بدأت الرحلة عبر الطريق الصحراوي الممتد جنوب الذيد في الشارقة متوجهين الى الثميد وتحديداً منطقة فلي التي توسطت الرمل وغرفت من عيون الجبل واستأنست بنخيل المزارع وكأنها واحة تفتح ذراعيها للعطاشى الهاربين من الرمضاء.

انتشرت الرمال على جانبي الطريق الحديث لتعيدنا الى صورة قوافل البدو وهي تقطع الصحراء باتجاه الأسواق الساحلية حاملة ما توفر من بضاعة الصحراء لتقايضها بحفنة من القهوة والسكر وربما اذا جادت البيعة ببعض «العيش» وثياب تفرح العروس البدوية فتختال بها أمام صويحباتها. وصلنا فلي حيث تراءى لنا بناءان قديمان لم يترك منهما الزمن سوى بقايا الحيطان،أحدهما كان مقهى ومطعماً في المنطقة، والآخر معصرة لدبس التمر انتهى العمل فيها من سنين، وعند دخول المنطقة كان بعض شوابها بانتظارنا في مجلس الوالد الحاج مصبح محمد بن شافي الكعبي وقد عادوا من مزارع النخيل القريبة، فبدأ الحديث عن موسم الرطب وبأي الأنواع يبدأ، فتحدث الحاج مصبح بن شافي قائلاً:

هناك ما يتقدم من أنواع الرطب ويسبق غيره في النضج ويسمى «المجدم» فالنخل يبشر بالنغال والخنيزي والميناز والصلاني، وقد أكلنا النغال قبل غيره من الرطب ثم بعد شهر يكون موسم «الخلاص والجبري» أما اللولو والبرحي فيكون في آخر الموسم. والحمد لله مزارع النخيل في فلي عامرة وفيها من الخير الكثير، وقد كانت هناك معصرة دبس في الماضي لكثرة التمور في المزارع، وكانت أساساً لغذائنا بما يعطينا القوة لمواجهة الحياة الصعبة والكد أيام زمان. يرى الحاج ابن شافي ان الحياة الماضية كانت بسيطة ولا توجد فيها متطلبات كثيرة وأعمالنا تتوزع بين صناعة السخام ورعي الغنم وجني العسل الذي نحصل عليه من الجبال القريبة، ونحمل منتجاتنا من العسل والسمن واليقط والسخام لنبيعها في أسواق الشارقة.

حيث نقطع الطريق سيراً على الأقدام أو على الجمال وحين نبيع ما نحمل نشتري القهوة والعيش والمالح والملابس وغيرها من الحاجات البسيطة التي تكتفي بها العائلة آنذاك.

ويضيف أبو سعيد وهو شاعر يقول ويحفظ الكثير من القصائد: كانت حياة البداوة تصنع رجالاً فهي تعلم الفتى كيفية مواجهة الصعوبات والاعتماد على النفس والشجاعة، إضافة الى ان المجالس كانت مدارس، القوم فيها يتعلمون الشعر والعبر والعادات والتقاليد وأحكام الدين والشريعة، خاصة ان كبار السن كان يهتمون بتربية الشباب على مخافة الله والالتزام بتعاليم الدين الحنيف.

* أيام وذكريات

وينتقل بنا الحديث الى ذكريات شهر رمضان المبارك فيتحدث الحاج عبدالله ضحى بن عسكر، وهو أحد شواب القرية الذين يتميزون بسرعة البديهة وروح الفكاهة وعذوبة حديثه وطبيعته جعلته محبوباً من الكبار والصغار فيقول: «كنا نحضر لشهر رمضان قبل قدومه بفترة، حيث نوفر بعض المبالغ البسيطة حتى نتمكن من شراء بعض الحاجات.

ونشتري القهوة والرز والطحين وبعض الملابس البسيطة لنا ولأولادنا ونسائنا، وتقوم النساء بخياطتها وتجهيزها قبل العيد، ومع بساطة الحياة كنا نفطر على الماء والتمر واليقط بشكل دائم، والذي يتوفر من الخبز والأرز وحليب الجمال.

ويتحدث ابن عسكر عن معرفة الشهر الفضيل قائلاً: «كنا نصعد على الجبال رجالاً ونساء لنشاهد الهلال، وبعضنا يسأل القوافل عن الشهر فقد يأتون من أماكن شوهد فيها الهلال، وأحيانا نصوم على حساب الشهر واكمال عدة رمضان.

وغالباً ما يأتي رمضان في الصيف وكان الصوم صعباً في الحر فنجلس تحت ظلال الشجر ونرش المكان بالماء ونغسل ملابسنا ولحافنا حتى نشعر بالبرودة ونخفف من حدة العطش، وقبل المغرب تحضر النساء الفطور، ونفطر بالماء أولاً لعطشنا الشديد، وأذكر أني صمت أول مرة حين كنت صبياً قبل حوالي ثمانين عاماً.

حيث صمت غرة رمضان وفرحت فرحاً كبيراً عند غروب الشمس ولكن عند الفطور أغمي عليّ من شدة التعب والعطش ومنذ ذلك اليوم وأنا أصوم والحمد لله. ويذكر ابن عسكر موقفاً طريفاً في رمضان قائلاً: في أحد أيام رمضان كان الجو ملبداً بالغيوم ولم نر الشمس، فظننا أن وقت المغرب قد حان فأفطرنا وبعدها شاهدنا الشمس فوق الجبل، فأعدنا صيام هذا اليوم الذي خسرناه.

ونعود الى الحاج مصبح بن شافي ليتحدث عن الشهر الكريم قائلاً: شهر رمضان شهر فضيل مبارك والصوم في الماضي كان له، ميزة خاصة حيث يجتمع الأهل في «البريزة» وهي مكان يوضع بين البيوت يجتمع فيه الأهل ويستقبلون ضيوفهم فيه.

وعند الإفطار يجتمع أهل الفريج وكل شخص يحضر ما قدره الله عليه من التمر واليقط وحليب الأبل والخبز والعيش والفريد ونأكل معاً ونجلس معاً حتى نصلي التراويح جماعة مع مطوع القرية وبعد ذلك نذهب لنستريح في بيوتنا ونستعد لليوم التالي، وكذلك تجتمع النساء في أحد البيوت، وتفطر معاً.

واليوم نشعر بالفرق الكبير بين رمضان في الماضي ورمضان اليوم ففي الزمان الأول كان الصيام صعباً بسبب حرارة الجو وعدم توفر سبل الراحة. ولكننا كنا نشعر بروح التكافل بين الناس.

أما اليوم فالحمد لله «والله يطول عمر الشيوخ» نحن في نعمة وفي خير كثير والأكل وفير ويزيد على حاجة الناس، وقد وصلتنا خدمات الكهرباء والماء وأصبحت مكيفات الهواء تبرد البيوت فلا نشعر بالحر أو العطش.

ومازلنا نحافظ على عاداتنا القديمة في رمضان، ونجتمع مع الأهل ومعنا أولادنا نعلمهم العادات والتقاليد ونحكي لهم عن الماضي وعاداته، ولا ننكر حياة التعب التي نعيشها لكي يعرفوا قيمة ما يمتلكون الآن.

وكثيراً ما آخذ أحفادي الى مزرعة النخيل وأعرفهم بأنواعه ومواسمه، وكيفية زراعته وسقايته وتجفيف التمر وحفظه وصناعة الدبس وكذلك صناعة السخام الذي كنا نحمله على ظهور الجمال الى سوق العرصة في الشارقة لبيعه هناك، وكل هذه الأمور تشكل جزءاً من التراث لم يعرفه الأبناء ولم يعيشوا فيه لكنهم يستطيعون التعرف عليه في مجالس كبار السن من الآباء والأجداد.

* فرحة العيد

ويدور الحديث حول العيد فيقول الحاج ابن عسكر للعيد عقب رمضان فرحة خاصة فهو يأتي بعد شهر الصوم، حين يسود الشعور بالرضا عن النفس والتقرب من الله سبحانه وتعالى، وكذلك بسبب اجتماع الناس اليومي في الإفطار وصلاة التراويح فانهم ينتظرون العيد معاً وتكون الفرحة جماعية، فيلبس الصغار أفضل ما عندهم ونشعر بالفرح يعم الوجوه التي تلتقي للتهنئة والمباركة بالعيد.

ويبقى حديث الشواب حاملاً ذلك التوق المستمر الى الماضي ولسان حالهم يقول «ألا ليت الشباب يعود يوماً» لكنهم يتفقون على ان الحاضر أكثر رخاءً وراحة وقد تحسنت أحوال المنطقة بعد الاتحاد فتجد فلي التي تمثل احدى قرى منطقة الثميد التي تضم كذلك «الفاية وأم صفاه والبحايص» .

وتبعد عن مركز الشارقة ما يقارب الثمانين كيلومتراً جنوب الذيد، أصبحت من القرى الحديثة التي تتوفر فيها الخدمات الصحية والتعليمية، وكذلك تجد مركزاً للطفولة وآخر للناشئة ونادياً للفتيات وجمعية تعاونية وغيرها من الخدمات المتطورة التي يستفيد منها سكان المنطقة المجاورة إضافة الى أهالي فلي.

خرجنا من المنطقة لنجد ان وقت الغروب قد شكل لوحة بديعة مادتها الطبيعة البكر بكثبانها الرملية ونباتاتها المختلفة وكأنها تدعو عدسة الكاميرا لتكون شاهداً على الجمال الذي لم تطله يد المدينة.

استطلاع دلال جويِّد