مثل كل عام يتجدد شوق الصائمين لقضاء سهرة رمضانية في رحاب سيدنا الحسين، ومع اقتراب الشهر الكريم تعلن جميع المقاهي والمطاعم والفنادق بالمنطقة حالة الطوارئ استعدادا لاستقبال الآلاف من رواد منطقة الحسين الذين يتدفقون عليها يوميا، السهرة في هذا الحي تبدأ قبل أذان المغرب بدقائق.

حيث يبدأ توافد عشاق المكان لتناول الإفطار وحجز مكان في موقع متميز قبل أن تزدحم المنطقة بطوفان من البشر يصعب معه إيجاد مكان لموضع قدم. وقبل أذان المغرب تكون المطاعم المحيطة بالمشهد الحسيني قد افترشت الأرصفة بمئات الموائد تفوح منها رائحة الشواء، صوت القرآن ينبعث من مآذن الحسين.

وعلى الجانب الآخر موائد الرحمن الممتدة في شارع الأزهر قد استعدت لاستقبال زوارها في صورة من أروع صور التكافل، الكل في هذه اللحظات في انتظار مدفع الإفطار وأذان المغرب لتبدأ ليلة من ليالي الحسين تمتد حتى الفجر تنطلق معها طوابير البشر عبر الحواري الضيقة والأزقة.

حيث المقاهي الشهيرة ومحلات خان الخليلي، وتمتزج أصوات الجرسونات في المقاهي مع أصوات الباعة الجائلين وتتصاعد أدخنة الشيشة لتختلط برائحة البخور والعطور.

ولأن منطقة الحسين هي المركز الرئيسي للسهرانين في القاهرة فإن أصحاب المحلات تفننوا في جذب الزبائن خلال هذا الموسم الذي يتصل فيه الليل بالنهار، في حي مفتوح العينين دائما لا تغمض جفونه بالليل ولا بالنهار، حي «الدين» و«التجارة» كما وصفه المفكر الفرنسي جاك بيرك وحي المصريين والسائحين من العرب والأجانب.

فأصحاب المطاعم الشهيرة لم يكتفوا بتقديم وجبات الكباب والحمام وأطباق الفتة والكوارع وإنما أدخلوا خدمات أخرى إضافية مثل الشيشة والشاي والقرفة والينسون والكركديه بهدف استثمار الموقع المتميز لها أمام المشهد الحسيني، ومع ذلك فإن أغلب المقاهي الشهيرة لم تتأثر نظرا لارتباط الزبائن بها مثل ولي النعم والسكرية ونجيب محفوظ والفيشاوي وكذلك بسبب الزحام الشديد بالمنطقة.

* فنون المقاهي

أما أجمل مظاهر السهرات في هذا الحي فتتجلى في انتشار عدد من عازفي العود والمطربين وآلات الإيقاع الذين اعتادوا تقديم فنونهم التلقائية لرواد المقاهي.

وهو طقس متوارث منذ زمن ويجد هؤلاء الفنانون استحسانا من الزبائن الذين يجدون فيها متعة إضافية، يتميز هؤلاء المطربون بخفة الظل والقدرة الفائقة على التواصل مع جمهور المستمعين وتقبل أي محاولة للاستهزاء بموهبتهم بصدر رحب وبالطبع يجد هؤلاء المطربون في زبائن مقاهي «ولي النعم« و«الفيشاوي» .

و«نجيب محفوظ» فرصة كبيرة لنشر مواهبهم خاصة أن زبائن هذه المقاهي أغلبهم من العائلات وشباب الجامعات والمثقفين، ورغم أن هؤلاء الفنانين يمارسون مواهبهم بالاتفاق مع أصحاب المقاهي إلا أنهم لم يمانعوا في تلقي بعض المبالغ البسيطة من الزبائن على سبيل «النقوط» باعتبارها نوعا من التقدير لمواهبهم، وبنفس المفهوم يتقبل المطرب أو العازف بعض المشروبات على سبيل التحية.

وهو ما يخلق حالة نادرة من الإنسجام والتواصل بينهم وبين رواد المقهى يمتد أحياناً حتى مطلع الفجر ويشتهر بين رواد الحسين المطرب زكريا الشيخ الذي يتميز بشكله الملفت للنظر بقامته القصيرة وطاقيته الصوف التي تغطي شعره .

وعوده العتيق الذي يحتضنه بشموخ أثناء تنقله بين المقاهي ويظهر الشيخ في المنطقة في التاسعة تقريبا ويظل يعزف ويغني حتى الفجر، ويجيد الشيخ غناء الأدوار القديمة لكبار المطربين مثل عبدالوهاب وأم كلثوم وسيد درويش وعبدالغني السيد.

كما يشتهر أيضا بين عشاق الحسين مطرب آخر يطلقون عليه «الشبح» نظرا لضآلة حجمه ويعد الشيخ من العلامات المميزة لمقاهي الحسين وخاصة مقهى «ولي النعم» والسكرية حيث يقضى الليل كله في الانتقال بينهما ويحرص «الشيخ» على إرتداء الطربوش كنوع من المداعبة للزبائن الذين يتقبلون إبداعه بحب شديد ويقدرون جهده في محاولة رسم البسمة والسعادة على شفاههم.

*مقاه خمسة نجوم

وبجانب السهرات الشعبية في مقاهي الحسين التي تقدم المشروبات البسيطة كالسحلب والكاكاو والينسون والقرفة فإن هناك أماكن خمسة نجوم مثل مقهى خان الخليلي ومطعم نجيب محفوظ .

وهي أماكن تتميز بديكوراتها الفاخرة ولوحاتها التي تزين الجدران، وتحرص هذه الأماكن على تواجد تخت شرقي لإضفاء جو من البهجة والسرور على زبائنها من الأثرياء المصريين والسياح العرب والأجانب.

وفي مطعم نجيب محفوظ توجد سيدة مغربية تقرأ الكف للزبائن مقابل عشرة جنيهات أما أسعار الإفطار به فتتراوح ما بين 60 و90 جنيها للفرد بعكس المطاعم الشعبية الشهيرة مثل «الدهان» و«الركيب» و«العهد الجديد» التي تتراوح أسعار الإفطار بها ما بين 20 و40 جنيها للفرد.

* شربتلي الحسين

وخلال الجولة التي يقوم بها الساهرون في حي الحسين لابد من زيارة المقصورة وقراءة الفاتحة داخل المشهد الحسيني، وتمثل هذه الزيارة الجانب الروحاني في السهرة الممتدة حتى الفجر، فالمقصورة المصنوعة من الذهب والفضة وتزن حوالي 16 طنا تظل مفتوحة طوال الليل خلال شهر رمضان، وتذكر المراجع أن حوالي 200 عامل من أمهر الصناع اليدويين اشتركوا في صنعها على مدار عشر سنوات متتالية حتى أصبحت أية في الجمال والدقة.

ويمكن لزوار المقصورة أن يطوفوا حولها أكثر من مرة ويقرأوا الفاتحة لسيدنا الحسين، وعند خروجهم من الباب الأخضر يجدوا السقا في إظارهم ليشربوا من يديه كوب ماء بدون مقابل ممزوج برائحة ماء الورد.

وعلى بعد خطوات من «الباب الأخضر» وبجوار المشهد الحسيني يتوقف رواد المنطقة لتناول كوب من الخروب أو التمر الهندي والعرقسوس عند أشهر «شربتلي» بالحسين وهو محل الأمين الذي يمتد عمره لأكثر من مئة عام ويديره الآن حفيده الحاج محمد الأمين، ويتميز المحل بتقديم «عصير الدوم» .

و«حب العزيز» ويظل المحل مزدحما طوال الليل بالباحثين عن الجديد في هذا الحي العريق وعلى ناصية الشارع يقع أقدم محلات الألبان وأعرقها وهو محل «المالكي» الذي اشتهر بين أهالي القاهرة كأفضل منتج للزبادي والأرز باللبن بالمكسرات والمهلبية، ولا تكتمل السهرة في حي الحسين إلا بتناول وجبة خفيفة من منتجات ألبان «المالكي».

* شبكة العروسة

ولا تكتمل المتعة في سهرة الحسين إلا بجولة داخل خان الخليلي لمشاهدة أجمل المنتجات من الصناعات الحرفية اليدوية من النحاسيات والفضيات والمجوهرات والعاديات، ومع اقتراب عيد الفطر وخلال النصف الثاني من شهر رمضان تزدحم منطقة الصاغة الشهيرة بصناعة وبيع الذهب.

وتتعالى الزغاريد من أهالي العرائس الذين يقبلون على شراء شبكة الخطوبة أو هدية الزواج استعدادا للحفل المرتقب في عيد الفطر الذي يعد من أهم مواسم الزواج في مصر.

القاهرة ـ محمد هشام