«هلّ هلالك، شهر مبارك، يا رمضان». تصل هذه الرسالة على المحمول وتعد بعشرات الرسائل المبتكرة والمميزة التي يمكن أن ترسلها إلى أصدقائك لمعايدتهم بحلول الشهر الكريم.

لم تعد بحاجة إلى زيارتهم أو الاتصال الهاتفي بهم فعالم الجوال والانترنت يوفر عليك هذه المشقة ويبشر بشهر لن تنساه ولن تعرف فيه التعب أو الإرهاق، وما عليك سوى أن تسلم ساعات نهارك الطويل وليلك الأطول إلى الشاشة، أي شاشة فتتبخر الساعات ويختفي التعب.

ظهرت حديثا وسائل ترفيه كثيرة فرضتها التطورات التقنية، غيرت من معالم وطقوس شهر رمضان التقليدية، فأبعدت الشباب عن عالمهم وعن ذويهم وأدخلتهم في سراديب التقنية المستحدثة.

«لم نعد نرى أحمد منذ بدأ الشهر الكريم»، تقول أم أحمد متحدثة عن ابنها العشريني وتضيف «في الماضي كنا ننتظر قدوم شهر رمضان حتى يعود اجتماعنا حول مائدة واحدة وجلساتنا المحببة فنتسامر ونتبادل أطراف الحديث.

أما الآن فيسارع احمد بالخروج من المنزل بعد انتهاء الإفطار لملاقاة رفاقه في أندية الانترنت في بيروت ويبقى حتى ما بعد منتصف الليل، لا ادري ماذا يفعلون أو كيف يمضون أوقاتهم ؟

إنني افتقد ابني كثيراً وأتضايق من تصرفاته لأنه لم يعد مواظبا على صلاته وهذا أمر يحز في نفسي ويؤلمني» وتقول أم احمد مستنكرة «لعن الله ساعة الكمبيوتر والانترنت، لأنهما يأخذان أولادنا منا».

صرخة أم احمد تختصر حال مئات البيوت التي تعاني من إقبال أبنائها الكبير على الانترنت والكمبيوتر، إما للخروج من المنزل والتسلية بعد الإفطار أو لكسر قسوة ساعات الصوم الطويلة. وفي هذا الصدد يقول عمر( 18 عاما ):

رمضان هذه السنة صعب جدا ومرهق لأنه يأتي على مشارف نهاية فصل الصيف الملتهب ولذلك لا أجد بعد عودتي من الجامعة غير الانترنت و«الشاتينغ» مع الفتيات بالإضافة إلى الألعاب المبتكرة التي تظهر كل يوم في عالم الكمبيوتر والتي تتبخر معها الساعات فتمر وكأنها ثوان، هكذا امضي الوقت حتى يحين موعد آذان المغرب.

اعترف أن هذا الأمر يلهيني عن دراستي ولكني أفقد تركيزي وأنا جائع كما أفقد نشاطي عندما أفطر،ما يضطرني إلى الجلوس أمام الكمبيوتر حتى أستعيد نشاطي فلا أفتح كتابا وهذا الأمر يؤثر على علاماتي التي تدنت كثيرا في الفترة الماضية.

لقد ادخل الكمبيوتر تغييرات كثيرة على عادات الشباب في رمضان، فلم يعد هناك وقت للاجتماعات العائلية أو لزيارات الأقارب والأصدقاء لتوطيد الروابط بين الناس بل أصبح الأبناء يعيشون في عالمهم الخاص بعيدا عن ذويهم،متناسين دراستهم، مهملين واجباتهم الدينية التي يجب تعزيزها خلال هذا الشهر.

* إدمان التلفزيون

يبقى الكمبيوتر وسيلة مستحدثة لا تصل إلى كل الشباب وقد لا تثير اهتمام البعض الآخر منهم، أما التلفزيون بالخيارات اللامتناهية التي يقدمها مع دخول الأطباق اللاقطة إلى كل المنازل وانتشارها بين كل الفئات الاجتماعية فيوفر للشباب الطريقة المثلى للتسلية.

فرح مثلا ابنة الستة عشر عاما تعتبر أن التلفزيون هو ما يجعلها تثابر على الصوم «لولا التلفاز لما استمريت في الصوم فأنا ارجع من المدرسة لأبدأ بمتابعة المسلسلات التلفزيونية، أتابع أكثر من ثمانية مسلسلات خلال اليوم الواحد هذا عدا السهرات الطويلة أمام الشاشة فلا أنام قبل السحور، لا أدري ماذا كنت سأفعل من دون هذا الاختراع، انه منقذي من ساعات التعب والضجر».

ما لم تقله فرح وكشفته أمها الممتعضة من حالها أن مدرسة الفتاة تشتكي من إهمالها المتكرر لدروسها، تقول الأم «تنام فرح أثناء الحصص لعدم حصولها على قسط وافر من الراحة في المنزل».

وتضيف «لكنني أشفق عليها لأنها تصوم وتتحمل إرهاق الجوع والعطش فأدعها تشاهد ما تريد من دون اعتراض، كما أنه شهر واحد يمكن لها بعده أن تعود إلى نشاطها الطبيعي لكن ما يضايقني فعلا هو أن فرح وشقيقها الأصغر لا يجلسان معنا ولا يتحدثان إلينا وهما لا يذهبان معنا لزيارة أقاربنا والأصدقاء، إنهم مسحورون بشاشة التلفاز».

*والمحمول أيضا

ولا تغيب شاشة المحمول عن هذه الشاشات وذلك من خلال الرسائل والنغمات التي بدأ الشباب بتناقلها خلال السنوات القليلة الماضية. فشركات الهاتف تستغل مناسبة الشهر الكريم لتبدأ بترويج الأناشيد والشعارات الدينية وصور الهلال والفوانيس والورود. وهكذا تبدأ هذه الرسائل بالانتشار من شخص إلى آخر مكلفة أصحابها أموالا إضافية، تثقل بها فواتير الهاتف.

إلا أن العادات الرمضانية الدينية تبقى الأكثر تأثرا بالمتغيرات الحاصلة على مستوى توجهات ونشاطات الشباب وما الجوامع شبه الخالية إلا دليل واضح على إحجام الشباب عن إتمام واجباتهم الدينية.

وفي هذا الإطار يقول الشيخ ربيع الحركة «إن معظم رواد الجوامع من الرجال والكهول فالشباب لا يزورون الجوامع إلا نادرا، إما لأداء صلاة الجمعة أو لإحياء ليلة القدر. أما أن يأتوا مثلا للدعاء أو لتلاوة القرآن وأداء الصلوات الدينية الخاصة بالشهر الكريم مثل صلاة القيام والتراويح فهذا أمر نادر الحصول».

فضّل الشباب التسلية والترفيه بعيدا عن أجواء شهر رمضان التقليدية. واختاروا الشاشة وابتعدوا عن الناس.فهل تجد عادات الماضي من يحملها وينقلها إلى جيل المستقبل؟

بيروت ـ دينا زين الدين: