جسد الفنان السوري الكبير رفيق سبيعي شخصية ابن البلد وزعيم الحي بامتياز، حتى أصبحت شخصية أبو صياح التي ابتكرها منذ مطلع الخمسينات أهم شخصية شعبية في الشاشة العربية إلى جانب المعلم رضا في مصر.
ينتمي رفيق سبيعي إلى دمشق القديمة ذات التقاليد العريقة في الاحتفال بشهر رمضان، وفي حوارنا معه نطل على رمضان في حياته، حيث يبدو أنه يحمل الكثير من الذكريات والصور الجميلة والقيم النبيلة التي تعلمها من هذا الشهر الفضيل.
ـ أي انطباعات يتركها شهر رمضان المبارك في ذاكرة الفنان رفيق سبيعي البعيدة؟
ـ كوني أنتمي إلى بيئة دمشقية متدينة اجتماعياً، إذ كنا نسكن في بيت لا يبعد عن الجامع الأموي أكثر من 100 متر، هذا جعل لرمضان موقعاً خاصاً في حياتنا.
كنا أطفالاً نصعد إلى سطح البيت وننتظر إضاءة المآذن قبيل آذان المغرب، وعندما يؤذن نركض مسرعين إلى «سفرة» الطعام حيث تجتمع العائلة بجميع أفرادها دون استثناء، لأن الإفطار كان في الماضي هو الذي يجمع الأسرة كلها.
وقد علمنا والدي أن نفطر على تمرة وقليل من الماء ونؤدي صلاة المغرب وبعدها نتجه إلى سفرة الإفطار، التي كانت تحوي مأكولات متعددة وطبخات متنوعة نتيجة العلاقة الاجتماعية التي تربط أهل الحارة مع بعضهم البعض، حيث يتبادلون الطبخات والأطعمة.
بعد الإفطار نحصل على بعض أصناف الحلويات، مثل البرازق والغريبة التي كنا نجمعها بانتظار وصول المسحِّر لكي نعطيها له، لأن وظيفته الثانية التي كان يؤديها بعد الإفطار رواية الحكايات والأساطير على وقع الطبلة التي كانت ترافقه أثناء أدائه.
هذه كانت فترة الإفطار، بعد ذلك كنا نتجه إلى الجامع الأموي حيث كان يعج بالمصلين وأصوات المنشدين الذين يضيق بهم الجامع على اتساعه، نستمع إلى الأناشيد والمدائح النبوية وحلقات الذكر التي كانت تقام ويستمر ذلك طوال الليل حتى قبل السحور حيث ينصرف الناس بعد العبادة والصلوات إلى بيوتهم ليتناولوا سحورهم كان.
ـ كيف ترى رمضان اليوم ؟
ـ ما نراه اليوم ويحصل في رمضان يختلف اختلافاً كلياً عما يجب أن يمارس في هذا الشهر الفضيل فقد أصبح إفطار رمضان مناسبة لعرض الأزياء في المطاعم الكبيرة، ولم يعد هناك مجال للتواصل والتراحم الذي كنا نعرفه في رمضاننا أي قبل 60 أو 65 عاماً.
اليوم نرى العائلات تحجز في المطاعم وفنادق الدرجة الأولى طاولات للإفطار، وأصبح رمضان مناسبة لعرض الأزياء والتفاخر وما إلى ذلك من مظاهر بعيدة كل البعد عما كنا نمارسه من طقوس العبادة والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى.
هكذا أصبح رمضان في أيامنا هذه ظاهرة استعراضية يتفاخر فيها الأغنياء ويتعالون على الفقراء وينسونهم في خضم الاستعراضات التي تخص موضات العصر. كان كل حي يتكفل كباره بصغاره أي كان هناك تكافل اجتماعي تلقائي فقدناه في أيامنا هذه التي يسمونها أيام العولمة.
ـ إذا طلبنا منك أن تستحضر صورتك في تلك الأيام كيف كنت تتصرف، وما الذي كان يشغلك؟
ـ ليس من السهل استحضار تلك الأيام التي قضيناها في طفولتنا لأنها كانت تتسم بالبراءة المطلقة التي يفتقدها الإنسان كلما تقدم بالسن.
من جهتي أنا شخصياً كنت أحضر حلقات الذكر إلى جانب فرقة الإنشاد الديني، إذ أن هوايتي منذ صغري كانت تنحصر في الغناء، وكنت أجد متنفساً أستطيع فيه أن أمارس تلك الهواية عن طريق الإنشاد الديني في حلقات الذكر التي كنت أحضرها في جامع نور الدين الشهيد القريب من منزلنا.
كان أخي الأكبر هاوياً لهذه الحلقات، وقد لاحظت والدتي اهتمامي بالغناء فآثرت أن يأخذني أخي معه إلى حلقات الذكر علّني أرتدع عن هذا الذي كانت تسميه حراماً.
وكنت أجد ضالتي بالوقوف مع مجموعة المنشدين، ومن هذه المجاميع تعلمت الكثير من أصول الإنشاد والغناء، وتعلمت أصول النغمات مما ساعدني كثيراً عندما احترفت، وبالمناسبة أنا احترفت الغناء قبل أن أحترف التمثيل.
ـ كيف ترى رمضان في عصر التلفزيون؟
ـ رمضان التلفزيون، الذي بدأ في الستينات وما بعد، أصبح يجمع مابين جموع الناس والمشاهدين حسب وضعهم الاجتماعي. في بدء البث التلفزيوني كانت الأجهزة نادرة وعندما كان يعرض أي عمل يحوز على شعبية.
تجتمع أسر الحي في البيت المحظوظ والذي استطاع أهله أن يقتنوا ذلك الجهاز السحري العجيب فكان أهل الحي جميعهم يجتمعون في بيت واحد وأصحاب هذا البيت الذين يملكون جهاز التلفزيون يتحملون عبء وجود أهل الحي إلى أن يعرض العمل وتنتهي تلك المظاهرة العجيبة التلقائية التي كانت تجمع أهل الحي في ساعة معينة.
وشيئاً فشيئاً أصبح اليوم التلفزيون موجوداً في كل بيت تقريباً وعاد الناس للانفصال عن بعضهم البعض إذ كان الجهاز الوحيد في الحي على الأقل يجمعهم لساعتين من الزمن ليتعرفوا على أحوال بعضهم البعض.
البرامج الرمضانية أصبحت موسماً للعروض التلفزيونية وتسابق الشركات الآن لتقديم أعمالهم في هذا الشهر.
طبعاً لأنهم يستطيعون في تلك الأيام أن يجمعوا أكبر عدد ممكن من المشاهدين للبرامج التي تتسابق في هذا الشهر لعرض الشركات التي تنتجها. لا أنكر وجود أعمال جيدة إلى جانب الكثير من الأعمال التي لا ترقى إلى المستوى المطلوب.
ـ ما الحكمة التي تستخلصها من فريضة الصيام؟
ـ الصيام في رمضان مدرسة لتعليم الصبر وكبح جماح النفس عن المحرمات، فلا يجوز إطلاقاً أن تكون صائماً وتشتم الآخرين مثلاً أو يغريك منظر امرأة جميلة. رمضان يعلمنا غض البصر وحفظ اللسان وهذا ما نفتقده في أيامنا هذه عند الكثير من الصائمين.
رمضان يعلمك أن تكون متسامحاً مع الآخرين، يعلمك الصبر على المكاره، يعلمك الحب والتعاطف والتسامح ونبذ العنف، كل هذه الأشياء غائبة في أيامنا هذه في شهر رمضان، لا أحب أن أكون متشائماً ولكن هذه هي الحقيقة.
دمشق ـ تيسير أحمد
