كتاب «أصوات مراكش» للكاتب البلغاري باللغة الألمانية الياس كانيتي (الفائز بجائزة نوبل للأدب في العام 1982) هو واحد من أجمل كتبه. كما أنه واحد من تلك الكتب الساحرة الآسرة التي يختلط فيها أدب الرحلة بأدب البوح ولغة الوصف باللغة الوجدانية الخالصة.
في هذا المقطع من الكتاب الذي يتحدث فيه كانيتي أصلا عن رحلة قام بها إلى مراكش، يتوقف الكاتب عند ما حدث له ذات يوم في زقاق مغربي ضيق في مراكش، ليصف من خلاله حالة ذهنية عامة، وحالة مدنية وحاله هو في علاقته المعقدة والمدهشة مع هذه المدينة.
مررت بالقرب من سبيل عمومي. كان ثمة صبي ينحني على السبيل شاربا من مائه. انحرفت إلى اليسار فسمعت صوتا عذبا وحارا يأتي من أعلى. نظرت إلى البيت المواجه لي لأرى وجه امرأة شابة يطل من الطابق الأول من خلف شباك النافذة. كانت غير محجبة ولها بشرة غامقة اللون. كان وجهها شديد القرب من الشباك.
وكانت شفتاها تتمتمان بعبارات متدفقة تتألف من كلمات حنون. لم افهم السبب الذي جعلها لا تضع حجابها،لكن لاحظت أنها تنحني إلى الأمام بعض الشيء فشعرت انها توجه الحديث إلي.
ولم يغير صوتها من وتيرته بل ظل عذبا ودافئا كما لو انها تمسك رأسي بين ساعديها. كانت لا تظهر من خلف النافذة سوى وجهها فهل كانت يديها مربوطتين ؟ كانت غرفتها كما تبدو لي من موقعي مظلمة اما في الزقاق الذي تسمرت فيه فإن الشمس كانت براقة. أما كلمات المرأة فكانت كما بدأت رقراقة كنبع ماء تسيل مياهه في دفق متواصل.
صحيح انه لم يكن قد سبق لي أن سمعت كلاما بهذه العذوبة في هذه اللغة، لكنني أدركت انها اللغة ذاتها. رغبت في الدنو لكي أرى باب البيت الذي ينبعث الصوت منه، لكني خشيت أن تؤدي حركة مني إلى إفزاع صاحبة الصوت كما يحدث لعصفور يقترب منه احد. فما الذي قد افعله إن هي سكتت؟
حاولت أن أتصرف بعذوبة وشفافية الصوت نفسه واقتربت خطوة خطوة بشكل لم يسبق لي أن فعلته في حياتي. نجحت في عدم إفزاعها ووصلت قريبا جدا من البيت. وفيما كنت عاجزاً عن مشاهدة وجهها خلف الشباك، كنت لا أزال أصغي إلى صوتها.
*وجه وشباك وشفتان
كان البيت ضيقا شبيهاً ببرج هرم، وكان يمكن رؤية الداخل عبر ثقب في الجدار، في مكان كان بعض حجارته قد تهدم. اما الباب الذي يخلو من أية زينة فكان مصنوعا من ألواح بسيطة ومثبتة بواسطة سلك معدني وبدا انه لا يفتح إلا نادراً. كان واضحا انه ليس من البيوت المضيافة. بدا بابه عسيرا على الولوج.
وبدا أن كل ما في داخله مظلم مخرب. لاحظت في ركن ممرا ينفتح إلى الداخل،لكن كل شيء هنا بدا أصم وميتاً، ولم اعثر على شخص يمكنني ان اطرح عليه أي سؤال. ورغم هذا وحتى حين كنت اعبر الممر، لم يكف صوت المرأة عن الوصول إلى أذني. كان الصوت يرن في الزاوية وكأنه همس بعيد.
هنا عدت أدراجي وتسمرت للحظة على مسافة من البيت ثم نظرت إلى أعلى. كان الوجه لا يزال يبدو شديد الالتصاق بالشباك والشفتيت لا تزالان تتمتمان بالكلمات الآسرة.
هنا لاح لي بغتة ان الكلمات صار لها معنى آخر مختلف. خلت أنها تحمل الآن نوعا من الإلحاح الخفي. بدت وكأنها تقول لي : لا تبتعد ! ربما كانت اعتقدت انني ابتعدت نهائيا في اللحظة التي اختفيت فيها كي ابحث عن الباب.ولكن ها انذا هنا من جديد. ولسوف أظل هنا إلى الأبد !
ترى كيف لي أن اصف الأثر الذي يتركه في هذه المدينة وفي هذه الأزقة صوت أنثوي لوجه غير محجب ينظر من أعلى نافذة ؟ الحقيقة ان الكوة التي تطل على الخارج، نادرة في هذه المدينة وحين توجد يستحيل ان تلمح خلفها أحداً.
ان البيوت هنا تشبه الأسوار. وأنت حين تسير بينها لفترة طويلة تساورك أحاسيس من يمشي بين الجدران، رغم علمك أنها كلها بيوت مأهولة. قد ترى الأبواب وقلة من النوافذ...لكنها بالكاد تبدو مستعملة. والأمر نفسه ينطبق على النساء. انهن يذرعن الأزقة كأشباح لا شكل لها لكنك ستعجز عن التمييز والتخمين.ستجهد كثيرا قبل أن تتمكن من تخيل هامة النساء.
ثم سينتهي بك الأمر إلى تركهن جانبا... ولكن ليس عن طيب خاطر. وهكذا حين تظهر واحدة وراء النافذة وتتحدث إليك،امرأة تنحني ولا تبارح، باقية وكأنها كانت تنتظر هنا منذ الأزل، امرأة تواصل التحدث إليك حتى حين تدير لها ظهرك وترحل خفيفا،امرأة ستظل تتكلم سواء بقيت هنا أم رحلت، ستظل تتكلم إلى الأبد... ستشعر ان هذه المرأة معجزة... ظهور سماوي قدسي... وسينتهي بك الأمر إلى اعتبارها أكثر أهمية من أي شيء آخر جدير بالمشاهدة في هذه المدينة.
* إنها مريضة يا سيدي
كان في وسعي أن أبقى هناك لفترة أطول. لكن الحي لم يكن صحراء. إذ سرعان ما اقتربت مني نساء محجبات،لكن أياً منهن لم تبال طويلا بتلك المنحنية خلف شباك النافذة. مررن أمام البيت الشبيه بالبرج عابرات كما وكأنه لم يكن هناك امرأة فيه تتكلم. لم يتوقفن ولم ينظرن إلى الأعلى.
كن يقتربن بخطوات وتيدة من المنزل ثم يستدلان تحت النافذة تماما نحو الزقاق الذي كنت مسمرا فيه. لكني شعرت ان في نظراتهن شيئاً من الحذر. فماذا تراني أفعل ها هنا ؟ لماذا تراني أحدق إلى أعلى ؟
مرت بالمكان جماعة من التلامذة. كانوا يلعبون ويتمازحون خلال سيرهم. كما كانوا بدورهم يتصرفون كما لو أنهم لا يسمعون الصوت الآتي من النافذة.
واخذوا يحدقون بي: بدوت لهم اقل ألفة من أية امرأة محجبة. فشعرت ببعض الحياء لوقوفي هناك محدقا.لكنني شعرت انني لو ذهبت وابتعدت لأصيبت صاحبة الصوت بالخيبة. أما كلامها المتدفق كالسيل الدافئ فاستمر لكنه صار الآن ممتزجا بصراخ الأطفال الحاد.. الأطفال الذين تباطأوا كثيرا وهم يبتعدون.
كانوا حاملين محفظاتهم عائدين من المدرسة. وكان واضحا أنهم يحاولون إطالة طريق العودة إلى المنازل مخترعين العديد والعديد من الألعاب الصغيرة... أدهشني ذات لحظة واحد من الأطفال بانت على وجهه ملامح الذكاء ولاحظت انه يود محادثتي فسألته بالتونسية عما إذا كان يعرف القراءة «اجل يا سيدي» أجاب بكل تهذيب. كنت أحمل كتابا فتحته وناولته إياه.
اخذ يقرأ ببطء إنما دون خطأ جملا فرنسية من أعلى الصفحة إلى أسفلها (..) ولذا لي أن أتخيل أن له علاقة بالمرأة الواقفة خلف الشباك.. هل تعرفها؟ «اجل يا سيدي» قال وقد اتسم وجهه بالجدية. قلت له «هل هي مريضة؟» .
«انها مريضة جداً يا سيدي». والواقع ان هذه الـ «جداً» التي عززت سؤالي أتت وكأنها شكوى.لكنها كانت ستكون من أمر لا يمكن أمامه إلا الإذعان. كان في إمكاني أن أعطيه تسع سنوات ولكنه الآن بدا وكأنه شخص يعيش من عشرين عاما تحت وطأة وهن كبير، ويعرف كيف عليه أن يتصرف في هذه الحالات. سألته «ان بها مرضا في رأسها أليس كذلك ؟
«اجل يا سيدي في رأسها..» وأشار بهزة من رأسه حين كان يقول هذه الكلمات، لكنه بدلاً أن يشير إلى رأسه هو، أشار إلى رأس طفل آخر يميزه حسن خاص. وكان رأس هذا الطفل طويلا يحمل عينين سوداويتين كبيرتين شديدتي الحزن.
لكن أحداً من الأطفال لم يضحك. بل ظلوا جميعاً واقفين هناك صامتين.وبدا واضحا أن مزاجهم قد تبدل في غمضة عين منذ اللحظة التي بدأت فيها أتحدث عن المرأة المنحنية خلف شباك النافذة.
