تعد مرحلة بدايات القرن الماضي مرحلة مخاض ثقافي وفكري في منطقة الإمارات إذ شهدت هذه المرحلة بروز المدارس شبه النظامية ووصول المدرسين من خارج حدود الإمارات لتدريس الطلاب من خلال تلك المدارس أو الحلقات الخاصة.
كما شهدت بداية البعثات الدراسية إلى الخارج، حيث غادرت مجموعة من أبناء الإمارات إلى مناطق مختلفة لتلقي المزيد من العلوم، بعد أن كان الأمر مقتصراً على سفر شخص أو اثنين.
وقد مثل تواصل أبناء الإمارات مع المثقفين من أبناء الدول العربية الأخرى، سواء في بلدانهم أو في الهند التي كانت ملتقى للمثقفين العرب آنذاك. وتواصلهم مع الصحافة نقلة في تنمية الوعي لديهم وسعيهم لمحاكاة تلك التجارب.
أثارت مقالة علي الحلي التي نشرها في مجلة «صوت البحرين» بعنوان «أسقطوا شوقي من إمارة الشعر حفيظة أحمد بن علي العويس الذي لقب نسبه بالمقداد، فرد عليه في ذات المجلة بمقالة حملت عنوان «أسقطوا الأدعياء من منائر الشعر».
وهذا ما يؤكد أن أدباء الإمارات لم يكونوا في موقع المتلقي فقط، بل كانوا في مراكز الإنتاج أيضاً يرفدون الساحة الثقافية العربية بمساهمات تنم عن وعي فكري ولديهم في ذلك حجة ومنطق، والخصومة الأدبية التي وقعت بين علي الحلي والمقداد دليل على تأثر أبناء المنطقة بما يجري في العالم العربي من أفكار وتطورات ولديهم فيها وجهات نظر.
وهنا في هذه الحلقة ننشر رد المقداد على علي الحلي في كل يوم يطالعنا الفكر الأدبي بآراء حرة تصور الواقع وتضفي عليه صوراً شتى من خيال ذلك الفكر، يعدل حيناً فلا يميل ولا يخرج من حيز المألوف، ويشتط ويسرف في الخلط والإسفاف حيناً آخر. ومفاجأة هذا الشهر هو حديث تفضل بنشره على صفحات مجلة «صوت البحرين» الغراء الأستاذ علي الحلي تحت عنوان «أسقطوا شوقي من إمارة الشعر»..
ومع تقديرنا العظيم لآراء الأستاذ الفاضل واحترامنا لأفكاره، فإن هذا لا يمنعنا من أن ننكر عليه تحاملاً مكشوفاً وجهه إلى شخصية عظيمة من شخصيات الأدب العربي المعاصر، شغلت عقول الناس وقتاً طويلاً ولا تزال تشغلها إلى ما شاء ربك.
كنا نستطيع أن نكون مع الأستاذ الحلي لو كان حديثه يرمي إلى المناداة بخلع شوقي من إمارة الشعر في وقتنا هذا على الأقل، فإذا كان شوقي رحمه الله قد نصب أميراً للشعر منذ عشرات السنين فلا يجوز أن تبقى هذه الإمارة سارية إلى الأبد.
ما دمنا نعترف بأن المواهب الشعرية تولد في كل وقت وفي كل مكان، وليست موقوفة على زمان معين لا تتعداه إلى غيره، وليس بدعاً أن يلد عصرنا هذا شاعراً يجب أن يمنح لقب الإمارة في دولة الشعر والشعراء.
ونحن لا ننكر هذا مع أننا يجب أن نسارع فنعترف بأن مكان شوقي لا يزال شاغراً حتى الآن، ولكننا ننكر بشدة أن شوقي (لا يستحق لقب عريف في دولة الشعر الفني) وأنه (لم يكن فناناً بالدرجة التي تؤهله لتقبل وسام الإمارة) إذا لم يكن الفن هو الذي يحرك أوتار القلوب ويهز مشاعر الوجدان فما هو الفن بالمعنى الصحيح الذي يريدنا الأستاذ الحلي أن نعتنقه ونؤمن به؟!
إن هذا التحامل لا مبرر له بالنسبة لراحل عظيم لا نزال نعتز به وبتراثه الأدبي الخالد، وهب نفسه وكرس شعره وفنه لخدمة الأمة العربية والإسلامية في آلاف المناسبات.
صحيح أن الأستاذ الحلي ينزع إلى التجديد والابتكار في أساليب الشعر ومذاهبه وأن الفن الرومانتيكي الذي استولى على عقول الشعراء في أوروبا يجب أن يتخذ طريقه إلى الشعر العربي المعاصر فيخرج على طوره القديم الذي مضت عليه السنون الطويلة، والصحيح أيضاً.
ومراعاة للإنصاف، هو أنه مهما بلغ تعصبنا الجديد المبتكر يجب أن لا نعمى ونتصامم عن عظمة الفن القديم وعن روعة الخيال اللتين كان يتسم بهما في عصر ذهبي غابر، سمت فيه الحضارة إلى أوج لا يحلم العرب أن يصلوا إليه في هذا العصر الحديث.
نحن لا نريد أن نناقش آراء الدكتور غلاب حين وضع أحمد شوقي في صف الشعراء الرومانتيكيين، فإن نظرة واحدة نلقيها على شعر شوقي تكفينا مشقة الجدل والنقاش. والشرط في تلك النظرة أن تكون نزيهة لا تتعامى عن الحق ولا تخجل من قول كلمة الإنصاف.
إن كل من قرأ الشعر العربي وتتبع تطوره منذ قرون خلت إلى عصرنا هذا يجد أن شوقي لم يقف ـ كما حاول الاستاذ الحلي أن يتهمه ـ بترسم خطى الفن القديم فينهج نهجه دون أن يهتم بتطور الشعر وانتقاله من قديم إلى حديث. ولكن ماذا نفعل وقد شاء الحلي أن يسم راحلنا العظيم بهذا الميسم في العقوق والنكران؟
وبمعنى الاستاذ في حديثه ـ وأنا آسف إذ أقرر الواقع ـ فيلف ويدور، ويأتي بألفاظ مهلهلة غليظة تصك السمع فلا يفهم لجرسها معنى وما أزال ـ ويشهد الله ـ أبحث عنها في المعاجم اللغوية الحديثة حتى الآن!! ثم ينتهي الرجل إلى هذه النتيجة الضخمة فيقول لا فض فوه (إن شعر شوقي عار عن الطاقة الإنسانية المعبرة عن الإحساس الجمعي والمشاعر الوطنية)!
أغلب ظني إن لم تخني الذاكرة ـ وبعض الظن إثم ـ ان الأستاذ الحلي شاعر يهتم بالشعر وبأهله، فهل يجوز إن لم يقف على شيء من نفحات شوقي الوجدانية ومن نفثاته الوطنية الخالدة أن يقرر هذا وهو مطمئن البال قرير العين؟! اللهم انه جحود.. ولا يرضيك، ونكران الواقع وغمط للحقوق، فأنا لله وإنا إليه راجعون.
ثم يتنزه الأستاذ الحلي من الاعتبارات الإقليمية ـ لا أدري لماذا ـ فيقول (إن جل شعر شوقي لا يرتبط بالانفعال الشعوري والأداء النفسي والخلق الفني الرائع)!! ثم يسرد قائمة من أسماء الشعراء الذين عجز شوقي أن يصل إلى شأوهم أو يجري مجراهم أو حتى أن يلحق بغبارهم!
وعندي أن مقاييس الشعر أبسط مما يريدها الأستاذ الحلي أن توصف (بانفعال شعوري) و(أداء نفسي) إلى كل ما هنالك من اسفاف وطمس لحقائق ناصعة ظاهرة رأي العين، بل إن مقاييس الشعر هي بمدى ما يتأثر به الناس وبما يستحوذ على قلوبهم ويهز أوتارها وبما يحرك أشجان البلابل فتتمايل على دوح الشعر وتغرد طرباً وإعجاباً.
وذلك ما حققه شوقي واستطاع أن يأسر قلوب الملايين من البشر دون أن يفطن أحدهم إلى أن شعر شوقي كان ينقصه (الانفعال الشعوري) و(الأداء النفسي) إلخ.. وإذا لم يكن هذا هو الفن الرومانتيكي الذي يسبح بحمده الأستاذ فماذا عسى أن يكون؟!
ولكن ما لنا نتعجل، فإن في الأمر سراً عجيباً ذلك هو أن الذين تغنوا بشعر شوقي فوجدوه متاعاً للنفس وطهوراً علوياً للروح ليسوا ضفادع لا يحسنون إلا النقيق كما شاءت عبقرية الأستاذ الحلي أن تصفهم!!
سبحانك اللهم وهبت العبقرية الخالدة لمن تشاء من عبادك ومسخت البقية الباقية ضفادع لا تعرف من أمر الحياة إلا النقيق!! ذلك والله تشويه للواقع وطمس للحقائق وإلا لما جاز لشاعر من شعرائنا أن يأخذه الحماس والتعصب الجديد حتى يصم الأدب العربي بهذه الوصمة الشائنة المعيبة.
ومن رأيي أن ليس شوقي هو الذي يجب أن تسقط منه إمارة الشعر، بل يجب أن يسقط الأدعياء من منائر الشعر أولئك الذين ان قالوا شعراً عجزوا عن أن يستوقفوا القارئ عنده فإذا به يمر عليه مروراً عابراً دون أن يفقه له لحناً ولا وزناً فلا يحرك شجناً ولا يثير طرباً، وإذا سألتهم قالوا لك إنه شيء مبتكر جديد فلا يجوز للشعر أن يتجمد فيقف حيث هو منذ آلاف السنين .
أو إذا نفحص هذا الجديد ونحاول أن ننظر إلى شيء من الإبداع أو فراغاً موحشاً وجدباً مملاً يحيط به فأولئك هم الأدعياء فأسقطوهم من منائر الشعر.
إعداد :بلال البدور
المقداد ـ الشارقة
