تناثرت أوصال تراثنا الفكري المكتوب بماء عيون علمائنا وتقطعت، وحملت أعضاؤه قطعة قطعة، لتدفن في مقابر أقيمت في أرض غير التي ولدت فيها تسمى مكتبات، ويحرم على من يتصلون بها بسبب أو نسب من زيارتها، أو أن تقع عليها عيونهم.

لقد تسرب تراثنا، بل سرب إلى أماكن مجهولة، بطرق غير مشروعة. ونحاول اليوم، بعد ان هبت نسائم الصحوة من ركودها، ان نستعيد ما يمكننا استرداده، ولو كان المسترد نسخة مصورة على ميكروفيلم.

او على ورق، علنا نستقرئ قسماً من تراثنا الذي فقدناه قسراً، فنعيش في ظلال دوحه وأفيائه، فنعيد بذلك إلى هذه الأمة ما فقدته من جلال وعزة ومنعة ومكانة، ونرتوي من فيض ينابيعه، ليسري النسغ في العروق، فتستنهض الهمم، للدفاع عن حقنا المسلوب.

وهل تستنهض الأمة بغير الكلمة المشحونة بالكبرياء والإباء والأنفة؟ تلك الكلمة الآتية من أعماق التاريخ، التي اختلط فيها الفكر بالعاطفة والإحساس والشعور، وانطلقت مدوية ومعبرة عن ذلك الواقع المرير، عن الهزائم التي منيت بها أمتنا عبر تجمع صعاليك الغرب، متلهفين، للانقضاض على مقدرات الأمة. تلك المواجهات التي أطلق عليها بالأمس الحملات الصليبية.

وانطلقت الصرخات يومئذ متوائمة، صرخة الكلمة، وصرخة السيف، فقام أبناء الأمة قضهم بقضيضهم وطردوا ذلك التجمع الغربي، وأعادوا للأرض حريتها، فتحولت المرارة بذلك إلى حلاوة والشدة إلى الرخاء .. فما أشبه اليوم بالبارحة.

ترى هل تعود تلك الصرخة اليوم قبل الغد ثانية، وتتبعها استجابة الأمة من المحيط إلى الخليج وتلبيتها، لتحول كل المعاناة من حصار، وقتل، وتجويع، وهدم بيوت، وقلع أشجار، يمارسها العدو الصهيوني اليوم على ارض فلسطين، وتلقي بظلالها السوداء علينا، فتستنقذ ارض الإسراء والمعراج من تجمع شذاذ الآفاق، المتكالبين اليوم، وتنقذ الإنسان من براثن يهود ومن والاهم، وتحريره، وتحرر الأرض المقدسة كما تحررت في الماضي؟

أثر تراثي خالد، يضم في أحشائه صرخات خالدة، أطلقها سلطان أيوبي، خاض المعمعة في الماضي، في وجه صعاليك الغرب وجموع التتار، من أسرة توجت تاريخها بتحرير الأقصى، هذا الأثر هو (الفوائد الجلية في الفرائد الناصرية)، انتزع من مكتبة ما في وطننا، ليستريح في اسطنبول، كما قطعت نسخة أخرى منه عن أصلها، لتستقر في مكتبة معهد الاستشراق، في بطرسبورغ، في روسيا. وتعيش غريبة عن أهلها، تعاني صقيع الهجرة، مفتقدة دفء أهلها، يغالبها الشوق والحنين.

لذلك كله، أردنا ان نلقي الضوء على هذا الأثر، مبتدئين بالتعريف بمؤلفه، وجامعه، وبصاحب النثر فيه والأشعار، ثم بالمخطوطة، ونسختها، المؤلف:

الملك الأمجد، الحسن بن داود الناصر بن الملك المعظم عيسى، من بني أيوب، أبو محمد، مجدالدين، صاحب الكرك، من أمراء الدولة الأيوبية.

كان من الفضلاء، له معرفة جيدة بالأدب، ومشاركة في كثير من العلوم، شأنه في ذلك شأن جده عيسى، وشأن أبيه، وبقراءة متأنية للمخطوط، وبخاصة المقدمات التي كان يقدم بها نثر والده أو قصائده، نجد علو ملكته الأدبية، وسمو ملكته البلاغية.

ولعل النموذج الآتي، الذي قدم به لأبيات قالها والده، خير مثال على أسلوبه الأدبي الرصين، فقد جاء في الورقتين 104 ـ 105: «وجرت بينه وبين الشيخ شمس الدين الخسروشاهي، جمعهما الله في مستقر رحمته.

وأجزل عليها جزيل نعمته، مباحثة في الصفات الإلهية المقدسة العليا، فتفتح له الغامض، ولاح من خلالها وامض، فملأ قلبه نورا، وأهدى إليه بهجة وسروراً ثم أخذ الشيخ يسرد عليه أبحاثه الجلية، وما فتق فيها من المآخذ الخفية، وهو قد شغلته مراقبة العبرة عن مراجعة الفكرة، فلما سري عنه انبرى يترجم بمقاله عن حقيقة حاله فعمل:

وصاحب علمتني الخير صحبته

علامة بفنون النقل والنظر

أشار نحوي لأصغي من مقالته

إلى معان كنظم السلك بالدرر

ذكر مرتضى الزبيدي عنه: «له مخاطبات إلى مجد الدين بن طاووس»، نقيب العراق، تدل على علو مكانته، وقال: «رأيت له كتابا ألفه في مآثر جدوده، أحسن فيه، وأورد فيه من نظمه ما يخجل وشي الورود». تزهد وصحب المشايخ، وكان لا يدخر عنهم شيئاً، وكان كثير المروءة والاحتمال.

لم نتمكن من الوصول إلى تحديد الزمن الذي تولى فيه الكرك، كما لم نصل إلى معرفة المدة التي مكثها حاكماً، وما وجدناه شذرات قليلة، في كتابي (النجوم الزاهرة)، و (ترويح القلوب).

انتقل الى ذمة الله سنة 670 هـ بدمشق، ودفن بتربة جده الملك المعظم بسفح قاسيون.

* الكتاب:

يجمع هذا الكتاب بين دفتيه ما أثر عن الملك السلطان الأيوبي، الناصر صلاح الدين، داود بن عيسى بن محمد بن أيوب، من نثر وشعر، لذلك قسم المؤلف الكتاب إلى مقدمة، وقسمين.

وقبل ان نعرض لما جاء في المقدمة وما جاء في كل قسم، لابد من ذكر الدوافع التي جعلت المؤلف يقوم بتصنيف هذا الكتاب.

جاء في تقديمه للكتاب، وهو ما نطلق عليه الديباجة، أو المقدمة التي يبدأ بها المصنفون كتبهم، فيعرضون فيها دوافعهم، ومنهجهم: «®. وكان والدي آنسه الله بأنسه، وأسكنه دار قدسه، ممن بث فيهما حلبة اقرانه {النثر الأدبي، الشعر} وتقدم على أهل زمانه، ولما صار الى ربه الكريم.

وتجرع فراق كل صديق حميم، سألني سائلون من أقاربه، وأولاده وذوي الاختصاص بمحبته ووداده، ان أرصع نثره ونظمه في ديوان جامع، يجلوه أبدا على العيون والمسامع، وأن اسرد من كلامي في أثنائه ما يكون كفيلاً بمعرفة أنبائه، فاستعفيتهم من قرن الحالي بالعاطل .

. فلما رأيت تنصلي يغريهم بسؤال لا يصد عن بلوغ هذا المراد شاغلة .. وأخي الملك المظفر شهاب الدين غازي لا ينفك يغزوني بجيش الطلب، ثم لا يقنعه غاية عن إدراكه ذلك الأرب، فحرك بصدق رغبته عزمي الحريص على تقييد تلك الأوابد، فأقبلت على إجابته إقبالاً أغتنم به صلة الأخ وبر الوالد .. ».

نستنتج من هذا القول: ان جماعة من أقارب السلطان وأولاده ومن محبيه وأهل وداده، وكان على رأسهم الملك المظفر شهاب الدين غازي، وانه استجاب لهم بعد لأي، نتيجة لأشغال كانت تعرض له، فتصده عن الإجابة، ولكن الملك المظفر لا ينفك يلح عليه في ذلك، فتحرك بعزمه على تسجيل ما تمكن من تسجيله، وسمحت به أيدي الحوادث على الرغم من بخلها، مغتنماً بعمله هذا صلة الأخ وبر الوالد.

عبدالقادر أحمد عبدالقادر

مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث