نعرف أن الحركة «الانقلابية» التي قادها أحمد عرابي في مصر في العام 1882، ضد الخديوي ضد الفساد المستشري في بلاده، وتوجهت بشكل خاص ضد الجراكسة من ضباط وسياسيين، انتهت بهزيمة للمصريين الوطنيين، ما دفع أقلاما- بعضها كان متحالفاً أصلاً مع عرابي إلى تحميله مسؤولية ما حصل.

ومن بين هذه الأقلام قلم الإمام محمد عبده. ولقد وضع عرابي كتاب مذكرات كامل ليفند فيه كل ما قيل. وهو كان مهد للكتاب برسالة تختصر الأحداث وأسبابها وبعث بها من منفاه في جزيرة سيلان.

يقول أحمد عرابي في رسالته التي يذكر في كتاب مذكراته، أنه حررها من منفاه في جزيرة سيلان بتاريخ 26 مايو 1884 قد بلغني ممن أثق بقوله أن أحد مخبري الجرائد الانجليزية بمصر قد أعماه الذهب المصري وأضله عن طريق الحق. ولا ريب في أن الذهب المصري يعمي ويصم.

فبعد أن أنعم جيوبه من الذهب الوهاج وأفاض منه على أخيه وعائلته (في لوندره) أوعز إلى أخيه بأن يؤلف من الأباطيل كتاباً يكون موضوعه تحسين أعمال الخديوي وتقبيح أعمالنا الوطنية الحقة.

وينشر ذلك الكتاب المفتري ليستر وجه الحق عن بصائر نصراء الإنسانية، فألف أخوه كتاباً وعنونه بعنوان «الخديد والباشوات» ولم يجد من المفتريات شيئا يذكره أكبر من كونه ينسب إلينا أننا كنا نعذب الجراكسة في مدة تحقيق قضية المؤامرة الجركسية بأنواع العذاب.

«وبناء على ذلك، رأيت من الواجب الضروري أن أمزق ذاك الحجاب المظلم الذي كاد أن يكون مانعا بين نور الحق ونور البصائر، فحررت رسالتي هذه رجاء عدم الاغترار بخزعبلات من لاحظ لهم في الإنسانية وسميتها «إماطة الباطل عن وجه الحق المبين»®.

«الجراكس طائفة من الناس يعيشون بجبال القوقاز بآسيا بين بحر الخزر والبحر الأسود، وهو موصوفون بالتوحش والخشونة، وديانتهم الإسلام وهو بحكم الشرع إخواننا في الدين، وبحكم الإنسانية إخواننا في الإنسانية..

والشرع الشريف الإسلامي يحرم بيعهم أو استرقاقهم، ويدخل في ذلك التحريم وطء نسائهم بطريق الاستعباد، لكن أمراء المسلمين الذين تغلبوا على البلاد كانوا جهلاء بأحكام الشرع فاستهانوا بأحكامه، ولزيادة ثرواتهم ونفوذ كلمتهم اتبعوا الشهوات وتجرأوا على إباحة ما حرم الله تعالى.

وأدتهم شراهتهم الحيوانية إلى مشترى أولاد الجراكس وبناتهم ممن يسرقونهم من بلادهم. ولما كانت بنات الجراكس موصوفات بالجمال الفائق ورقة الطبع فقد وجدن خطوة في أعين أولئك الأمراء الذين استحلوا عفتهن المحرمة عليهم شرعا بدعوى أنهن ملك يمينهم. ثم بعد ذلك دعوهن سيدات أسلموا إليهن قيادة أنفسهن.

وأما الذكور فقد اتخذوا غلمانا أرقاء وعلموهم قليلا من القراءة والكتابة التركية والعربية. فلما كبروا وشاخوا في خدمة الممتلكين لهم، أدخلوا في خدمة الحكومة بدون استعداد.

ولا معرفة، ثم رقوهم إلى الدرجات العليا والمناصب الرفيعة بطريق الإحسان لا بطريق الاستحقاق، ثم زوجوهم بنساء من فتيات المملوكات، وأحسنوا عليهم بالسرايات الرحبة العالية والأراضي الواسعة الخصبة وما زالوا كذلك حتى تولوا أكبر وظائف الحكومة وصاروا ذوي ثروة عظيمة واشتروا الجواري الحسان والغلمان من بني جنسهم الجركس.

وفعلوا بهم كفعل ساداتهم الأول بهم، فلا تسمع باسم وزير إلا وتجده مملوك الأصل، وما ترى باشا أو بك أو رئيسا أو مديرا، إلا وهو مملوك جركسي أو رومي، وما ترى قصورا مرتفعة إلا وهي للمماليك. كل ذلك ليستعين أولئك الأمراء المتغلبين بهم على قهر أهل البلاد الخاضعة لهم وإذلالهم، حتى يتمكنوا من سلب أموالهم ونزف ثروتهم.

فلما علم الجراكسة الذين بجبال قفقاسيا أن أبناءهم صاروا رؤساء تلك الممالك، فرحوا بذلك وأتوا بأولادهم وبناتهم يلتمسون بيعهم رجاء الانتفاع بهم إذا بلغوا إلى ما تقدم من الثروة والنفوذ. وهذا أمر مشاهد لا ينكره إلا مكابر. إن أمراء الحكومة المصرية هم عنوان تلك المنكرات، وبجهلهم أحكام الشرع الشريف وميلهم إلى الشهوات النفسانية وشدة طمعهم تأنقوا في سلب ما في أيدي الناس.

واقتنوا المماليك وملكوهم زمام المصالح المصرية والسودانية، وبهم استعبدوا أهل البلاد وسلبوا أموالهم، ونزفوا مادة ثرواتهم وقتلوا كثيرا من أعيانهم وخربوا كثيرا من بيوتهم حتى تحملت الخزينة المصرية من سوء إدارة هؤلاء الجهلاء الظالمين مئة مليون من الجنيهات الاسترلينية دينا للأوروبيين، واثنين وعشرين مليوناً منها دينا للأهالي الوطنيين.

والحقيقة أن ما كان من هذه الديون للأوروبيين فهي مأخوذة به ومحاسبة عليه، أما ما كان منها للوطنيين فقد ذهب هباء منثوراً. ويعلم ذلك كل من اطلع على قانون التصفية المصري. فلما اشتد الخطب على الناس، أخذوا يلتمسون لهم طريقة توصلهم إلى الخلاص من بين أيدي أولئك الظالمين.

«وما زالت أفكار نبهاء الأمة تنبعث في صدور العامة حتى تآلفت القلوب وتوحدت كلمتهم الوطنية على خلاص أنفسهم وبلادهم بتعديل القوانين لحفظ الأرواح والأعراض والحقوق المدنية.

وكنت أنا القائد لتلك الأمة العظيمة في الأفكار والأعمال فسرت بهم سيرة مرضية قصدت بها رفع الأمة المصرية من هاوية الذل والهوان إلى أوج السعادة والرفاهية بدون سفك قطرة دم مع المحافظة على سند الخديوي وسن بعض القوانين الجديدة التي من أحكامها وجوب المسامرة بين العموم من دون مراعاة الجنسية، فلا فرق بين المصري والتركي والجركسي بصرف النظر عن اختلاف المذاهب والنحل الدينية.

ويشهد بذلك ما حصل من التركي لبعض المستحقين من الأقباط المصريين ومنهم من ترقى إلى رتبة الباشا في تلك المدة واسمه بطرس باشا غالي، علما أن الأقباط المصريين كانوا مهانين من قبل المسلمين ولم يبلغ منهم أحد رتبة الباشا إلى ذلك التاريخ أصلا. وكذلك ما حصل من التركي للمستحقين من الترك والجركس وغيرهم بدون فرق ولا تفاوت.

لقد اجتهدت في رد المظالم إلى أهلها ونشر راية الحق والحرية على أطلال الأقطار المصرية والسودانية مع المحافظة على المعاهدات الدولية. وأقمت نفسي حافظا عموميا لجميع الأجانب الأوروبيين حتى يكونوا آمنين على أرواحهم وأموالهم يشهد ذلك ما حررته لوكلاء الدول الأوروبية وما تعهدت لهم به بحضور الخديوي والمندوب العثماني درويش باشا أحمد عرابي المصري.

ولقد أسهب عرابي، إذ وصل إلى هذا الحد في رسالته التي يدلي فيها بدلوه رواية لما حدث من أمور عصفت بمصر، وأدت بالتالي إلى دخول الاستعمار الانجليزي إليها أسهب في وصف ما سماه بالمؤامرة الجركسية التي كان يرى أنه هي وراء كل الأحداث. واللافت أن ما يذكره عرابي، في هذه الرسالة المبعوثة من المنفى، بشكل مختصر.

إنما هو هو ما يفعله في كتاب مذكراته، هذا الكتاب الذي سماه «كشف الستار عن سر الأسرار في النهضة المصرية المشهورة بالثورة العرابية..» وهو ما وضعه، كما يقول، لكي يرد ويفند مجموع الأباطيل والاكاذيب التي حكيت من حوله ومن حول حركته، بعد أن هزمت تلك الحركة ووزع أقطابها على المنافي، كما كانت حاله هو شخصيا إذ نفي إلى سيلان كما أشرنا.