامرة والمستقرة، لتنير اركان المنازل وأروقةالمساجد وقاعات دور العلم والمكاتب والمصانع والطرقات ايضا.
ولكن صناع وحدات الإضاءة لم يلبثوا أن طوروا أعمالهم لتتوافق مع مقتضيات الانتشار الواسع للكهرباء وراحوا يكسبون أدوات الإضاءة الكهربائية أشكالاً مستوحاة من الانماط القديمة لمنتجاتهم فالشماعد المعدنية التي كانت تصنع قديما من النحاس المكفت بالفضة والذهب، استعيرت اشكالها البسيطة، الاقل زخرفة والاخف وزنا.
وصيغت من النحاس الاصفر (المغلوط بالزنك) وعوضا عن الشمعة التي كانت تثبت بأعلى الشمعدان وضع مصباح كهربائي يتصل بأسلاك في قاعدة الشمعدان. ذلك بالاضافة إلى الاستمرار في عمل الشماعد ذات الشموع لأغراض الديكور والزينة.
وظهرت أيضاً الثريات التقليدية المؤلفة من قطع معدنية مختلفة الاشكال والحقت بها المصابيح الكهربائية الزجاجية، عوضا عن مصابيح الزيت القديمة، وإن كانت هذه الثريات لم تلق رواجا بين الناس بسبب ثقل وزنها من ناحية وارتفاعاتها واحجامها الكبيرة التي لا تتماشى مع الاسقف الخراسانية العادية وارتفاعات المباني الحالية.
بيد ان هذه الجهود الفردية وغيرها من الابداعات الحرفية التي تعيد انتاج بعض الاشكال القديمة في ثوب عصري وكهربائي تبقى محدودة الاثر قياسا بما تقوم به جهات الوقف في العديد من الاقطار الاسلامية من اعادة الاعتبار للاضاءة الليلية بها بالتخلي عن الاشكال النمطية للمصابيح الكهربائية التي تباع في الاسواق.
وتعميم المشكاوات الزجاجية والقناديل لتصبح وحدها، بالاضافة إلى بعض الثريات المعدنية ووحدات الإضاءة المعتمدة داخل المساجد، اخذا في الاعتبار وضع المصابيح الكهربائية بداخل هذه المشكاوات والقناديل.
لقد تحولت هذه الوحدات التراثية للاضاءة إلى مجرد إطار زخرفي للمصابيح الكهربائية، ولكن ألوانها وزخارفها الرائقة اعطت لإضاءة المساجد نعومة هادئة وأجواء روحانية تتناغم مع عقود اروقة الصلاة وزخارفها. لقد اكملت ما كان مفتقداً من الطابع التاريخي المميز لبيوت الصلاة وقاعاتها دون ان تفتقد ميزات الإضاءة الكهربائية.
أحرزت المشكاوات والقناديل نجاحاً نهائياً في المساجد، ولكن ذلك ليس بكاف لإحياء فنون الإضاءة الإسلامية على مستوى المجتمعات العربية والاستخدامات اليومية للمواطنين في اماكن الاقامة اذ يحتاج الامر إلى جهة راعية في ثقل جهات الوقف.
ولعل وجود العديد من المنظمات العربية والإسلامية لرعاية العلوم والثقافة يكون فاتحة لجهد علمي واداري لتشجيع مبادرات تحث الحرفيين واصحاب الورش الصغيرة على تبني نتاج دراسات متخصصة، لتصميم وحدات اضاءة تستلهم تراث الفن الإسلامي في هذا المجال وتأخذ في ذات الوقت بعين الاعتبار الاحتياجات الفعلية للمنازل العصرية الحديثة.
وكما يحدث عند الشروع في عمل كتالوجات الفنون التطبيقية، أو ما يسمى «بالاطلس» فإن البدء بحصر تصنيفي للوحدات القديمة للإضاءة واشهر نماذجها المعروفة، سيكون ملائما لحث الجمهور على التأمل المكثف لميراثهم الثقافي.
وكذلك لمساعدة الراغبين في ولوج أبواب التصميم الإبداعهي لوحدات إضاءة كهربائية ذات أنماط تقليدية تعبر عن الشخصية الحضارية لمجتمعاتنا الاسلامية، لمساعدتهم في استلهام اجمل ما في هذه الوحدات التقليدية من عناصر قابلة لإعادة الانتاج.
إن اطلاق مشروعات او مسابقات لاعادة الوجه التراثي لوحدات الإضاءة الإسلامية سيكون لها أبعد الاثر في استنهاض همم الفنيين والحرفيين من الاجيال الجديدة على وجه الخصوص ولفت انتباه المجتمع بأسره إلى هذا العنصر المهم في عمليات إحياء الفنون الزخرفية الإسلامية.
ولاشك ان انتاج وحدات اضاءة تلبي الاحتياجات المستحدثة وتراعي التصميمات الحديثة للغرف والاثاث سيكون له نفع اكبر في الترويج لهذه الوحدات، وإشاعة استخدامها، فضلا عن اعطاء قدر من الاهتمام للمواد المستحدثة والرخيصة الثمن التي تستخدم الآن في صناعة أدوات الإضاءة الحديثة ولا سيما تلك التي اثبتت جدارتها العملية ومطابقتها لمواصفات وشروط الامان، بحيث يمكن الإفادة منها في تصنيع أدوات الإضاءة التي سيتم إنتاجها وفقا للتقاليد الفنية والزخرفية القديمة.
