جاسم الخياط مالك محل الخياط الحديث من بين الوجوه المحلية الأصيلة والشخصيات التي ذاقت مرارة وحلاوة النجاح في آن واحد خلال مسيرة الكفاح التي امتدت لعقود مضت واستمرت حتى يومنا الحاضر.
مستكملا بذلك مشوار بدأه والده منذ خمسينيات القرن الماضي في عالم التجارة والأعمال آنذاك انطلاقا من محله المتواضع في سوق العرصة الأثري في إمارة الشارقة والذي لا تتجاوز مساحته الإجمالية 52،5 أمتار وبالرغم من ذلك حقق المحل شهرة طيبة ذاع صيتها بين مختلف إمارات الدولة قبل قيام الاتحاد في العام 1971 لتمتد إلى بعض الدول الخليجية المجاورة وخصوصا سلطنة عمان.وصف الخياط بدايات نشاط والده التجاري في السوق بأنها كانت صعبة بعد أن انطلق من الصفر كما يقال ، لأنه كان شخصا عصاميا لأبعد الحدود الصفة التي أورثها لجميع أبنائه من بعده، ولم يكن التخصص في ذلك الحين من سمة العصر لذلك فقد مارس في محله الصغير مجموعة من الأعمال من بينها الخياطة وتصليح الساعات اليدوية على تنوعها.
بالإضافة إلى أجهزة الراديو وماكينات الشحن وماكينات الخياطة والدرجات الهوائية وغيرها من المعدات والأجهزة المنزلية المستخدمة بصورة يومية، بحيث اعتاد الوالد على استقبال زبائنه من مختلف الأعمار بعد افتتاحه لمحله في الصباح الباكر وحتى الساعة الواحدة ظهرا لتبدأ بعدها فترة القيلولة التي تنتهي في الرابعة عصراً وحتى السابعة مساءً، الدوام الذي يطلق عليه نظام «الشفتين» أي الفترتين.
وعلى الرغم من أن العائد المادي كان زهيداً إلا أن أبناء الجيل السابق كانوا يكدحون في العطاء والإنتاج من دون توقف أو تذمر من ساعات العمل الطويلة والمضنية ، وفي هذا الأمر لابد أن يحذو جميع أبناء اليوم حذو الأجداد وليس الفئة القليلة منهم فحسب وذلك حتى يتمكنوا من الإمساك بزمام الأمور كما يجب في شتى جوانب حياتهم الأسرية والوظيفية بما يؤهلهم لقيادة بلادهم نحو مستقبل أفضل.
* دراسة وعمل
وأكد جاسم الخياط خلال حديثه أن العمل لا يغني عن العلم بأي حال من الأحوال، كما يستحسن أن يقرن المرء علمه بالعمل دائما مهما بلغ من درجاته ، حتى يثبت كيانه واستقلال شخصيته في المجتمع الذي يدين له بالكثير، من هذا المنطلق لم يكتف جاسم بمساعدة والده في المحل .
وذلك بعد أن تشرب أصول المهنة كما يجب خلال سني حياته الأولى بل توجه في مطلع سبعينيات القرن الماضي من الشارقة إلى دولة الكويت حيث أقام هناك في منزل عمته عاقدا العزم على استكمال دراسته الابتدائية بعد أن حالت ظروفه دون انجازها.
وعلى الرغم مما واجهه من تحديات كادت أن تقف حجر عثرة في طريقه إلا أن ذلك جعله أكثر إصرارا على متابعة الدراسة بعد بلوغه 18 ربيعا وانضم إلى بقية زملائه الكويتيين في الصف الثالث ابتدائي بمدرسة الصباح وكان آنذاك يكبر جميع من في فصله سنا.
وحول تلك الفترة لفت الخياط إلى أن الكثير من زملائه في المدرسة كانوا يتندرون عليه لكونه لا يزال في الصف الثالث ابتدائي في مثل هذه السن غير أن الأمر لم يثنيه عن تحقيق هدفه وسط تشجيع مدرسيه له وإعجابهم بإصراره على النجاح والتميز حتى حصل على شهادة الثانوية العامة وعاد إلى وطنه بطموح أكبر وعزم على متابعة نشاط والده.
ووصف السوق المحلية في تلك المرحلة بأنها (تغيرت كثيراً عما كانت عليه قبل سفره نحو الأسوأ)، بحيث تزايد عدد المجمعات والمحال التجارية بنسبة تتجاوز الضعف تقريبا مما أدى إلى أن يزيد حجم العرض على الطلب وتباطأت حركة البيع والشراء بصورة ملحوظة .
وتضرر كثير من التجار في ذلك الوقت بعد أن كسدت تجارتهم بسبب مجموعة من العوامل ومن بينها المنافسة حامية الوطيس والتي لم يتمكن من الصمود في وجهها سوى التجار من ذوي الخبرة والدراية الواسعتين.
وقد واصل محل الخياطة نشاطه بفضل قاعدة عريضة من العملاء التقليديين التي بناها واكتسبها عبر السنين من خلال سمعته الطيبة، والالتزام برغبة العميل والدقة والسرعة في الانجاز مع جودة العمل والخدمة المقدمة ، لذلك كان وجهاء وأعيان البلد يفضلون تفصيل ( كناديرهم) أو ملبوساتهم لدى المحل حيث يتفنن الوالد في ابتكار التصاميم الحديثة لهم ..
وتفصيل أفخر أنواع الأقمشة لتضمن استعمالا عمليا ومريحا دون الحاجة إلى أخذ قياسات الزبائن بل انه كان يكتفي بالنظر فقط ليتحقق من القياس وكان يتوجه إلى قصور الحكام والشيوخ مثل عائلة القاسمي الحاكمة في الشارقة، بينما بعض الزبائن يتجشمون عناء الرحلة من المناطق النائية في الدولة كالفجيرة والعين وحتا.
بالإضافة إلى قدوم آخرين من سلطنة عمان، والعديد من العائلات التي تحرص على التفصيل في المحل. أما عقد الثمانينيات فقد شهد نقلة نوعية في تاريخ المحل الذي انضم إلى بقية المحلات المتنوعة في سوق العرصة ليتحول إلى أحد الأماكن الشعبية والتراثية التي تعكس جانباً من أوجه النشاط التجاري والاقتصادي لإمارة الشارقة في الفترة السابقة.
وعلق جاسم على زيارة تفقدية قام بها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة للسوق منذ ما يزيد على 20 سنة بأنه يتذكرها جيدا كما لو أنها كانت بالأمس القريب، وقال:
أبدى سموه استغرابه من حرصي على مزاولة نشاط والدي من بعده بالرغم من انشغالي بإدارة أعمالي الحرة في المجالات المتباينة، وسألني قائلاً: «لا تزال تعمل بالسوق هنا»؟ فرددت على سؤاله بابتسامة تنم عن فخر. وأوضح أن الأقمشة المستخدمة لتفصيل وإعداد الملابس الشعبية للرجال تنقسم إلى أنواع ومن أجودها آنذاك كان «اللاس» و«الكيمري».
و«بوتفاح» و«الهند» و«ململ», غير أن الغالبية العظمى من الزبائن يفضلون قطع «اللاس» على سواها فيما تعد كنادير «الكيمري» عملية وخفيفة لتتناسب مع الأشخاص كثيري الحركة والتنقل، فيما تميل الألوان بصفة عامة إلى الأبيض والبيج والأصفر.
وانتشرت منذ 15 عاماً تقريباً أقمشة «الدبلومات» و«الممتاز», «سونا», و«مسافي» و«جاكبوت» وغيرها من المنسوجات الهندية واليابانية التي لاقت رواجا بين صفوف الشباب الإماراتي، أما عن أصناف التصميم والتفصيل فان أكثرها شهرة التفصيل العماني بحيث تزين الكندوره (بفروخة) تنسدل في الوسط ، بالإضافة إلى التصميم القطري ويطلق عليه البعض (أبو لسان) وهناك الكويتي المميز بأزراره العديدة.
وقال الخياط إنه لا يزال يحتفظ في محله بثلاث ماكينات يتجاوز عمر أحدها السبعين عاما وهي ماكينة خياطة من ماركة (بوف) ألمانية الصنع يتذكر أن والده قام بشرائها من البحرين، بالإضافة إلى ماكينتين يابانيتين عمرهما 25 عاماً من ماركة (جوكي)، ولم تتعطل أية واحدة في يوم من الأيام بسبب الصيانة المستمرة والاستعمال بالشكل الصحيح .
وبالتأكيد فإن جودة الصنع تلعب دوراً في بقائها صامدة حتى اللحظة. وكان سعر تفصيل الكندورة لا يتجاوز الثلاثة دراهم ويستغرق إعدادها خمسة أيام، أما خلال فترة الأعياد والمناسبات والمواسم السعيدة كالأعراس فإن ضغط الطلبات يستلزم عمل جميع من في المحل حتى ساعات الصباح الأولى ويستنفر .
والدي وجميع أخوتي جهودهم وطاقاتهم للعمل بصورة متواصلة وبجودة عالية خلال تلك الفترات الاستثنائية أما اليوم فلا يتم تفصيل الكندورة الواحدة بأقل من 25 إلى 30 درهماً ويتم الانتهاء منها خلال يومين اثنين السعر والوقت اللذين يعدان قياسيين مقارنة ببقية محلات الخياطة المنتشرة.
في ختام حديثه أشار الخياط إلى أنه في شهر رمضان الفضيل وخلال الأعياد كانت تربط الأفراد في المجتمع أواصر محبة ومودة متينة تتضح في التجمعات وتبادل الزيارات والتكافل والتواصل فيما بينهم جميعا حتى أن رمضان الأمس كان أكثر حلاوة من رمضان اليوم.
وقال: يدهشني اكتفاء الغالبية العظمى من الناس بتبادل التهاني والتبركيات بالمناسبات الدينية والاجتماعية المختلفة بالرسائل القصيرة عبر الهاتف النقال، وتوقف الكثير عن زيارة أهلهم والمقربين بحجة الانشغال بالأمور الحياتية اليومية وغيرها من الحجج الواهية المضحكة.
حوار لولوة ثاني

