أجمع علماء النفس في العصر الحديث على اساس علمي ثابت هو ان الصوم الصحيح ضروري لاكتمال صحة النفس البشرية وهو شفاء للانسان جسماً ونفساً من كثير من متاعبه وأمراضه وآلامه..علاوة على تحقيقه لكل العناصر الأساسية للتربية الاسلامية الصحيحة.
. وعن هذه العناصر يقول الدكتور احمد شوقي ابراهيم رئيس المجمع العلمي لبحوث القرآن والسنة وعضو المجلس الاعلى للشؤون الاسلامية: ان الصوم يعود الإنسان على تحمل مشقة الجوع والعطش من دون رقابة من احد من الناس ويدرب الإنسان على السمو عن مطالب الغرائز الحسية مما يميزه عن باقي المخلوقات الأخرى، بل ويميزه عن باقي الناس والصوم كما تعلمنا امرنا به الله تعالى .
وكما علمنا كيفيته من رسول الله «صلى الله عليه وسلم» يحقق كل العناصر الاساسية للتربية الاسلامية الصحيحة والتي تتمثل في تقوية الارادة في سبيل تحقيق ما يهدف الإنسان اليه من خير وتقوية طاقة الاحتمال على المشقة وايثار القيام بالواجب على الراحة والدعة وأخيرا السمو بالانسان عن مطالب الغرائز الحسية.
ويضيف: ان الصوم تربية اسلامية صحيحة للانسان وليس ان يجوع الغني ليحس بجوع الفقير ولو كان الامر كذلك لأعطى الله تعالى الرخصة لمن كان فقيراً ان يفطر ولكن الهدف من الصوم أبعد من ذلك وأسمى حيث انه يقوم التربية الاسلامية للانسان نفساً وروحاً وعقلاً ولهذه التربية عناصر أساسية وكلها متوافرة في الصوم الصحيح.
وقد منح الله كلاً من المسافر والمريض رخصة الافطار ليقضي كل منهما الصيام في ايام آخر والحكم مطلق وغير متوقف على درجة المشقة في السفر ولا على درجة الشدة في المرض فالله عز وجل يقول «فمن كان منكم مريضاً.
أو على سفر فعدة من أيام أخر» فهو حكم مطلق ترك لتقدير الإنسان تبعا لدرجة التقوى في نفسه والذي يلتمس السبل إلى رخصة الافطار ويمعن في البحث عنها بأي سبب بحيث لا يفتقر قلبه إلى التقوى، فالغاية من الصوم لابد ان تتوافر فيه التقوى والتقرب إلى الله عز وجل .
وعن النتائج النهائية التي تعود على المسلم اذا صام الإنسان الصوم الصحيح يقول الدكتور احمد شوقي ابراهيم: ان الصوم هو الامساك عن المفطرات مع اقتران النية به من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع اجتناب المحظورات والمحرمات، فليس الصوم مجرد الامتناع عن الطعام والشراب لكنه اكثر من ذلك فائدة.
وأعم نفعاً واكثر خيراً فلذلك قول الله عز وجل «وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون». فإذا ما صام المسلم صياما صحيحاً فإن نتائجه تتجلى في ان يصير انسانا ناضج الشخصية ومتزناً لديه المناعة النفسية ضد القلق والخوف ويصبح في مأمن من الاضطرابات النفسية .
وهكذا فالصوم فيه شفاء من الامراض البدنية والقلق ولاخوم مما تأتي به الايام وايضا الشفاء من الشعور بالوحدة ومن الخوف من عذاب الله عز وجل وينتهي رمضان ويشعر المسلم ان الله تعالى قد غفر له فقد روى البخاري ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «من صام يوما في سبيل الله بعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً».
وعن الإسراف في تناول الطعام والعادات التي تتبعها الاسر العربية حالياً في التعامل غذائياً مع شهر رمضان يقول الدكتور احمد شوقي ابراهيم زميل كلية الاطباء الملكية بلندن: يزعم اعداء الاسلام ان الصوم يقلل الانتاج القومي لأن الإنسان الصائم يكون متعبا ومرهقا اثناء النهار ولايقدر على القيام بعمله على الوجه الاكمل .
ونحن كعلماء لابد لنا من مواجهة هذا الزعم فالمعروف ان الصوم الصحيح وآدابة وهدى رسول الله في الصوم لايؤدي بالصائم إلى ما يزعمون فإن الاقتصار على وجبتي الافطار والسحور بغير اسراف يمنح الجسم الصحة والنشاط فإذا أخذ الجسم كفايته من الطعام والشراب والنوم فلا يحدث له ضعف.
ولكن الضعف والاعياء الذي يحدث لبعض الصائمين اثناء النهار هو من سوء تصرفهم حيث يقضون الليل كله في تناول الحلوى وانواع الطعام في إسراف ويسهرون والليل كله في حفلات وزيارات فلاهم اراحوا بطونهم من الاسراف في تناول الطعام والشراب ولاهم اراحوا ابدانهم واعطوها حقها في النوم ولاهم ذكروا الله حق الذكر في شهر القرآن والعبادة والصوم.
اما الذين يشعرون بالتوتر العصبي اثناء النهار في صيامهم فهم أولئك الذي يتعاطون المكيفات مثل التدخين وغيره، فالصوم يمنع عنهم تعاطيها نهاراً مما يؤدي إلى حدوث آثار انسحابية لما في تلك المكيفات من مواد إدمانية .
وهذه الآثار الانسحابية تؤدي الى توتر عصبي ولذلك فإننا نرى ان المدمن على التدخين ما ان يؤذن لصلاة المغرب حتى يسرع بالتدخين ليقلل من تلك الآثار الانسحابية لمادة النيكوتين في جسمه. إذن فسبب الانفعال النفسي والتوتر العصبي لبعض الصائمين يعود الى سوء تصرف الاسنان نفسه وليس إلى الصوم.
ويشير الدكتور احمد شوقي إلى أن مستوى السكر بالدم يقل في نهار الصيام تدريجيا إلى ان يكون مستوى السكر في أدنى مستوياته قبل أذان المغرب حينئذ يشعر الصائم بالجوع وشيء بسيط من التعب ولهذا نجد ان بعض الصائمين ما ان ينطلق المغرب حتى يلتهموا كثيراً من الطعام لكسر حدة الجوع .
وهم مخطئون فالجوع لاينتهي بامتلاء المعدة بالطعام فقط ولكنه ينتهي بارتفاع مستوى السكر في الدم ايضا والذي يوفره المشروب السكري بعد الأذان فالذي يتناول قدرا أكثر.
مما يحتاجه جسمه من الطعام يشعر بثقل في بطنه يعتريه الاحساس بالخمول والفتور والتخمة والرغبة في النوم لأن امتلاء البطن بالطعام يسبب توارد كمية كبيرة من الدم الموجودة بالدورة الدموية إلى المعدة والأمعاء لتساعد على هضم تلك الكميات الهائلة من الطعام الذي أدخل المعدة فجأة بعد ان كانت خاوية وهذا يؤدي إلى انخفاض حجم الدم بالدورة الدموية ما يسبب الشعور بالخمول الفتور بعد تناول وجبه دسمة وكبيرة في الافطار.
اما إذا تناول الصائم طعاما خفيفاً ولا يصل إلى الشبع في الإفطار فان وجبة السحور تكون مفيدة لأنها تعطي الجسم طعاما يستمد منه غذاءه طوال يومه ويجب على الصائم الا يتناول كميات كبيرة من الماء في السحور ظنا ان الماء يقيه من العطش.
ويقول د. شوقي ان الجسم السليم لا يختزن الماء فأي كمية من الماء يشربها الإنسان يخرجها الجسم عن طريق اجهزة الاخراج في غضون اربع ساعات او ست. وقد يفسد الماء الكثير هضم الطعام. وقد اشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهمية وجبة السحور وقال «تسحروا فإن في السحور بركة».
القاهرة ـ عفاف السيد