أكثر من خمسين في المئة من المراهقين في لبنان يدخنون النارجيلة. هذه النسبة مرتفعة جداً. وهي تدل أنها أصبحت حاليا ركنا من أركان الحياة اللبنانية وتضفي عليها نكهات متنوعة من التفاح، البطيخ، الورد، الشمام والجديد نكهة الشوكولا. «خفيفة»، «لطيفة»، «تسليني»، «خلصتني من التدخين». هذه خلاصة تجربة شاب مع النارجيلة «لقد خلصتني من هوسي الكبير بالتدخين» يقول عماد (20 سنة) محتضناً ال«نربيش» المرقط بالخرز اللامع.

ويضيف «بدأت التدخين في سن السابعة عشرة، كنت أدخن نحو علبتي سجائر يومياً إلى أن جربت النارجيلة، فبدأت أقضي سهراتي معها. الممتع فيها أنها تدور بين جميع الساهرين فتمر على كل من في الجلسة ولا تبقى في يد الواحد منا أكثر من بضع دقائق لذلك لم أكن أستفرد بها بمفردي وكانت تبعد تفكيري عن التدخين، وهكذا انفصلت عن السيجارة، ولكنني وقعت في أحضان النارجيلة، فأنا أحرق حوالي 3 رؤوس يومياً والمشاركة مع الأصدقاء باتت من الماضي».

وإذا ظن عماد أنه حقق انجازا بابتعاده عن التدخين فان رفيقه بلال لا يفكر في أبعاد هذا الأمر كثيراً وهو يقول «ما زلنا شبابا وعلينا أن نعيش ونمرح، النارجيلة ممتعة ولذيذة وتلهينا في الوقت نفسه عن الكثير من الممنوعات كالكحول والمخدرات كما أنها تبعدنا عن الأكل فأنا خسرت حوالي العشر كيلوغرامات بفضل النارجيلة فكيف أبتعد عنها؟

وفي مقابل استفاضة بلال وعماد في الحديث عن حسنات النارجيلة فإن زميلهما علي فضل الابتعاد عنها وعدم الانسياق وراء هذه «العادة السيئة». يشرح علي وجهة نظره «لم أحبها يوماً، ربما لأنني أعرف مضارها. صحيح أنها وسيلة للتسلية لاسيما في سهرات الأصدقاء الصيفية

إلا انه يجب عدم التغاضي عن مضارها فالتبغ والتنباك وجهان لعملة واحدة وهي المخدر وأنا استغرب الأهل الذين يسمحون لأبنائهم بتدخين النراجيل أمامهم وكأنه أمر طبيعي، أنا لا أمانع أن تنتشر النارجيلة بين الشباب لأنهم يعون مخاطرها لكن موافقة الأهل على ممارسة أبنائهم لهذه العادة هو أمر غريب جداً».

ولم تطل الحيرة لمعرفة رأي الأهل في هذا الموضوع إذ كانت عائلة تجلس في مقهى مجاور وكان الأب يجلس بجانب ابنته التي تدخن النارجيلة. وقد برر الأب هذا الأمر قائلاً «ان أرى ابنتي تحمل النارجيلة أمامي أفضل من أن تدخنها من خلف ظهري أو أن تتعاطى أموراً لا تحمد عقباها، فأنا أفضل أن تكون العلاقة واضحة بيني وبين أبنائي. كما أن هذا الجيل بأكمله يبدي ميلا نحو التحرر في كل شيء فلماذا أكون رجعياً فأخسر أبنائي، أنا أحاول أن أتقرب منهم فأسمح لهم ببعض التصرفات لكن ضمن حدود المنطق».

هذا التساهل لا نجده عند جميع الآباء إلا أن للأبناء رأياً آخر فهم لا يبالون كثيرا بأفكار ذويهم واللافت دخول الفتيات الشابات في دائرة النراجيل بشكل كبير وها هم الصبايا يدافعن عن النارجيلة فتقول هدى (18 سنة) «لا أدري لماذا تستغربون وجود النارجيلة بين أيدينا ولا تستغربون وجود السيجارة،

أنا أنفر من الفتاة التي تحمل علبة السجائر معها من مكان إلى آخر، بينما النارجيلة تقدم الفتاة بشكل ظريف ولطيف، كما أننا لا ندمن على النارجيلة، كما يحصل مع السجائر، لأننا ندخنها مرة واحدة في الأسبوع ونفعل ذلك على سبيل التسلية وتمضية الوقت، لاسيما خلال فصل الصيف».

ولكن ما الذي يدور من أحاديث بين الشباب أثناء «كركرة» النراجيل فيجعلهم يضيعون عن العالم لساعات وساعات ؟

يضحك الشباب عند سماعهم لهذا السؤال ويقول بلال «نتحدث في كل شيء ولكن أجمل الأحاديث هي أحاديث الفتيات: تركت واحدة، تعرفت على صاروخ جديد، هذه جسدها رائع ،.

.هذه الأحاديث تكون ممتعة دائما وقد نتعرف على بعض الفتيات في السهرة فتحلو الأوقات ولكننا نتحدث أيضاً عن الوضع السياسي في البلد إلا أننا نفضل الأحاديث الخفيفة في السهرات حتى نتسلى ونروح عن أنفسنا بعيداً عن الأجواء الضاغطة والمضطربة في البلد والتي تملأنا بالإحباط». وإذا كانت السهرات خفيفة على قلوب الشبان ،هل تكون النارجيلة ثقيلة صحيا على حياتهم؟

هل يأخذ بالتحذير؟

أظهرت دراسة أجرتها مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت أن النارجيلة تحتوي على ما يتراوح بين 90,1 و25,2 ملغ من النيكوتين، كما أن الماء لا يخفف كمية القطران في الدخان ما يرفع مؤشر الإصابة بالسرطان. من جهة ثانية فقد أظهرت دراسة قام بها البرنامج الوطني لمكافحة التدخين أن 8,43 في المئة من التلاميذ بين 13 ـ و15 سنة يدخنون النارجيلة ولاسيما المعسل.

فهل يمكن تجاهل التحذيرات الدائمة التي تصدرها الجهات الطبية المختصة والتي تثبت يوما بعد يوم وجود كميات كبيرة من المعادن الثقيلة كالزرنيخ والكروم والرصاص في دخان النارجيلة بنسب تزيد عما هو موجود من هذه المواد في التبغ، هل يمكن المخاطرة بالإصابة بأمراض قاتلة كسرطان الحنجرة ،ارتفاع ضغط الدم، الخلل في الرئتين وأمراض القلب والشرايين من أجل سهرة لذيذة يرافقنا فيها دخان النارجيلة لساعات وساعات؟ الشباب هو من يقرر فهل يصيب؟.

بيروت ـ دينا زين الدين