مبارك رمضانكم أيها العراقيون ..مبارك رمضانكم.. وسلامة لكم، وسلام عليكم يا حبّة القلب.. سلامة لكم.. وثلاث تمرات وقدح من اللبن.. وأشياء أخرى..

.. وتبدأ الحكاية ..

ليست كما يرويها «الحكواتي» الذي كان يتحلق حوله الناس، في المقاهي أو في الهواء الطلق، وهو يروي قصص الأجداد.. الخيالية منها والواقعية، مع التزويقات التي تؤهله لهذا «المنصب» في الليالي الرمضانية، فالحكاية تغيرت كثيراً، ولكن الشهر الكريم لا يتغير.. وطقوسه مازالت تمارس حسب المتاح منها.. وكل حسب الحالة التي هو فيها.

وقبل ان يبدأ الشهر المبارك، يتزود الناس بالمؤن، كما يتزود المحارب بالعتاد.. أسواق المدن الرئيسية تمتلئ بالمتبضعين، ولما يكفي شهراً أو يزيد.. لأن شهر رمضان هو شهر الضيافة، وتزاور الأقارب، وتلاقي الأحبة.

ولكن هذه الأسواق اصبحت تتوزع في كل المناطق، بسبب تقطع الطرق، ولم تعد «الشورجة» وحدها مركزا للشراء والتسوق الرمضاني، وان كانت تحتل الصدارة على مر العصور و الأزمنة.. وبين أهالي بغداد من لا يروق له الشراء إلا من هذا المكان ، كجزء من التقاليد الرمضانية.

تقول السيدة «ام هاني» ربة منزل: أهم ما نتسوقه في الشهر الكريم، ما يدخل في طعام المائدة الرمضانية .. ( البرغل، والحبيّة، والطرشانة، والعدس والماش)، اضافة الى ما يدخل في صناعة أنواع (الشرابت)..

مثل (قمر الدين) و(تمر الهند) و(الزبيب)، فهذه المواد من الضروريات الرمضانية.. وخاصة تلك التي تدخل في صنع (الكبة) و (الشوربة)، وغيرها من الأكلات.

وتضيف أم هاني: في السنوات السابقة كنا نتهيأ لشهر رمضان باعداد كميات كبيرة من (الكبة) و(الكباب) وغيرها من الأكلات الضرورية، اما الآن، فنحن نشتري المواد الأولية فقط ، ولا نشتري اللحوم، بسبب انقطاعات الكهرباء التي تفسد كل ما نقوم بعمله..

اما عن الشرابت ، فتقول ام هاني: ان الاسواق مليئة بأنواع الشرابت الجاهزة، ولكن شرابت رمضان لها نكهة خاصة عندما تصنع في البيوت.. ونحن نتبارى مع الجيران والمعارف حول جودة ما تصنعه أيدينا.

وترى المدرسة منى حميد: ان اهم ما تتميز به المائدة الرمضانية، هو التفاف العائلة كلها حول المائدة.. وتضيف:

ـ عندما نعمل أكلة نراها مميزة، لا نعتبر انفسنا قد افطرنا ان لم يأكل منها بعض الجيران، وهكذا، لا تخلو مائدتنا الرمضانية من أكلات يجلبها لنا أهالي المنطقة، مثلما نقوم نحن بارسال نماذج من مائدتنا الى الجيران.. هذا اذا لم نشترك مع احدى العائلات على المائدة نفسها.

اهم ما يميز شهر رمضان، وخاصة في الاحياء الشعبية كثرة التزاور والتباري في اظهار طيبة النفس والكرم وحسن الضيافة.. وهي ليست ضيافة بالمعنى المعروف بقدر ما هي تقارب بين العائلات..

وهكذا يكون رمضاننا مباركا.. اما طعام السحور، فيتم على الأغلب في ختام السهرات الرمضانية، وللذين ناموا.. يطربهم صوت طبل «المسحراتي»، الذي يؤذن ببدء يوم صيام جديد، اهم ما يميزه الترتيل القرآني ، حيث يعكف الصائمون على ختم القرآن الكريم، وحفظ اجزاء منه.

صائب كاظم / طالب جامعي.. يقول:

المائدة الرمضانية تلم شمل الأسرة، إلا إننا كشباب لنا طقوسنا الخاصة أيضاً.. نتفق فيما بيننا على ان يكون افطارنا في بعض الأيام في أحد مطاعم بغداد، وخاصة تلك التي تقع في الأعظمية، أو على نهر دجلة.. واحيانا نتفق على ان نجلب عائلاتنا، فتكون مناسبة جيدة للتعارف.

ويضيف صائب: رغم الظروف الصعبة التي يمر بها بلدنا، ورغم خطورة الليل.. إلا إننا لم ننقطع عن صلاة التراويح، اما الذهاب الى التهجد فيتم حسب الظروف الأمنية.

ولا ينسى «صائب» ان زواجه «قبيل الحرب» كان من خلال تعرف والدته على زوجته الحالية ووالدتها في الجامع، أثناء اداء صلاة التهجد، لذلك فهو حريص على هذه الصلاة كلما اتيحت الظروف المناسبة.

ومن بين اهم الطقوس الرمضانية في العراق، لعبة (المحبس) التي يمارسها الفتيان والشباب والرجال الأكبر سناً، وتشتد المباريات فيها بين المناطق المختلفة ، فلكل طرف في المدينة فريقه الخاص، ولكل محلة فريقها..

يقول الحاج مزهر الصالح:

نختار فريق المنطقة من بين ابرع اللاعبين في محلاتها وشوارعها، ويراعى في الاختيار وجود الفتية الذين يتمرسون على اللعبة بمرور الزمن، فهذه اللعبة تحتاج الى «الفراسة» قبل كل شيء..

ويشرح الحاج مزهر طريقة اللعب قائلاً: يتكون الفريق من عشرة أشخاص أو أكثر، ويقوم رئيس الفريق ، وهو الأكثر خبرة ودراية ، باخفاء (المحبس) في يد أحد اللاعبين من الفريق.

ويمد اللاعبون أيديهم مضمومة الأكف، بينما يقوم رئيس الفريق المقابل، بالتشاور مع أفراد فريقه، باسقاط الايدي التي لا تحمل الخاتم، الى ان يصل الى اليد التي فيها (المحبس).. فاذا اخفق الفريق تحسب عليه نقطه، واذا ربح ينتقل المحبس اليه، ليمارس الفريق الآخر مهمة البحث عنه.. وهكذا..

ويضيف: غالباً ما يكون الرهان على «صينية» أو «صوانٍ عدة» من البقلاوة والزلابية والبرمة، وغيرها.. وعند الفوز يأكل الفريقان ومعهم الضيوف.

د. سيف الجابري