قبل أن يبدأ القرن العشرين بعامين، أي في العام 1898 كان ثمة عصر غنائي أوشك أن يأفل، العصر الذي شهد أمجاد عبده الحامولي وألمظ ومحمد عثمان وكان امتداد هذا العصر وتواصله يتمثل في الشيخ سلامه حجازي وأمجاده التي انتقلت من مجرد الغناء وسط «تخت» من «السنيدة» .
والعازفين الذين يستخدمون آلات العزف البدائية إلى المسرح ليولد المسرح الغنائي على يدي سلامة حجازي وأيضا في مطرب أصيل الصوت هو المطرب عبد الحي حلمي وقد جاء وقت انفرد فيه عبد الحي حلمي بأمجاد الطرب في مصر.وكان هو حلقة الامتداد والاستمرار للعصر الذي يوشك أن ينقضي برحيل عبده الحامولي واعتزال الشيخ سلامة حجازي وذاع صيت عبد الحي حلمي فلم يكن هناك في العام 1892 مطرب أشهر ولا أحلى صوتا منه.
وفي ليلة 16 أغسطس 1891 كان عبد الحي حلمي يجري مع تخته بروفة على دور جديد من أدواره الغنائية واضطر إلى أن يوقف البروفة عندما تداخلت مع الأنغام أصوات تصدر عن امرأة جاءها المخاض وتوشك على الولادة كانت أخته.
في تلك الليلة ولدت الأخت ولدا.. أطلقوا عليه اسم «صالح» قدر له فيما بعد أن يرث من خاله عبد الحي حلمي موهبة الصوت العريض الحلو الذي يبدع وهو يغني بكل طبقات الصوت وكل مقامات السلم الموسيقي.
وقدر له أيضا أن يكون مرحلة الانتقال في الطرب والغناء في مصر بين العصر الذهبي لعبده الحامولي ومحمد عثمان وسلامة حجازي وبين العصر الحديث المتطور الذي بدأ بالشيخ أبو العلا محمد والشيخ سيد درويش وانتهى بمحمد عبد الوهاب وأم كلثوم.
ورغم تقلبات هذا العصر ووجود عشرات الأصوات الغنائية رجالا وسيدات فقد قدر للصبي الذي حمل اسم «صالح عبد الحي» أن يكون الصوت المغرد الذي حمل عبء الأصالة الشرقية في الموسيقى والغناء ولم ينحدر مثل غيره إلى غناء «الطقاطيق» أو «الأدوار» التي تخاطب الغرائز وظل متمسكا بتقاليد الغناء القديم طيلة حياته وعلى امتداد أكثر من نصف قرن.
تربى الصبي صالح في بيت خاله عبد الحي حلمي وعندما أصبح قادرا على نطق الكلمات، كان يتميز بأذن موسيقية قادرة على التقاط كلمات الأغاني وانغامها من خاله أثناء البروفات التي كان يجريها استعداداً للحفلات.
وعندما دخل ليدرس في كتّاب الحي كان سريع الحفظ سريع التعلم قادرا على استيعاب دروس الخط والحساب واللغة العربية بقدر ما كان قادرا على حفظ القرآن الكريم حتى سبق كل أقرانه..
كان الالتحاق بالأزهر الشريف للدراسة حلم كل الشباب في ذلك الوقت وورغم أنه ارتدى في شبابه الجبة والقفطان والعمامة وتهيأ لدخول الأزهر إلا أن موت خاله عبد الحي 1912 وهو لم يكمل الرابعة عشرة من عمره جعله يتجه بكل كيانه لدراسة الغناء والتفرغ تماما للطرب.
كانت نشأة صالح عبد الحي في بيت خاله سببا في اتساع وعي الصبي ومداركه لحفظ وترديد أشهر أغاني مطربي ذلك العصر وكان خاله يحب سماعه وهو يردد أغانيه وأغاني الآخرين بصوت شجي عذب فتأكد أن الله قد منّ عليه بموهبة الغناء ليكون خليفته ووارث مجده.
وقبل رحيل الخال دفع بابن أخته الموهوب صالح عبد الحي ليتلقى دراسات منتظمة في الغناء والألحان والعزف على يدي الشيخ علي الرشيدي وكان صييتا ومطربا وعالما بأصول الغناء والعزف وله جمهور كبير من المريدين والعشاق.
ولم يلبث الشيخ علي أن بدأ يصطحب تلميذه صالح إلى الحفلات التي يدعى إليها لكي يشركه في الغناء مع التخت حتى يتم استعداده على الغناء بمفرده في الحفلات.
* غناء منفرد
وجاءت الليلة المشهودة التي انفرد فيها صالح عبد الحي بالغناء بمفرده.. كان أحد القضاة المعروفين وهو القاضي محمد النجار يستعد لإقامة حفل زفافه في بيت أسرته العريقة في حي «الحلمية الجديدة» الذي كان حي الأثرياء والطبقة الراقية في تلك الفترة وكان القاضي الشاب من عشاق عبد الحي حلمي.
وقيل له ان عبد الحي حلمي ترك خليفة له لا يقل عنه موهبة وحلاوة صوت هو ابن أخته صالح عبد الحي فاتفق معه على إحياء حفل زفافه وتألق صالح عبد الحي في تلك الليلة وكان أجره فيها عشرة جنيهات ذهبية وصلت بعد فترة قصيرة من الصيت والغناء في الحفلات العامة إلى مئة جنيه ذهبي.
وصعد صالح عبد الحي قفزا إلى القمة وكان يتعالى على غيره من المطربين والمغنين فقد ظل محافظا على طابعه الشرقي ولم يغن مثل عبد اللطيف البنا أغاني خليعة مثل «اوعى تكلمني بابا جاي ورايا» و«تعالى يا شاطر نروح القناطر» وغيرها مما اعتاد غيره من المطربين والمطربات تقديمه لطلاب السهر.
بدأ صالح عبد الحي يلفت نظر كبار الملحنين مثل كامل الخلعي وداود حسني ومحمد القصبجي لكي يغني ألحانهم.. وعندما افتتح علي الكسار فرقته المسرحية كان صالح عبد الحي واحدا ممن يعتلون المسرح لتقديم وصلات غنائية بين فصول المسرحية على مسرح «الماجستيك».
لم يقبل صالح عبد الحي أن يقلد أحداً أو يغني أغنية لمطرب آخر مهما بلغ من نجاحها وحب الجمهور لها، بل كان معتزاً بأغانيه وأدائه وصوته، ونصب نفسه حافظاً ومحافظاً على تراث من سبقوه.
عندما وقع خلاف بين المطرب الصاعد محمد عبد الوهاب و«سلطانة الطرب» منيرة المهدية بعد عملهما معا في مسرحية «كليوباترا وأنطونيو» وبعد نجاح المسرحية اختلفا على الأجر الذي لابد أن يتقاضاه وترك الفرقة بعد أن رفضت رفع أجره.
وكانت منيرة المهدية تجهز مسرحية غنائية جديدة باسم «توسكا» ولم تجد بديلا عن عبد الوهاب غير صالح عبد الحي الذي قام امامها بدور البطولة في المسرحية التي سجلت نجاحا لا يقل عن مسرحية «كليوباترا وأنطونيو»، وزاد ذلك من رصيد صالح عبد الحي كمطرب أصيل.
كان صالح عبد الحي يأخذ من دنياه كل شيء بنهم.. كان أكولا يتفنن في أصناف الطعام التي يتناولها.. وبنفس هذا النهم كان يمارس الغناء.. لم يكن يحب التطوير ولم يؤمن يوما بما يطلق عليه الملحنون والمغنون التجديد .
ولم يكن يسمح لأحد أن يخدش سمعه بأي خروج على النغم الأصلي الشرقي، أو يؤدي اغنية من هذا التراث العريق لمدرسة الأغنية الشرقية وتوجهاتها إلا كما غنيت من قبل بلسان مطربها الأصلي.. وكان مفرطا في ضخامته بشكل يوحي بالصحة والعافية ويخيف الناس منه خاصة معارضوه.
* سهرة مصرية
وعندما افتتحت الإذاعة المصرية عام 1934 كان صالح عبد الحي من أوائل المطربين أصحاب السهرات الإذاعية التي تقدمها الإذاعة كل أسبوع.. وكان يقدم أغانيه بحرية كاملة وبالأسلوب الذي يختاره وكانوا يبعدون الميكروفون عنه أمتارا حتى لا تحرق قوة صوته «الامبليفاير».
اجتمع بعض اعضاء لجنة الاستماع المشكّلة لمتابعة الأغاني في الإذاعة بمستشار الإذاعة في بداية عصر إرسالها وهو مصطفى رضا.. وطلبوا أن يدفعوا المطرب صالح عبد الحي للتجديد فيما يقدمه من أغنيات وقال لهم مصطفى رضا:
في عرضكم.. انتم لا تعرفون صالح عبد الحي.. أنا أعرفكم به، إنه أشبه بالجواد الذي اعتاد أن يوزع اللبن على الناس في بيوتهم كل فجر وقد اعتاد أن يسلك طريقا محددا ومحفوظا فإذا حاول أحد أن يخرجه عن هذا الطريق أو يبدل في خط سيره جمح وثار وألقى حمله من فوق ظهره واستدار إليه يهشمه.. فأرجوكم تسيبوه اتركوه على ما هو عليه.
كانت الإذاعة تضع صالح عبد الحي في مصاف نجومها الكبار وكان أجره مائتي جنيه في وقت كان فيه كثيرون من نجوم الطرب والغناء لا يزيد أجرهم على أربعين جنيها فقط.
ابتعد صالح عبد الحي عن الوسائل المتعددة التي يمكن أن يسلكها للمحافظة على الشهرة والمجد.. فقد ابتعد عن السينما ولم يظهر في غير فيلم واحد هو «البؤساء» ولم يقبل غير مرة واحدة أن يظهر في التلفزيون ليسجل أغنيته الشهيرة «ليه يا بنفسج» وأصر على ان يظهر مع تخت شرقي قديم، جمعوه له بعد عناء من شارع محمد علي ومن الفرق الموسيقية المتجولة في الموالد.
كان صالح عبد الحي هو المطرب العربي الوحيد الذي أذيعت له أغنية على امتداد 45 دقيقة من إذاعة لندن البرنامج العام الناطق باللغة الانجليزية.. فقد كانت الإذاعة تقدم برنامجا عن الموسيقار العالمي موزارت وبعض أعماله التي لم تكتمل ومنها أوبرا غنائية أطلق عليها اسم «أوبرا القاهرة»®.
تحكي عن قصة حب رومانسية تقع أحداثها في مدينة شرقية هي القاهرة التي كانت أشهر عاصمة عربية في ذلك الوقت واختار معدو البرنامج ومقدموه أغنية المطرب المصري صالح عبد الحي «ليه يا بنفسج» لكي يغنيها داخل برنامج أوبرا موزارت.. كأغنية خاصة تنقل المستمع إلى جو القاهرة الشرقي الساحر بموسيقاه الشرقية الأصيلة.
والغريب أن صالح عبد الحي أفرط في كل شيء حتى مكاسبه لقد جلس يوما على «تل» من الذهب إذ وصل أجره في إحياء الحفلات أكثر من مئتي جنيه ذهب ورغم هذا فقد مات معدما ولم يخلف وراءه أي ثروة في العام 1962.
عادل السنهوري

