من حواري إمبابة كان يخرج الفتى إبراهيم أصلان قاصداً نهر النيل لتمضية جزء من نهار رمضان وفي يده سنارة خشبية يصطاد بها السمك ويقتل بها وقت الفراغ غير أنه سرعان ما يصاب بالملل فلم تعلق بسنارته أي سمكة كما اشتد عليه الجوع والعطش فترك سنارته وانضم لقافلة الأطفال يلهو ويمرح بجوار مدفع الافطار حتى يسمع انطلاقته فيهرع إلى البيت لتناول الافطار.
ويحكي الأديب إبراهيم أصلان عن رمضان وذكرياته في الطفولة وكيف كان يقضي أيام رمضان قائلا: «ارتبط شهر رمضان لدي بالنهر في حي امبابة حيث قضيت طفولتي وشبابي على شاطئ النهر في هذا الحي .
وهو أحد الأحياء الشعبية الشهيرة في القاهرة فما زلت اتذكر في طفولتي كيف كنت أقضي اليوم الرمضاني، أقوم في الصباح بغسل وجهي ثم المضمضة كثيراً اعتقاداً بأن ذلك يخفف عني وطأة العطش في الصيام أما عن بقية اليوم فكنت أقضيه مع الأطفال على شاطئ النهر قريباً من مدفع رمضان في المنطقة المتسعة من النهر عند منحنى الكوبري.
وكنا نترقب انفجار المدفع ونتحلق حوله قبيل أذان المغرب بدقائق وكانت هناك طقوس جميلة تشدني في حي إمبابة مستوحاة من المقولة الشعبية «رمضان عشر أكلات وعشر حلقات، وعشر خلجات» وهذه المقولة تعبر عن عادة شعبية جميلة متوارثة وتفسيرها أن الأيام العشرة الأولى من شهر رمضان يولي الناس اهتمامهم لإعداد أنواع من المأكولات.
أما الأيام العشرة الثانية فهي للتداول في الشؤون المالية استعداداً للعيد والأيام العشرة الأخيرة فهي الخلجات والملابس الجديدة وأرى ان كل شهور السنة متشابهة ولكن رمضان يأتي لكي يضبط ايقاع هذه الشهور بطقوسه الروحية وذكريات الطفولة والعائلة عندما تكون مجتمعة ولمة الناس أتصور من غير رمضان لا يمكن أن يكون هناك ذاكرة، فلا ذكريات ذات قيمة بلا ذكريات رمضان.
فمثلاً عندما نجلس في صمت كامل يأتي رمضان يعطي صوتاً لهذا الصمت، وينبض بإحساسه بالوجود، فرمضان بالنسبة للعام هو الصوت المميز الذي يعطي للذاكرة هذا الوجود ونستعيد أجواء ضاعت وأناساً رحلت.
كما أتذكر وبكل صراحة أنه لم يكن عندي جلد للصوم وأنا صغير ولكني كنت أحاول الصيام وكنت أتوضأ حتى يمكنني أن أبتلع جرعات من الماء دون أن يراني أحد وهذا في السنوات الأولى من عمري التي حاولت فيها الصيام.
ورمضان ارتبط في ذاكرتي بشدة الحرارة ووجود البلح الأحمر فإذا وجدته عرفت أن رمضان قادم والصيف وصورة رمضان التي لا تغيب عن ذاكرتي، وقد تربيت في بيت في منطقة الكيت كات وكنا نذهب للعب على شاطئ النهر عند كوبري إمبابة وكنا نقف على حافة الشاطئ قبل الأذان بدقائق كي نشاهد المساحة البيضاء التي تظهر على النهر عند انطلاق المدفع.
وكانت على الجانب الآخر من النهر كنيسة وكانت تضاء أنوارها بعد أن يضرب المدفع ويتحد دخان المدفع مع أنوار الكنيسة وكأنها نوع من الوحدة، فهو نوع من التآزر الجميل الذي يكذب كل الدعاوى حول اضطهاد المسيحيين.
وهذه من الذكريات التي تعود إلى سنوات بعيدة لكنها تبقى في مقدمة الذكريات، صحيح أن بعض المظاهر الرمضانية القديمة وكثافة الاحتفال لم تعد كما هي ولكن سيظل رمضان شهراً مختلفاً وتظل القاهرة في رمضان هي أكثر بلدان العالم الإسلامي ابتهاجاً به.
أما عن ذكرياتي مع فانوس رمضان فقديماً كان الفانوس بالشمع وعندما كبرت وأصبحت أشتري الفوانيس لأولادي كنت دائماً أبحث لهم عن الذكريات عن فانوس بالشمعة مثل زمان، ومثل الفانوس الذي عرفته ومسكته وأنا صغير، خلال طفولتي القصيرة والتي لم تستمر كثيراً حيث واجهت الحياة وتحملت مسؤولية أسرتي.
ولا أنسى أنني كنت طفلاً شقياً جداً وكان صعباً السيطرة علي بأي شكل من الأشكال، ولكن كل الأشياء ونحن صغار تكون مختلفة ودائماً الاشياء التي ضاعت والتي ليس من الممكن تعويضها تنطوي على حميمية خاصة ..
وعندما نستعيدها لا نستعيدها خالصة ولكن نستعيدها بقدر من الشجن والحنين وما يضفى عليها من شجن. أما عن ارتباط شهر رمضان بالكتابة الإبداعية لديّ فالحقيقة ان الكتابة غير مرتبطة بالمواسم أو الشهور إلا أنني أفضل حاليا الكتابة في فصلي الخريف والشتاء بعد ما تعرض الربيع إلى حملة من النهب الجوي .
ولكن شهر رمضان بشكل خاص كان محوراً لقصة أدبية كتبتها منذ سنوات بعنوان «السوق» وهي تدور حول إنسان لا يستطيع صوم رمضان ويبحث عن مكان في كل أنحاء القاهرة كي يمارس عادة الافطار السيئة بشرب سيجارة ويتناول كوباً من الشاي إلا انه لا يجد أي مكان فعندما يذهب إلى منزل أخته المتزوجة يجد عندها ضيوفاً .
وعندما يذهب إلى أحد زملائه الذي يستطيع أن يتستر عليه لم يجده ولم يستطع فعل ما يريد في هذا اليوم. القصة تؤكد على فكرة أن البعض قد يتخذ موانع الصيام تكؤة للتهرب من الصيام، كما تكشف القصة على ان الصيام يعني حرمان النفس من الشهوات قبل الطعام والشراب.
ويؤكد أصلان أن شهر رمضان هو الشهر الوحيد الذي تتجانس فيه الأمة كلها وينضبط ايقاع الافراد والمجتمع وتسود روح المشاركة والتعاون والود مما يخلق لدى الفرد شعوراً بأنه عضو في أمة كبيرة هي الأمة الاسلامية والعربية.
ومما لاشك فيه أن طبيعة رمضان تتداخل كثيراً في حياة الكاتب وبالنسبة لي كثيراً ما يتيح لي نهار الصوم الوقت الكافي لأفرغ من قراءاتي التي عادة ما تكون وثيقة الصلة بكتب التراث فضلاً عن قراءة القرآن الكريم.
