قال بعض تجار البحر: حملنا مرة متاعاً إلى الصين من الأبلة، وكان قد اجتمع ركب فيه عشر سفن، قال: ومن رسمنا إذا توجهنا في مثل هذا الوقت ان نأخذ قوما ضعفاء، ونأخذ بضائع قوم، فبينما أنا قد أصلحت ما أريد إذ وقف علي شيخ فسلم فرددت فقال: لي حاجة قد سألتها غيرك من التجار فلم يقضها، قلت: فما هي؟
قال: اضمن لي قضاءها حتى أذكرها، فضمنت، فأحضر لي رصاصة من مئة، وقال لي: تأمر بحمل هذه الرصاصة معك، فإذا صرتم في لجة كذا فاطرحها في البحر. فقلت:
يا هذا، ليس هذا ممّا أفعله، قال: قد ضمنت لي، ومازال بي حتى قبلت وكتبت في روزنامتي، فلما صرنا في ذلك المكان عصفت الريح وهاج البحر، فاشتغلنا بأنفسنا ونسيت الرصاصة، ثم خرجنا من اللجة وسرنا حتى بلغنا موضعا، فبعت ما صحبني، وحضرني رجل فقال لي:
يا هذا، امعك رصاصة؟ قلت: لا، فقال غلامي، معنا رصاصة، فقلت: لم أحمل رصاصا، قال بلى، للشيخ، فذكرت فقلت: خالفناه، بلغنا الى ها هنا وما يلحقني ان أبيعه ففيه ما ينفعه، فقلت للغلام:
احضرها، وساومني الرجل بها فبعتها بمئة وثلاثين ديناراً وابتعت بها للشيخ طرائف الصين، وخرجنا فوافينا المدينة، فبعت تلك الطرائف فبلغت سبعمئة دينار، وصرت إلى البصرة إلى الموضع الذي وصفه الشيخ، ووقفت بباب دار، وسألت عنه فقيل لي: قد توفي، قلت:
فهل خلف أحدا يرثه؟ قالوا: لا نعلم إلا ابن أخ له في بعض نواحي البحر، قال: فتخبرت فقيل: ان داره موقوفة في يد أمين القاضي، فرجعت إلى الابلة والمال معي، فبينما أنا ذات يوم جالس اذ وقف على رأسي رجل فقال: أنت فلان؟ قلت: نعم، قال: وخرجت إلى الصين؟
قلت: نعم، قال: وبعت رجلاً هناك رصاصا؟ قلت: نعم، قال: أتعرف الرجل؟ فتأملته، فقلت: أنت هو، قال: اعلمك إني قطعت تلك الرصاصة لا ستعمل شيئاً منها فوجدتها مجوفة، ووجدت فيها اثنى عشر ألف دينار، وقد جئت بالمال فخذ مالك عافاك الله، فقلت: له ويحك، ليس المال لي، ولكنه كان من خبره كذا وكذا، وحدثته، قال: فتبسم الرجل ثم قال:
أتعرف الشيخ؟ قلت: لا، قال: هو عمي وأنا ابن أخيه، وليس له وارث غيري، وأراد ان يزوي هذا المال عني، وهو هربني من البصرة سبع عشرة سنة، فأبى الله تعالى إلا ما ترى على رغمه، قال: فأعطيته الدنانير كلها ومضى الى البصرة فأقام بها.