يستقبل الليبيون شهر رمضان المبارك دائماً باستعدادات وطقوس ذات مدلول ثقافي وحضاري منذ آلاف السنين فليبيا ذات المساحة الشاسعة وعدد السكان الذي يصل الآن إلى 5,5 ملايين نسمة حباها الله بأن يكون جميع سكانها يدينون بالإسلام .

ولا توجد أي ديانة أخرى لمواطن ليبي غير الإسلام، ويمكن ان تكون متفردة عربيا في ذلك لكنها لا تحجب العبادات الأخرى للمقيمين فيها من الديانات السماوية الأخرى إذ يوجد بها عدد من الكنائس الشرقية والغربية من اجل إقامة عباداتهم في حرية ويسر.

فقبل قدوم الشهر الكريم تستعد الأسر الليبية في منازلها حيث تقوم الأسر الليبية بتجديد المنزل او تزويقه وشراء أثاث جديد وأدوات للمطبخ حديثة، كما ان الدولة الليبية تقوم أيضا باستعدادات من اجل الشهر الكريم .

حيث تقوم أمانة الاقتصاد بشراء كميات كبيرة من اللحوم الحية المستوردة وتطرح في الأسواق للجمهور في مجمعات خاصة بذلك بأسعار رمزية من اجل مساعدة المواطنين في هذا الشهر الكريم كما تقوم أيضا بمضاعفة السلع التموينية.

وفور الإعلان عن حلول الشهر المبارك تتحول شوارع وأحياء المدن الليبية إلى نشاط وحركة حيث يبدأ الليبيون للخروج للأسواق لشراء ما تتطلبه الأسرة الليبية من مواد غذائية ، غير أن مظاهر هذا الشهر الدينية تظهر مباشرة منذ اليوم الأول حيث المحلات لا تفتح قبل الساعة الحادية عشرة صباحاً وتستمر حتى الساعات الأولى من اليوم التالي.

والنصف الأول من شهر رمضان المبارك يقبل الليبيون على أسواق الخضر واللحوم وبشكل ملفت للنظر حيث يتزاحم الجميع على الشراء ما طاب ولذ من الخضر والفواكه، وحسب مسؤولين في الاقتصاد الليبي فإن الشعب الليبي شعب مصرف طوال هذا الشهر الكريم شهر الصوم والعبادة والذي خصه الله من اجل إراحة المعدة.

ومن اجل أن يحس المسلم بجوع أخيه المسلم الفقير إلا أن العملية عكسية فإن الأسر الليبية تنفق ثلاثة أضعاف ما تنفقه في الشهور الأخرى، وكميات اللحوم التي تستهلك في هذا الشهر تقدر بالملايين وليس لدى الأسر الليبية في هذا الشهر أي نوع من المحافظة على الأكل اذ أكثر من ثلث هذه الأطعمة تكون في سلة النظافة في الشوارع في اليوم التالي (الأسرة الليبية مصرفة جدا في رمضان).

ويباشر الليبيون أعمالهم بنشاط في هذا الشهر حيث العمل من التاسعة والنصف حتى الواحدة والنصف لكن الملفت للنظر طوال الشهر الكريم تكون الأسر الليبية عائلة واحدة حيث يجتمع الأولاد في منزل الأسر ( الوالد) كل يوم من اجل الإفطار سويا وهذا الشهر هو بالنسبة للأسر الليبية شهر التلاقي والتسامح بين الأخوات.

وتنشط خلال هذا الشهر حرف وأعمال يكون هذا الشهر موسمها وخاصة صناعة النسيج (الأردية، والحولى، والجرد) وهي صناعات يدوية غالية الثمن لأنها منها ما يصنع من الحرير.

ومما يصنع من الصوف الخالص، او من الحرير والصوف، وان معظم أحياء مدينة طرابلس لا تخلو من صناعة (الأنوال) التي تعمل بعد صلاة التروايح حتى صلاة الفجر وهذه الصناعات مازالت تلقى رواجا في المدن الليبية حتى اليوم.

ومن مظاهر الحياة في شهر رمضان في ليبيا عديدة وخاصة من الناحية الدينية حيث يستقبل الليبيون هذا الشهر المبارك مثلهم مثل باقي عموم المسلمين وهنا في ليبيا تشابه في العادات والتقاليد العربية في البلدان والمجتمعات العربية الإسلامية وان المساجد في هذا الشهر تعج بالمصلين من صغار وكبار.

أما أكلات هذا الشهر الكريم في ليبيا وخاصة الحلويات ( الزلابية - والمعسلة - والحلوى المعطرة - والشامية - وحلوى السميد - والجلجلانية - وحلوى اللوز وغيرها من الحلويات التي تنتشر في المحلات والأحياء الليبية وان كان الصانع الليبي يمتلك الآن أدوات عصرية في صنعها ومنهم من يحتفظ بالأدوات التقليدية القديمة إضافة إلى الياميش، وقمر الدين والقطايف، الكنافة.

ومازالت العادات والتقاليد القديمة في ليبيا وخاصة الرمضانية منذ ايام الاتراك مازالت متبعة وهو ان القاضي الشرعي يصدر مرسوماً يحث الناس على رصد الهلال في كل مناطق ليبيا رغم وجود مركز الاستشعار عن بعد بطرابلس والذي يوجد به احدث تقنية للرصد والفلك الحديثة في العالم من اجل ثبوت الرؤية.

وليبيا يمكن ان يحسدها المسلمون الآخرون لأن لديها هذا المركز المتقدم في تقنية الفلك وصامت عليه وكان صومها قبل الدول الإسلامية الأخرى وثبت صحة التنبؤ من هذا المركز طوال هذه السنوات وان على الصح وأشاد به العديد من علماء الدين والفلك في العديد من الدول الإسلامية وصححوا صومهم على ليبيا.

وفى هذا الشهر المبارك شهر الرحمة والمودة والإحسان والقرآن والتوبة والتسامح تجتمع الأسر الليبية في منزل العائلة طوال الشهر (اللمة)عند الإفطار لتناول أشهى المأكولات على مائدة رمضان الليبية.

حيث الأكلات الليبية التي لها علاقة بالتراث والحليب والتمر هو شيء أساسي في مائدة رمضان الليبية ويأتي البوريك، والمبطن، والضلمة الليبية التي تميز مائدة الإفطار رمضان في ليبيا والكسكوسى، ومكرونة المبقبقة التي يحبها جميع الليبيين.

وتقام في هذا الشهر الكريم موائد الرحمن في العديد من الأماكن وتقيمها جمعيات أهلية مثل جمعية واعتصموا للأعمال الخيرية، جمعية الدعوة الإسلامية، وصندوق الضمان الاجتماعي، وبعض النوادي، والشعبيات (المحافظة) من اجل إطعام الفقراء والمساكين وابن السبيل.

أما المواطن الليبي فيؤدي الصلوات الخمس في رمضان وتقبل على دور العبادة بشغف على غير الأشهر الأخرى حيث يمتلئ المساجد بالمصلين وحتى وقت متأخر من الليل صلاة التراويح.

أما في شهر رمضان على عكس الأشهر الأخرى تنطلق في ليبيا نشاطات ثقافية مكثفة في كل منطقة وحي حيث البرامج الثقافية للجان الثقافة والإعلام، والأمسيات الشعرية التي تقيمها رابطة الكتاب والأدباء في ليبيا، وأنشطة الأحياء الجماهيرية وبيوت الثقافة وندوات أدبية في القصة والشعر والفن التشكيلي.

، حفلات الفرق الشعبية والرقصات الشعبية التي أحيانا تطوف الشوارع حتى الساعات من اليوم التالي وحفلات الفن الشعبي من خلال الرقصات الشعبية وإقامة المعارض الشعبية التي تحوى التراث والأكلات الشعبية.

وركوب الخيل في الساحات المخصصة للفروسية، وحلقات الشعر الشعبي الذي يتبارى فيه الشعراء الشعبيون من خلال هذا الشهر ولكل منطقة في ليبيا شعراؤها الذين يمثلونها في تلك المهرجانات الشعبية التي تقام في هذا الشهر المبارك، وغيرها من البرامج الثقافية التي تستمر طوال الشهر وحتى الساعات الأولى من اليوم التالي، كما تقام خلال الشهر عروض مسرحية ليبية في المسارح المخصصة لذلك.

طرابلس ـ سعيد فرحات: