كان موضوع البدو موضوعاً أثيراً لدى الكثير من رجال الامبراطوريات وموظفيها ومستكشفيها ورحالتها رسميين كانوا أم غير رسميين، أكاديميين كانوا أم طلاب شهرة، وباحثين عن الشعوب الغريبة، وعاداتها الطريفة، في ممالكها وصحاريها البعيدة النائية.
وحين رجعت إلى بعض المصادر وجدت كماً هائلاً من المؤلفات والأبحاث والتقارير والدراسات الحقلية وتقارير آثاريين وخبراء نقوش ومسكوكات قديمة و... الخ فآثرت إيراد كل مؤلف وبعنوانه الأصلي قدر الإمكان، وكلما دعت الحاجة، تسهيلاً وتعميماً للفائدة، ولكون أغلب تلك المراجع غير مترجم إلى اليوم مع أنه يتعلق بمنطقتنا بوجه من الوجوه.
راودتني في الحقيقة أفكار كثيرة حول كتابة بيبلوغرافيا مشروحة لأهم المصادر الأجنبية التي اهتمت بالبدو وحياتهم وعاداتهم وتقاليدهم، وربما تطور الأمر في المستقبل إلى وضع مؤلف خاص يحوي دارسة تاريخية لأهم تلك المصادر تعين الباحثين والمهتمين في هذا المجال.
فقد كان موضوع (البدو) محور اهتمام العديد من الرحالة الغربيين الذين جابوا منطقة الجزيرة العربية وكتبوا عنها، وهناك أيضاً التقارير والمؤلفات التي كتبها الموظفون الرسميون لدى حكوماتهم، كالسفراء والقناصل والعسكريين كموظفي وزارة المستعمرات، والوكالات التجارية،
والمقيمين السياسيين وممثلي شركات البترول، والأطباء والمبشرين والجواسيس وضباط الاستخبارات العسكرية والمستشارين الخاصين، ودارسي الآثار والمهتمين بالتنقيبات الأثرية، والمبعوثين السياسيين من قبل حكوماتهم وعلماء الانثروبولوجيا والاثنولوجيا واللغات القديمة والنقوش والمسكوكات والخ.
وسنورد هنا سرداً لعناوين أهم تلك المؤلفات ثم سنتناول بعد ذلك بعضها بشيء من التفصيل، وبما أن لجغرافية شبه الجزيرة العربية أهمية خاصة في دراسة ظهور الإسلام، ولما تثيره الجزيرة العربية من ذكريات في نفوس المسلمين، ومع ذلك ظل هذا الموضوع غير مطروق لفترة طويلة حتى جاءت سلسلة الاكتشافات التي نرى بدايتها (بالنسبة لهذا الموضوع بالتحديد) في كتاب جاكلين بيرين (Jacqueline Pirenne) بعنوان La découverte de l?rabe (اكتشاف جزيرة العرب 1958)؛ وكتاب كيرنان (R. Kiernan)
بعنوان The Unveiling of Arabia (كشف اللثام عن جزيرة العرب) طبعة London , G.G. Harrap and co. ltd.1937 ولا شك أن أسلوب الحياة التي يحياها سكان بلاد العرب وأهل الأقاليم المتاخمة لشبه الجزيرة العربية لها أهميتها الخاصة. وقد غطى هذا الموضوع في ثنايا مؤلفات جغرافية عديدة منها الدراسة التي نشرها مونتاني (R.Montagne) بعنوان La Civilization du desert (حضارة الصحراء، 1947)،
وكتاب أوبنهايم (M.von Oppenheim) بعنوان Die Beduinen (البدو) وقد صدرت منه ثلاثة مجلدات فيما بين عامي 1952 - 1939، ثم أكمله براونليش (E.Braunlich) وكاسكل، وهو موسوعة عامة عن قبائل البدو. وهناك دراسات أكثر تخصصاً مثل كتاب جوسن (A.J.Jaussen) بعنوان Coutumes des arabs au pays de Moab (عادات العرب في بلاد مؤاب، 1908)
وكتاب موزل بعنوان The Manners and Customs of the Rwala Beduins (أخلاق البدو ـ بدو الارولة ـ وعاداتهم،1928)؛ وكتاب هس (J.J.Hess) بعنوان von den Beduinen des innern Arabian (بدو وسط الجزيرة العربية 1938)
وكتاب ديكسون (H.Dickson) بعنوان (The Arab of the Desert in Kuwait and S.Arabia)(عرب الصحراء بالكويت والمملكة العربية السعودية،1949)؛ ومقال لبراونليش بعنوان Beitrage zur Gesellschaftsordnung der arabischen (بحوث اجتماعية عن قبائل البدو العربية، 1934) نشرت في مجلة (Islamica,v1)؛
وكتاب دي بوشمان (A.de Boucheman) بعنوان Matériel de la vie Bedouine (حياة البدو، 1935)؛ وكتاب هيننجر (J.Heninger) بعنوان Die Familie beiden heuttgen Arabiens und seiner Rondgebeite (الأسرة في بلاد العرب الحديثة وما حولها، 1943). وكتاب ثيسجر (Arabian Sands. New York , 1959) الرمال العربية؛ وليثسجر أيضاً مقال منشور في المجلة الجغرافية بعنوان (رحلة عبر الربع الخالي):،W.Afurther Journeyacross the empty Quarte Thesiger
نشرت في يونيو 1949 ، وأعتقد إنها ربما تكون فصلاً من فصول كتابه اللاحق (الرمال العربية) الذي نشر كما سبق أن تقدم عام 1959. ولموزل Alios Musil في الحقيقة أكثر من كتاب تناول حياة البدو، وقد عاش هو شخصياً لفترة بين بدو الارولة، وهو مستشرق تشيكوسلوفاكي الأصل، لبث عدة سنوات بين أولئك البدو وسلك سبيلهم في خشونة العيش، وقد قام بعدة رحلات للدرس والبحث والتدوين وقد كتب كتبه بالألمانية،
وتلقب بالشيخ موسى الرويلي (بالنسبة للأرولة وهم عشيرة من قبيلة عنزة المعروفة)، ومع ذلك (خاصة ما يتصل بكتابه هذا) فهناك ملاحظات على بعض ما أورده نتيجة اعتماده على الرواية أو لعدم تمكنه من معرفة المنطقة معرفة دقيقة. ولكن تبقى مؤلفات موزل من أدق ما كتبه الأجانب عن الجزيرة العربية وما أورده من معلومات عن السكان والحياة الاقتصادية والأوضاع السياسية فيها.
كما له من الكتب أيضاً كتابه Northern Hegz شمال الحجاز، وقد ترجمه إلى العربية د. عبد المحسن الحسيني، الإسكندرية 1952. وله كتابان آخران هما: (Arabian Petraea) و(Palmyrena) الأول نشر في باريس عام 1907، والثاني نشر في عام 1928 كما كان موزل صاحب خبرة ودراية بمنطقة الجزيرة واللهجات فيها، لذا كانت كتاباته ذات فائدة كبيرة للباحث في تاريخ الجزيرة وبدو بادية الشام والأردن ومنطقة الجزيرة الفراتية.
تخرج (موزيل، ألويز 1938ـ 1868) .Musil .A. من جامعة براغ وتتلمذ على يدي المستشرق دفوراك،ر. (19201860) Dvorak , R. واختير مشرفاً على الدراسات العربية، وأستاذاً للغات السامية فيها، ورحل إلى الشرق الأوسط، وتعلم في معهد الآداب الشرقية ببيروت، ودّرس في مدرسة الكتاب المقدس للآباء الدومينكيين بالقدس (1895)،
وتكررت رحلاته إلى الشرق العربي (19021896)، (19081909)، (1912)، (1914ـ 1915)، وتقلد في رحلته الأخيرة رتبه لواء، وصحب بعض أمراء النمسا، فاكتشف قصر عُمْرَه، وعن رحلاته كتب بضعة مجلدات. كما دبج بضعة مقالات للتعريف بعشرات الكتب العربية إلى القراء من التشيك ولاسيما الشباب، وقد عين عضواً في المجمع العلمي بدمشق.
* تعريفات
وهناك كتاب لمالمجناتي Malmiginati وهو بعنوان (عبر الصحاري الداخلية المؤدية الى المدينة) «Through inner deserts to Madina , London , Allanandco , 1925» وقد جاء في كتاب (دراسة في مصادر تاريخ الجزيرة العربية الحديث والمعاصر، للدكتور عبد الفتاح أبو عليه سرداً لأهم تلك المؤلفات الأجنبية التي تناولت موضوع الجزيرة العربية بشكل عام مع تركيز المؤلف على تاريخ المملكة العربية السعودية - الدولة - وتاريخ الحركة الوهابية،
وقد أورد المؤلف تعريفات تبقى برأينا مفيدة لكنها تعريفات مقتضبة جداً لا تفي أحياناً بالغرض، سواء كانت عن رحلات، أو عن مجرد مقالات (مع ذكر العدد ورقمه وتاريخه ومكان النشر) أو تقارير رسمية مع ذكر العنوان بلغته الأجنبية سواء بالإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية. ويبقى الكتاب بيبلوغرافيا ثرية ومهمة ومفيدة جداً للباحث والمهتم في موضوع الرحلات وتاريخ الجزيرة العربية والخليج.
ومن جملة ما جاء في هذا الكتاب نذكر كتاب دوّنه الرحالة بوركهارت Burckhardt بعنوان (رحلات في جزيرة العرب) Travels in Arabia , London، وجاء في جزءين دوّن فيهما الكثير عن القبائل العربية الساكنة في جزيرة العرب، وعن عادات هذه القبائل، وعن الحياة التي كانت سائدة في الجزيرة العربية عند زيارته لها في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي وقد صدر الكتاب سنة 1829.
والواقع أن قارئ بوركهارت يجد متعة في القراءة لما دوّنه، كما يلاحظ القارئ أن بوركهارت جاء صادقاً في تدوينه للمعلومات التي كتبها في مؤلفاته عن جزيرة العرب، فقد كان من عادته أن يهتم بالترتيب لرحلاته قبل أن يبدأها، ويحضرها تحضيراً منهجياً محسوباً.
وما دوّنه بوركهارت عن رحلاته يعتبر حتى اليوم أصدق ما كتب عن البلاد التي زارها والأساس العلمي لكل معرفة بها وردت من بعده، ويتضح منها انه كان يتميز بقدر كبير من الاتزان والتسامح والانفتاح الذهني والقدرة على الحركة والإبداع، كحرفي ممتاز أكثر منه كفنان وقد قورن به فيما بعد الرحالة البريطاني الشهير هاري سانت جون (فلبي) وسنأتي على ذكره فيما بعد.
ولد بوركهارت في 1784 لأب كان برتبة كولونيل في الجيش السويسري ولكنه اضطر للهرب من موطنه عندما سقط في أيدي الفرنسيين. ودرس بعض الوقت في ألمانيا قبل أن ينتقل إلى انجلترا حيث التقى هناك مع سير جوزيف بانكس عضو الرابطة الأفريقية التي تولت تمويل العديد من الرحلات الاستكشافية في حوض النيجر، ولكنها كلها كانت تنتهي بوفاة المستكشفين.
وهنا عرض الأمر على بوركهارت أن يحاول الوصول إلى تمبكتو عن طريق اصطحاب قافلة من حجاج النيجر عند عودتهم من مكة. وحظي عرضه بالقبول، وفي مقابل منحه جنيهاً إسترلينينياً واحداً عن كل يوم، وراح من فوره يهيئ نفسه للرحلة.
فانتسب إلى جامعة كمبريدج ليدرس اللغة العربية، والطب والفلك. وكان ذلك عام 1808 أي كان عمره 24 سنة. وترك لحيته تنمو. وكنوع من تمارين اللياقة المطلوبة لرحالة يستعد للقيام برحلته الأولى كان يفترش الأرض الصلبة عند النوم، ويمشي كل يوم مسافات طويلة.
ولا يتغذى إلا بالخضراوات ونباتات الأرض. وبعد عام من الجهد المتصل شد رحالة إلى جزيرة مالطة، ومنها توجه إلى حلب حيث قضى عامين رسّخ فيهما تمكنه من اللغة العربية وبرهن على ذلك بترجمة رائعة بالعربية لقصة روبنسون كروزو وفي الوقت نفسه انهمك في دراسة الإسلام، بل وتعمق في دراسته بإخلاص حتى انتهى به الأمر إلى اعتناقه رسمياً، بل وأصبح حجة في تعاليمه يُرجَع إليه في أمور الدين والدنيا، حتى أن قاضي قضاة مكة أقر على الملأ بأنه ليس فقط مسلماً غيوراً على دينه، بل عالماً جليلاً لا حد لعلمه وفضله.
وفي غمار انهماكه في الاستزادة من العلوم الشرعية، اكتشف أول كتابات باللغة الحيثية القديمة. وكان طوال إقامته في مدينة حلب السورية كثيراً ما كان يتجول برفقة البدو، وخاصة بدو قبيلة عنزة. ووصل برفقتهم عبر بادية الشام إلى شواطئ الفرات. ونشرت أبحاثه التي قام بها مع قبيلة عنزة لتكون أول دراسة أنثروبولوجية موثوقة لقبائل البادية (بادية الشام).
يقول عن هذه الفترة التي قضاها مع البدو: «لقد أمضيت مع البدو بعضاً من أسعد أيام حياتي، ولكني قضيت معهم أيضاً بعضاً من أكثرها ضجراً ورتابة، وأنا لا أجد ما أفعله طيلة النهار سوى مراقبة قرص الشمس الملتهب وهو يخترق خيمتي سابحاً في لحظة الشروق حتى يختفي وراء الأفق الغربي، في انتظار هبوط الظلام. وهنا يتكفل ليل الصحراء، برقصاته وأغانيه ليزيح عني كل الملل الذي رافقني طيلة النهار».
وقد وصف بوركهارت بالتفصيل حفلات الزواج عند البدو، والتحكيم بحلف اليمين، وطقوس الضيافة، ومفهوم الشرف عند البدو، ومع أن كثيرين كتبوا عن هذه المواضيع فيما بعد، إلا أن بوركهارت كان متميزاً بل ويبقى دائماً صاحب الفضل في الريادة. وقد اتصل بيركهارت بمحمد علي باشا والي مصر وكانت له به علاقة جيدة. وقد قابله أكثر من مرة وخاصة في مدينة الطائف. وقد زار وكتب عن مدن الحجاز، جدة، ومكة و المدينة والطائف.
وتأكيداً على إسلامه يذكر أنه دخل في مناقشة فقهية مثيرة مع قاضي مكة في مجلس محمد علي في الطائف، وأظهر تمكناً من علوم الدين والفقه الإسلامي، عندما حان موعد الصلاة صلى الجميع معاً، وعلى سبيل المبالغة في الإكرام والاعتراف بفضله قدّمه القاضي ليؤم المصلين فلم يتردد في القبول، وقرأ في الصلاة عدداً غير قليل من آيات الذكر الحكيم التي كان يحفظها عن ظهر قلب.
وقد زار مكة كمسلم أكثر من مرة، وعنها يقول: «في كل رحلاتي بالشرق لم أشهد أبداً من أيام اليسر والراحة والنعيم ما شهدته في مكة. ولسوف أظل دائماً أحتفظ بأجمل الذكريات عن الفترة التي قضيتها بها».
عمار السنجري
