سيدة حسناء في الأربعين من ربيعها، بقوامها الممشوق وعفوية لا صناعة فيها، تبدأ خولة الشيخ الحوراني أو «أم توفير» ـ وفق ما باتت تعرف به في المجتمع الأردني والغربي تحديدا ـ بإخراج أدوات السمكرة في حقيبة العدة.. تجلس على الأرض جلسة «المعلم» وكأي سمكري على وجه الأرض تباشر حفلتها ولكن الخاصة.. هي أول امرأة أردنية تكسر الحاجز الذكوري لهذه المهنة.
«أم توفير» جمعت المتناقضات كلها في تفاصيل حياتها، فهي زوجة لمهندس كهروميكانيك ناجح، وأم لشابين وصبية اثنان منهم امتهنوا جزئيا عرض الأزياء هما عمر وفرح، أما بكرها محمود فيدرس حاليا في كلية الهندسة.. وكنا قد حصلنا على صورة لهما منها، فيما اعتذرت عن إعطائنا صورة لها وهي تعرض في بعض حفلات عرض الأزياء .. نعم فخولة هي عارضة أزياء أيضا. موسرجية «سمكرية» وعارضة أزياء أيضا.
تقول: كانت الخطوة الأولى بعد ان «كبر الأولاد» وجلست في البيت وحيدة.. «كنت أيام زمان أيام كان أبنائي أطفالا مشغولة به 24 ساعة ولكنهم كبروا الآن وما زلت صغيرة خصوصا وأني تزوجت، ولما أنهي بعد الثامنة عشرة من عمري». تقول خولة وتضيف: «لجأت حينها إلى ملتقى سيدات الأعمال الذي كان يعد برنامجاً أطلق عليه برنامج التسويق الاجتماعي ويهدف إلى توعية ربات البيوت على سياسة ترشيد المياه والحفاظ على تلك الثروة الوطنية المهمة، وأدرجت اسمي فيه وأظهرت شيئا من التميز من خلال تطوعي ومن هنا بدأت العمل».
فقد لاحظت أم توفير - وقد استقت هذه الكنية من كاريكاتير لرجل أطلق عليه اسم «ابو توفير» كان يهدف لتوفير ربات البيوت للمياه - وهي تبيع أدوات التمديدات الصحية الترشيدية. ان ربات البيوت يعرضن عليها أسئلة حول قدرتها في تصليح وعمل صيانة للأدوات الصحية المنزلية ومن هنا راودتها فكرة الانضمام إلى دورة في صيانة الادوات الصحية في احد المراكز نظم من قبل الملتقى بالتعاون مع وكالة الإنماء الامريكية ومؤسسة التدريب المهني.
وتطمح خولة بامتلاك ورشة متنقلة مزودة بجميع أدوات الصيانة مع فريق عمل مكون من الإناث، وتقول عن ذلك لقد لمست التجاوب والتشجيع من السيدات على الرغم من ان المردود المادي لهذا العمل كان قليلا في البداية مقارنة مع الجهد المبذول، بل ان زوجي كان يقول لي لا أريد ان تكسبي المال ولكن على الأقل لا تخسري وتدفعي من «جيبك».
وتضيف بعد ان لاحظت حاجة ربة البيت لسيدة مثلها تدخل بيتها وتصلح لها بعض مرافق بيتها التالف اصبح لدي خطة عمل مستقبلية لاجهز سيارة متنقلة فيها المتخصصة بالنجارة والحدادة وغيرها من المهن التي تحتاجها ربة البيت .. وتضطر ربة البيت - وخصوصا من الطبقات الراقية - إلى انتظار وقت فراغ زوجها ليحضر ويدخل إلى داخل البيت رجل ليصلح التمديدات الصحية مثلا أو شيء ما يحتاج في البيت إلى إصلاح..
ولهذا فإنها تعتقد ان فكرة ان تقوم باعداد فريق عمل متفرع التخصصات يستطيع الدخول إلى البيت بغياب الرجل فكرة خلاقة ومربحة وتحتاج فقط إلى التنفيذ. أما فيما يتعلق بأفراد أسرتها فتقول ان كل الفضل يعود لأبو محمود «زوجها» الذي شجعها على هذا العمل التطوعي والذي تطور إلى عمل يدر لها حاليا شيئا من الدخل. أما أولادها فتقول ان الصبية منهم فخورة بعمل والدتها ولكن الشابين يجدان احيانا صعوبة في تفهم ما تقوم به امهما.
ويدرس الأبناءالثلاثة في كليات الهندسة في الجامعات الأردنية أما عمر وفرح فقد لحقا بامهما التي تعرض أثوابا تراثية وفساتين عرض في معرض ملتقى سيدات الأعمال وبالفعل بدأ الاثنان يعرضان حتى اصبحا مطلوبين للعديد من المجلات المتخصصة بعرض الأزياء.
وتضيف لقد اجتهدت في البحث عن وسيلة تستطيع من خلالها إثبات ذاتها كامرأة قادرة على الإنتاج واتخاذ القرار، فكان - وفق قولها - لملتقى سيدات الأعمال والمهن الدور الأبرز في مساعدتي على الاستمرار في مهنتي كمندوبة مبيعات إلى درجة ان الملتقى تبنى فكرتي واصبح لدي مشروعي الخاص الذي اعتز به وافتخر. ودعت جميع السيدات وخاصة ربات المنازل من غير الموظفات إلى البحث عن بدائل للإنتاج وعدم إضاعة الوقت في انتظار الوظيفة.
وفي هذا السياق يقول الدكتور موسى شتيوي المتخصص في علم الاجتماع ان هذا النوع من الأعمال يفتح المجال أمام المرأة لكي تقوم بأعمال لا تتعارض كثيرا مع الواجبات المنزلية بسبب مرونة الوقت والتحكم بساعات العمل بما يناسب أوقات كل سيدة، بالاضافة إلى ان قيام المرأة بعمل ضمن مجموعة من النساء يشاركنها هذا المجال يمنحها الراحة النفسية حيث يؤمن لها تخصيص طبيعة الأشخاص التي ستتعامل معهم بناء على مواعيد مسبقة.
وقال «ان هذا العمل يؤكد على عدم ضرورة ارتباط العمل بالمادة حيث تصبح المادة قيمة لاحقة لقيم تحقيق الذات وهو فرصة حقيقية للحد من البطالة».وكانت دراسة أعدتها وزارة العمل بالتعاون مع منظمة العمل الدولية في عام 2002 فإن الاردن عرف وفي فترات سابقة تراوحت بين 1961 ولغاية 1987
بانخفاض معدلات مساهمة المرأة في قوة العمل مقارنة مع مساهمة المرأة العاملة في أنحاء أخرى من العالم. وكانت وزارة العمل تبنت خطة لتدريب الفتيات في جميع محافظات المملكة تحت شعار (الاردن أولا) بهدف تشغيلهن والحد من ظاهرتي الفقر والبطالة، حيث تبلغ نسبة مساهمة المرأة في سوق العمل 14 بالمئة من إجمالي القوى العاملة.
عمان ـ لقمان اسكندر