«أنا إسماعيل» هكذا يبدأ الراوي حكايته ويلاحظ أنه يستغرق في السرد دون أن نعرف عن جوهر شخصيته أمرا كثيرا سوى أنه ضاق بحياته الرتيبة في مدينة «مانهاتن» ـ نيويورك فاتجه إلى منطقة صيد الحيتان على الساحل الشرقي الأميركي.

. وكم كانت صدمته حين أبلغه صاحب الخان المتواضع الذي سكنه أن شريكه في غرفة الإقامة صياد من بحار الجنوب في العالم داكن البشرة واسمه «كويكيج» مع ذلك كان الصياد الساذج الأسمر شخصا ودودا وسرعان ما نمت صداقة إنسانية مع راوي قصتنا وأصبح إسماعيل يناديه متوددا بلقب «الوثني».

ويصحبه إلى حيث يلتحقان بسفينة الصيد «بيكود» التي كان يقودها قبطان غريب الأطوار شديد الانطواء داخل قمرة القيادة كان بحارا مقطوع الساق واسمه كابتن «إهاب» وها هم بحارة السفينة يحكون كيف فقد قبطانهم ساقه التي نهشها وحش بحرى هائل الحجم هو الحوت الأبيض الذي يحمل اسم «موبي دك» ومن ثم فالسفينة تتلخص مهمتها في مطاردة هذا الحوت والعمل على اصطياده جزاء وفاقا على ما جناه من ذنب بحق غريمه البشري كابتن «إهاب».

هنا تخصص الراوية فصلا كاملا بعنوان سيتولوجي ومعناها «علم الحيتان» وفيه خلاصة مثيرة للاهتمام المعرفي عن الحيتان وأطوار حياتها وأساليب معاشها وأحوال تناسلها وأشكال المجتمعات البحرية، التي تعيش بين ظهرانيها كل هذا والكابتن «إهاب» يتحسس موضع ساقه الضائعة قابعا في مكمنه فاردا أمامه خرائط البحار والمحيطات في العالم يدرسها مدققا ومتفحصا المواقع التي يأمر فيها بإنزال القوارب وشهر حراب الصيد والاستعداد لصراع الإنسان مع الحيتان.

. وفي مياه الكاريبي يلتقون بسفينة صغيرة يقودها بحار من جزر الهند الغربية اسمه «فيض الله» وسرعان ما جمعتهم رفقة البحر والخطر فشكلوا مجموعة صيادين باحثة عن الحوت الأبيض تمخر السفينة «بيكود» عباب المحيط لا تلوى على شيء إلى أن تدخل مياه اليابان حيث موائل الحوت الأبيض.

. وكلما قطعت فرسخا في تلك المياه الآسيوية يشعر المرء بأن شحنات من كهرباء التوتر والترقب والانفعال لا تنفك تتجمع وتتكاثف في أجواء المكان.. يزيد الأجواء قتامة ذلك المرض الشديد الذي أصاب الصياد الجنوبي الأسود.. وإذ يشعر باقتراب النهاية يطلب من نجار السفينة أن يصنع له كفنا من خشب يضعون فيه جثته كي يظل طافيا فقد تحمله أمواج المحيط إلى وطنه عند أقصى الجنوب..

يحاول البحارة أن يثنوا قبطانهم عن مواصلة مطاردة عدوه السمكي اللدود فيأبى الكابتن وتهب عاصفة رهيبة فيأمر «إهاب» بمضاعفة سرعة السفينة إلى حيث يصبح موبي دك على مرمى من بصر الجميع هنالك تستغرق المطاردة أياما ثلاثة.. في الأول منها يضربون الحوت بحربة فما كان منه إلا أن سحق جانبا من جسم السفينة في اليوم الثاني يطبقون عليه بحرابهم فإذا بقارب الصيد ينقلب في البحر ويكاد البحارة يغرقون أما اليوم الثالث فكان حاسما في هذه المعركة الضارية.

سدد القبطان إهاب حربته فأصاب الحوت لكن موبي دك يشد معه الحبال التي تربط القبطان إلى قارب الصيد الخفيف وإذا بالحبل يرتد إلى الخلف ليطوق عنق القبطان.. وإذا بالحوت يجذب الحبل فيهوي ومعه غريمه الصياد العجوز إلى قاع المحيط فتنتهى بذلك ملحمة الصراع بين إنسان و.. حوت.ويغرق الجميع في قاع البحر ولا تكتب النجاة سوى لفرد واحد كان عليه أن يروى القصة واسمه.. إسماعيل.

* الأفكار .. الرموز.. الدلالات

هذه الرواية تمثل في التحصيل الأخير رحلة للبحث عن الحقيقة ـ أن هيرمان ملفيل ليس معنيا فقط بتصوير انتقام بحار بشر (اهاب) من حوت أبيض (موبي دك) له في عنقه ثأر قديم.. إن القبطان يجتاز أعالي البحار ويخوض لججها كي يفك أسرار الحياة ويحاول الإلمام بجوهر الكون.. لذلك يقول ملفيل نفسه: لكي تنتج عملا عظيما، عليك أن تبحث عن موضوع عظيم.

وفي هذا الإطار ترتبط الرحلة البحرية بالذات بحس المغامرة ولحظات الكشف وشعور الرفقة إزاء جسامة الخطر وهبوب الأعاصير البحرية.

ويزيد هذا الشعور بالرفقة والصداقة والوشائج الإنسانية عندما نتابع هذا الاحساس الإنساني الطيب يسرى مسرى الكهرباء بين إشماييل (إسماعيل) وبين الصياد الأسود (كويكبج) القادم من بحار الجنوب من العالم. هى صداقة فوق اختلاف المنشأ والتربية والأصل واللون، فالكل أبناء آدم وهذه الآصرة البشرية تذيب كل اختلاف.

هناك أيضا آفة التوحد والوحشة والانعزال عن الآخرين. هذه الآفة أصابت بطل الرواية القبطان «إهاب» وكلما أمعنت سفينته في الإبحار.. أمعن القبطان في الانعزال عن سائر أفراد الطاقم..

يبدو البحار العجوز وكأنما أصابته لعنة الثأر لساقه المبتورة الضائعة، فما بالك اذا كان الثأر من كائن وحشى من أوابد البحر المحيط! على الجانب الآخر من القضية يتأمل إسماعيل وجه الحياة عندما تصفو للبشر فإذا بها تنفرج أساريرها بالمحبة والصداقة والرفقة والتواصل والتعايش في ظل السلام بدلا من التنافس والتصارع على نحو ما يشهده الصراع بين الإنسان والحوت.

يسود لغة الرواية ايقاعات الشعر ويتخلل الطور إشارات وإحالات إلى أسفار الكتاب المقدس أسماء الشخصيات الرئيسية للرواية.. على أن لغة الشعر تواكبها لغة أخرى هى مصطلحات البحر ولغة البحارة بكل حرفيتها وخشونة ألفاظها خاصة فيما يتعلق بعمليات صيد الحيتان وصناعة تجهيز الحيتان.

هناك أيضا تلك الوشيجة التي تربط بين الإنسان والطبيعة فالصور البلاغية كالاستعارات والتشبيهات مستقاة في معظمها من مشاهد الطبيعة البحرية ومن أحوالها وتقلباتها.. ولكن هذه الأساليب البلاغية تسخر جميعا لخدمة المستويين اللذين تدار على صعيدهما الأحداث: مستوى القصة المروية عند بحار عجوز يطارد عدوه اللدود في أعالى البحار متمثلا في حوت هائل.

. ثم مستوى العبرة المستفادة التي تقول إن إنسانا ما يطارد الشر (ورمزه الحوت)، لكي يخلص العالم من ربقته ولكى يدرك البشر المعني الحقيقي لحياة الخير والسكينة والسلام.

يؤكد هذا المستوى الأخلاقي احتواء الرواية على أسماء ورموز تحيل في معظمها إلى سير الأنبياء وشخصيات الرسالات السماوية ، إلا أن المؤلف نجح بامتياز في المزج الإبداعي بين الرمز والواقع.. بين فلسفة الخلق والكون وحياة البحر وحرفة صيد الحيتان.

أما سطور القصة فترد على ألسنة ثلاثة أولهم إسماعيل الذي يطالعنا منذ البداية ويقدم لنا الأحداث في مستهل فصولها أو يقدمنا نحن لهذه الأحداث ويكاد يأخذ بيد القارئ إلى أن يجد القارئ نفسه على حين بغتة طرفا مشاركا وعنصرا فاعلا وأصيلا في حبكة الأحداث.. تكاد شفتاه تتذوقان طعم المياه المالحة وتكاد أذناه تسمعان هذر البحارة ولا تكف عيناه عن مسح المسطح المائي المترامي لعلها تصادف أثرا لكائن اسمه الحوت.

أما الراوي الثاني فهو بالطبع الكابتن «إهاب» الذي تتميز لغته بالخشونة وكأنها تعكس شظف العيش على صهوة الموج فوق متن سفينة تمخر العباب تحت رحمة الإنواء.في حين أن الراوي الثالث هو المؤلف شخصيا الذي لا يلبث أن يتدخل في هذا الموضع من روايته أو ذاك لكي يطرح رأيا أو وجهة نظر حسبما يقتضيه السياق.

* العمل في ذاكرة الإنسانية

رغم أن «هيرمان ملفيل» أكد أنه لا يكتب اسطورة أو موعظة أخلاقية لأن الاسطورة أمر سخيف والموعظة لا يحتملها أحد، إلا أن روايته في مجملها عبارة عن حكاية ذات مغزى أخلاقي لا يخطي المرء فحواه وهى بذلك تنضم إلى قصص «البحث» التي تصور الإنسان حين يحاول أن يستجلى كبد الحقيقة .

ويكتشف معنى الوجود أو ينشد التوصل إلى جوهر الكون ما استطاع إلى ذلك سبيلا في هذا السياق نشير إلى ملحمة أوديسيوس للشاعر الإغريقي هوميروس وفيها أيضا يجوب البطل بحار جنوب أوروبا تهديه لذة الكشف والاستطلاع إلى أن يعود إلى بيته في آخر المطاف.. وإلى رواية يوليسيس للأديب الإيرلندي جيمس جويش.

وهى بامتياز رحلة روحية وسيكلوجية لاكتشاف الذات، وأخيرا نلقى رواية «الطريق» لأديبنا المصرى ـ العربي نجيب محفوظ التي تكفي دلالة عنوانها لتأكيد انتمائها إلى أدب البحث عن الحقيقة حيث لا يكل بطلها عن تقصي جذوره العائلية .

ولا يكف عن البحث عن أب له اسمه «سيد الرحيمي» لا يعرف البطل سوى اسمه ولا يملك سوى صورة قديمة باهتة لشكله.. وبغير ذلك يظل البطل كائنا هلاميا كالنبت الشيطاني يدب على اديم الأرض بغير أصل ولا جذور.

*المبدع

هيرمان ملفيل (1819 ـ 1891) من مواليد نيويورك، اصيب في طفولته بمرض الحمى القرمزية،ولم يفارقه المرض إلا بعد أن أصبح بصره قليلا، وفي مثل حالته تلك كان لابد وأن يقنع بوظيفة متواضعة في مهنة التدريس مثلا.. لكنه على العكس.. شد الرحال بحثا عن عمل في البحر إلى شواطئ انجلترا أولا ثم إلى البحار الجنوبية من العالم بعد ذلك.

هكذا اصطبغت حياته بحس المغامرة والتماس الجديد والتمرد إلى حد الثورة على ما كان يشاهده ويعايشه من استغلال القوى الكبرى لشعوب المستعمرات الجنوبية وبلغ أمره حد المشاركة في انتفاضة ثورية شهدتها جزيرة تاهيتي وأفضت به إلى سجن الجزيرة الكاريبية الذي استطاع أن يهرب من زنازينه عائدا إلى أميركا لينكب على متابعة طموحاته الأديبة في عالم الرواية والشعر.

ورغم أنه أصدر عدة روايات لها قيمتها وعددا من دواوين الشعر التي استلهم في بعضها وقائع الحرب الأهلية الأميركية (ستينيات القرن التاسع عشر) إلا أن هذه الإبداعات لم تعد عليه بما كان يليق به من شهرة أو مال وقصاراه أن اقتنى مزرعة متواضعة في ولاية بنسلفانيا ثم شغل وظيفة مفتش في جمارك نيويورك.

صحيح أنه حاز شهرة في حياته لكن الانصاف الحقيقي ناله بعد رحيله عن العالم وبعد أن أعاد النقاد والمحللون النظر في أعماله، وفي مقدمتها رائعته زموبي دكس فإذا بهم يرفعونه بحق إلى مصاف الأعلام الكبار في الأدب الأميركي المعاصر.

يرصده : محمد الخولي