يبدو الدكتور أبو عمران الشيخ (81 عاما) رئيس المجلس الإسلامي الأعلى في الجزائر هادئاً وكتوماً وأجوبته عن الأسئلة شحيحة جداً مع أنه مدرس فلسفة في جامعة الجزائر لسنوات طويلة وشارك في عشرات الملتقيات الدولية محاضراً ومنشطاً ومعقباً ومعلقاً وهي كلها جوانب تحتاج إلى السخاء اللفظي.

فهو يبحث دائما عن أقصر الطرق لإيصال الفكرة إلى السائل، أما ما يتعلق بالسياسة فيتحاشاه كما سيظهر في الموضوع. طلبنا منه في بداية الحديث أن يحدثنا عن المهام التي يضطلع بها مجلسه فرد باختصار ودقة قائل: «رسالة المجلس تتلخص في نقطتين أساسيتين:

ـ أولاً: إحياء التراث المفيد ونشره والتعريف بشخصيات إسلامية بارزة.

ـ ثانيًا: تصحيح المفاهيم المتعلقة بالدين الإسلامي الحنيف والرد على الذين يشوهون مبادئه ومقاصده ويعتمد المجلس على عدّة وسائل منها: محاضرات موجهة للجمهور وندوات وطنية أو دولية وإعداد مجلة تصدر كل ستة أشهر باللغة العربية وأخرى باللغات الأجنبية وأعمال الملتقيات وإعداد كتب للطبع والنشر.

* أصيبت الجزائر منذ بداية العقد الماضي بخلط بين الدين والسياسة نتج عنه وآلت إليه أوضاع من عنف وضغائن... إلى أي مدى أثر هذا الوضع على العمل الدعوي وحرية عمل الوعاظ؟

ـ يمكن القول بالفعل أن الفترة الحالكة التي مرت بها الجزائر كانت نتيجة خلط غير مفرط وغير واقعي بين الدين والسياسة وأدى ذلك إلى ما يعلمه الجميع من عنف وفتنة ضربت المجتمع برمته، حاولنا الخروج منها بمشقة وصارت الأمور تعود اليوم إلى مجراها الطبيعي بفضل الله تعالى .

وساهم المجلس الإسلامي الأعلى بطريقته على تهدئة الوضع من خلال نشاط علمي وديني يبين الإسلام على حقيقته وتعمل وزارة الشؤون الدينية والأوقاف من جهتها على تكوين الأئمة ونشر الدعوة الصحيحة بأسلوب منهجي بعيدًا عن التطرف اللفظي والغلو في الفكر.

* ما المستوى الذين يمكن أن يتداخل فيه الدين مع السياسة دون حدوث صدام؟

ـ ينبغي التمييز بين رسالة الدين ورسالة السياسة دون الفصل بينهما حيث يعتمد الدين على ترسيخ الأخلاق والتقويم المستمر للمفاهيم الدينية قصد التأثير على سلوك الناس في حياتهم اليومية الفردية والاجتماعية في حين أن السياسة تضطلع بالمصلحة العامة للأمة وتمثلها مؤسسات رسمية وجهاز حكومي راشد والتعاون مطلوب.

ومؤكد بين الرسالتين على أن تقوم كل واحدة منهما بوظيفتها ويجمع بينهما هدف واحد هو السهر على مصلحة الأمة في المجالات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية وعلى هذا الأساس نبعد الخلط بينهما والتجاوزات المضرة للبلاد والعباد.

* كانت الجزائر تنظم ملتقيات عالمية للفكر الإسلامي، شهد عدد كبير من علماء الإسلام المعاصرين بأنها كانت منبراً مهماً لتبادل الرأي وتنوير الفكر والاجتهاد. هل تفكرون في إحيائها؟

ـ كما ذكرت قبل قليل المجلس يُعد ملتقيات سنوية وهي مفتوحة للتعريف بالفكر الإسلامي، للنقاش والاجتهاد إلاّ أننا فضّلنا التركيز على منهجية علمية بعيدة عن «التهريج» وعلى تقديم صورة مشرقة عن الإسلام وحضارته.

* العالم الإسلامي كله في محنة هذه الأيام كيف ترون الخروج من هذه الدوامة؟

ـ أزمة العالم الإسلامي الكبرى تتلخص في كونه ابتعد عن الدين الحنيف فانتشرت فيه عوامل الاضطراب. وهكذا ظهرت فيه أقليات هنا وهناك اعتمدت العنف بدل الحوار وحسن المعاملة وهذه الظاهرة في الحقيقة لا تخص العالم الإسلامي وحده وهي موجودة في أقطار وبلدان أخرى لا علاقة لها بالإسلام.

ونضيف إلى ذلك أن عدة وسائل إعلامية في العالم الغربي ساهمت في تشويه صورة الإسلام فمن واجبنا اليوم أن نُصلح أمورنا الداخلية من جهة ونفتح باب الحوار مع غيرنا بقصد التفاهم والتعاون والقضاء على العنف في شتى مظاهره سواء عندنا أو عند غيرنا وهذا ما تقوم به حاليًا مختلف الدول الإسلامية ومؤسساتها الثقافية والعلمية ونرجو التوفيق من الله وعونه.

* أصدرتم في السابق بيانات تحذرون فيها من ظاهرة أو حملة التنصير في الجزائر ما قيمة هذه الحملة ودرجة خطورتها؟

ـ عندما ظهرت حركة التنصير في بعض مناطق بلادنا تحركت بعض مؤسسات وزوايا دينية لمقاومتها. والمجلس الإسلامي يلعب دوره في هذا المجال على أساس أنّنا لا نقبل التنصير كونه إساءة مباشرة للإسلام.

ونحن نحترم جميع الديانات ونؤمن بأنّ لا إكراه في الدين كما جاء في الآية الكريمة وعلى الكنيسة المسيحية الموجودة عندنا أن تمارس شعائر دينها بحرية دون أن تسيئ إلى الإسلام وثقافته ونحن لا نسيئ إليها في شيء فتعاملنا بالمثل وتفتح معنا الحوار والتعاون المفيد.

* ألا ترون في هذه الحملة ورد الفعل ضدها فصلاً من فصول صراع الحضارات؟

ـ قد نظمنا ملتقيات ومحاضرات كثيرة القصد منها الحوار بين الثقافات والحضارات ولا نتبنى نظرية الصراع بين الحضارات التي ظهرت في العقدين الأخيرين من التاريخ المعاصر وتحاورنا عمليا مع عدة مؤسسات وشخصيات ونشرنا هذه الأعمال في المجلات والكتب.

* في هذا الموضوع بالذات، المفكرون منقسمون هذه الأيام حول العلاقة بين الحضارات في زمن العولمة... هناك مَن يتحدث عن صدام حتمي خفي حينا وظاهر أحيانا أخرى، وهناك مَن يدعو إلى حوار بين الحضارات وتحقيق التكامل بينها بتوظيف العقل الذي هو سمة مشتركة بين البشر... كيف تعلقون؟

ـ الأمر هنا خطير ولا يحتاج لمجرد تعليق أو إبداء رأي بقدر ما يحتاج للفعل. وهنا أذكر أننا عقدنا ندوة خاصة بالعولمة وأثرها على الثقافات وخاصة على ثقافتنا، وشارك فيها عدد من الشخصيات الأجنبية ونحن بصدد طبع أعمال هذا الملتقى وأكدنا على أنّ الحوار هو الأساس وليس الصراع، إذ هذه النظرية غير سليمة وفيها خطورة على السلام العالمي والتفاهم بين مختلف الشعوب والحضارات والفلسفات البشرية.

* ألا ترون أن الإسلام والمسلمين في عمق الموضوع إن كان صدامًا أم سلامًا؟

ـ مَن تعرَّف على الإسلام وأدرك مقاصده وتعمق في تاريخه الحضاري يُدرك أنّ هذا الدين يدعو إلى السلام والتفاهم بين الناس ويسعى إلى حسن المعاملة والتضامن بين أبناء البشر في السرّاء والضراء، وهذا هو سر انتشاره في العالم.

* هل تعتقدون أن العمل الدعوي يبقى حاجة دائمة للمسلمين؟ وكيف ترون تنشيطه في ظل التقدم الرهيب لوسائل الاتصال وهل يخدم العمل الدعوي؟

ـ الدعوة الصحيحة التي يحتاجها الإسلام هي تلك تعتمد العقل والمنهج العلمي والأعمال الصالحة ونشر القيم الروحية بجميع الوسائل المتوفرة حاليا منها النشر والبث بوسائل الإعلام المختلفة قصد تعميم التفاهم بين الناس والعمل على نشر الأخلاق السامية.

* جورج بوش وتوني بلير كررا عشرات المرات عبارات مثل «نقل الحرب إلى معاقلهم» و«هؤلاء يريدون الإساءة للعالم المتحضر» وغيرها من العبارات، والمقصود «بمعاقلهم» العالم الإسلامي. وبـ «العالم المتحضر» العالم الغربي، ألا ترون الدكتور أبو عمران أن هذا جزء من صدام الحضارات لأن خلفية هذه العبارات حضارية وليست مجرد «استراتيجية حرب»؟

ـ هذه أمور تتصل بالعلاقات الدولية، والمجلس الإسلامي لا يدخل في تفاصيلها، لأن المجيب عنها يجب أن يكون ملما بالأحداث وتطوراتها وأن يكون خبيرا في هذا المجال وهو بالتأكيد ليس مجالنا، وأذكر فقط بأننا كهيئة نرفض الطروحات التي تتبنى صراح الحضارات كفعل حتمي.

* كيف تعلقون على الدعوات الأميركية المتكررة لتغيير مناهج التعليم في العالم الإسلامي لا سيما منها المتعلقة بالدعوة والجهاد؟

ـ إنّ تاريخ الحضارات العالمية علّمنا أن الإصلاحات الثقافية والتربوية لا يمكن أن تأتي من الخارج، فكل حضارة فيها مفكرون ونُخب هذه مهمتها ونحن ندعو إلى الحوار والتفاهم بين الدول ولا نقبل الضغوط التي تأتي من هناك وهناك.

* في بيانات سابقة صدرت عن المجلس الإسلامي الأعلى خاصة حول قانون الأسرة وإلغاء شعبة علوم الشريعة، تبين أنها معارضة لمواقف وزارة الشؤون الدينية في هذا المجال... ماذا حدث؟

ـ نحن اجتهدنا في قضية قانون الأسرة والقرار الخاص بإلغاء شعبة العلوم الإسلامية وأصدرنا بيانات في هذا الموضوع فالمجتهد ينال أجرين إن أصاب وأجرًا واحدًا إن أخطأ، وغيرنا اجتهد في غير ما ذهبنا إليه. هذا الذي كان وليس ثمة ما يدعو إلى اعتبار ذلك صراعا بين هيئتين رسميتين، ونحن نحاول أن نحقق التكامل والتفاهم والتضامن.

الجزائر ـ مراد الطرابلسي