لم تتفق كلمة العلماء حول لفظ القرآن لا من حيث الدلالة ولا من حيث الاشتقاق أو العلمية: فالقرآن في اللغة مصدر مرادف للقراءة على وزن فعلان ومنه قوله تعالى: (إن علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه) ثم نقل من هذا المعنى المصدري وجعل اسماً للكلام المعجز المنزل على النبي (صلى الله عليه وسلم) من باب إطلاق المصدر على مفعوله.

وفي الجاهلية لفظ «إقرأ» استخدموه بمعنى مخالف لمعنى التلاوة فكانوا يقولون: هذا لم تقرأ سلي قط، يقصدون أنها لم تحمل ملقوحاً ولم تلد ولداً. ومنه قول عمرو بن كلثوم:

هجان اللون لم تقرأ جنيناً أما قرأ بمعنى تلا» فقد أخذها العرب من أصل آرامي وتداولوها حيث إن اللغات السامية أثرت ببعضها البعض لأنها كانت متجاورة بحكم الشعوب التي تنتمي إليها.لكن لفظ القرآن هل هو مهموز أم لا؟ فالآراء فيه كثيرة.

فقيل: إن لفظ القرآن غير مهموز أي (قرآن) وغير مشتق من «قرأت» بل هو موضوع ارتجالاً هكذا للدلالة على علميته على الكلام المنزل على النبي (صلى الله عليه وسلم) مثله في ذلك كإطلاق التوراة على ما أنزل على موسى (عليه السلام).

وإطلاق الإنجيل على ما أنزل على عيسى (عليه السلام). فهو ـ القرآن ـ خاص بالمنزل على النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) لا يطلق على غيره البتة وإلا لو كان مأخوذاً من «قرأت» لجاز إطلاق القرآن على كل ما يقرأ وهذا لا يصح. وممن قال بهذا الرأي الإمام الشافعي رحمه الله والأشعري، فالشافعي يقول:

القرآن اسم ليس مشتقاً ولا مهموزاً، بل ارتجل ووضع علماً على الكلام المنزل على النبي (صلى الله عليه وسلم) ولم يؤخذ من «قرأت» ولو أخذ من قرأت لكان كل ما قرئ قرآناً ولكنه اسم للقرآن مثل التوراة والإنجيل يهمز قرأت ولا يهمز القرآن».

وقرأ ابن كثير القرآن في قوله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) دون همزة أي «القران) لاعتبار أصالته العلمية لا الانتقال من الاشتقاقية إلى العلمية بعد الشهرة. واحتج في قراءته هذه لما ذهب إليه الشافعي. قرأ الباقون بالهمز «القرآن».

وقيل إن لفظ القرآن مشتق. ومع قول الأكثر باشتقاقه اختلف في مورده. فذهب بعضهم إلى القول باشتقاقه من مادة «قرن» يقال قرنت الشيء بالشيء إذا ضممته إليه، فتكون السورة والآية قرآناً لأنهما مقرونتان ببعضهما. يقول الزركشي في البرهان: إنه مشتق من قرنت الشيء بالشيء إذا ضممته إليه فسمي بذلك القرآن لقران السور والآيات والحروف فيه.

ومنه قيل القرآن للجمع بين الحج والعمرة. وإلى هذا المعنى ذهب أبو الحسن الأشعري. وقال الجوهري: القرآن الجمع لأنه مجموع إلى بعضه البعض. وقال أبو عبيده وسمي القرآن لأنه يجمع السور ويضمها ويجمع العلوم الكثيرة وأنواع البلاغة.

وقيل إنه مأخوذ من القرائن جمع قرينة لما فيه من تصديق بعضه لبعض وتشابه آياته بحيث يقوي بعضها بعضاً فكأنها قرينة وبذلك تكون النون أصلية في «قرائن» وإلى هذا الرأي ذهب الغراء.

وذهب آخرون إلى القول إن لفظ القرآن مهموز أي أنه مشتق من الهمز وممن ذهب إلى هذا الرأي الزجاج واللحياني وآخرون يقول الزجاج: إن لفظ القرآن مهموز على وزن فعلان مشتق من القرء بمعنى الجمع.

ومنه قرأت الماء في الحوض إذا جمعتها لأنه ـ أي القرآن ـ جمع ثمرات الكتب السابقة وإلى الرأي الأول أي باشتقاقه من الهمز من فعل «قرأ» أي أنه مصدر مرادف للقراءة كالرجحان والغفران ذهب الزرقاني لكن هذا المصدر نقل من معناه الدلالي لئلا يطلق على كل مقروء قرآن وأصبح علماً على كلام الله تعالى المنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم وهذا هو الموافق لقوانين اللغة العربية وما تؤيده قواعد الاشتقاق الصرفي. وما قيل غير هذا فلا يخلو من كلفة فضلاً عن فقدان الوجه الوجيه.