النكات وسيلة تقليدية للترويح عن النفس، يتباهى فيها الكثيرون ممن يروونها أو يؤلفونها وسرعان ما يتردد صداها بين الناس، وإحداها كانت أن «حارس أو ناطور البناية يسأل زوجته صباحاً:
تريدين شيئاً قبل أن أسير إلى عملي، فتقول له لا، فيجلس على الكرسي أمام الباب»، البعض ربما تضحكه هذه النكتة، حتى وإن كانت بعيدة عن الواقع الذي يعيشه الكثيرون من حراس البنايات ومنهم الشاب المصري شريف عبد الوهاب «34 عاماً»، حارس إحدى البنايات في الشارقة.
هذا الشاب جاء من مصر قبل ثلاثة أعوام، ترك عمله هناك بعد أن قضى 14 عاماً في التدريس الثانوي للفرع الصناعي، وهو متزوج وأب لطفلتين، وإضافة إلى مصروف بيته فهو يتولى العناية بوالدته هناك في مصر، ويقول إن تطلعه إلى تحسين وضع عائلته الاقتصادي هو ما دفعه إلى ترك عمله والهجرة إلى الإمارات، ولكن الواقع الذي واجهه غير الذي كان يحلم فيه.
شريف الذي ارتسمت على وجهه علامات اليأس والإحباط لما هو عليه الآن قال: إن العمل كناطور لبناية ليس عيباً ولا يضر صاحبه، ولكن المشكلة في أنني أعمل سوياً مع شخص آخر هندي.
وبينما أتقاضى خمسمائة درهم راتباً شهرياً، يحصل الهندي على أضعاف هذا الراتب كونه يأخذ أجره من المالك مباشرة بينما الشركة التي تتولى أمر البناية هي التي تصرف لي الخمسمائة درهم.
والحارس الهندي يغسل عدداً كبيراً من السيارات ويحصل مقابل ذلك على فلوس، بينما لا يتعدى دخلي الإضافي من غسيل السيارات أكثر من 200 درهم شهرياً تحمل هذا الشاب مصاريف المجيء إلى هنا كاملة، وبدأ في عمله الحالي من غير حول ولا قوة.
ويقول «راتبي دي الوأت 500 درهم، يروح منهم حوالي 200 أكل وشرب واتصالات، و200 تانيين أدفعهم للحكومة بما يعادل راتبي هناك، عشان لما ارجع مصر استلم شغلي وأروح للتقاعد من دون معوقات، والمية اللي بائية تروح لعائلتي شهرياً وهناك يدبروا حالهم لأنهم بيزرعوا ويأكلوا من الأرض».
شريف المصري يعمل منذ ستة أشهر مع شخص آخر هندي، وقبل ذلك كان في المهنة نفسها في دبي والشارقة وعجمان بمعية بعض الزملاء المصريين، وكان ما يجنيه أحدهم يقسم على الجميع بالتساوي، واليوم معظم السكان يطلبون من الحارس الهندي القيام بالأعمال التي يريدون، وهو وحده المستفيد كونه الأقدم وما يحصل عليه يأخذه لنفسه.
عبد الوهاب يعتبر أن الوضع الذي وصل إليه لم يعد يطاق وأنه فعلياً نادم على مجيئه إلى هنا بعد أن كان مدرساً ذا مكانة مقدرة بين أهله وأقاربه، ويقول «سبحان الله القدر أخذني من مدرس إلى حارس، وأنا اليوم جداً محبط، وسابقاً كنت أمثل قدوة بالنسبة لطلابي، وحالياً لو أرجع لمصر الثقة في النفس عندي مش حترجع زي ما كانت أبل ما آجي، وأنا بالفعل أندم على إني طلعت من مصر».
لم يرَ شريف منذ جاء إلى الإمارات وحتى اليوم البحر، لأن طبيعة عمله تفرض عليه التواصل من دون إجازات «والشغلانة دي ما فيهاش إجازات أو روحات وجيات، ومن أول ما أجيت لهون ما طلعت مكان، وحالياً أنا شغال مع واحد تاني هندي واحنا التنين نتولى أمر البناية سواء في الصيانة أو النظافة أو التأجير أو تحصيل الشيكات المرتجعة، ودي تبأى شغلانة متعبة».
شريف يقول والحسرة تعتصره أن «بعض السكان يتصلوا في ساعات متأخرة وأنا بكون نايم، والبعض منهم يتصرف بأسلوب غير حضاري، تصل للشتيمة والضرب والاشتباك معهم يدوياً.
وللأسف دي شغلانة مفيش فيها حاجة حلوة، لأن دول السكان يتعاملوا معي على إني ناطور وليس بني آدم، بالرغم من وجود الكثير من العائلات التي تقدر شعور الآخرين وتحترم الإنسانية لديهم».
عنان كتانة
