عند بدايات الربع الأخير من القرن التاسع عشر قيض للكاتب «والدبلوماسي» الفرنسي اوجين مللكور فوغي(1848 ـ 1910) ان يتجول في بعض بلاد الشرق الأدنى مكلفا بمهمة لحكومة بلاده تتعلق بالصراع بين روسيا وفرنسا. وهو انتهز الفرصة ليعمق معرفته بهذه المنطقة ولا سيما بفلسطين.

. وأسفر كل ذلك عن كتاب نشره في العام 1876 بعنوان «رحلة في بلاد الماضي» ننشر منه هنا صفحات تصور وصول فوغي الى يافا ثم مغادرته نهائيا الى أوروبا.

اذ نقترب من مدينة يافا وعلى بعد كيلومترين منها من ناحية الشرق، نجدنا وقد دخلنا بساتين الليمون والبرتقال. والحق ان هذا البرتقال ـ وهو اعتراف ندر ان جاء على قلم رحالة ـ يساوي كل السمعة المعهودة عنه وأكثر. وبساتينه كذلك. فاذا استثنينا غوطة دمشق، أقول انني لم أر أبداً في طول سوريا وعرضها مكاناً له كل هذه الابهة والروعة.

فالطريق التي كانت قد مرت لبعض الوقت فوق التربة تصبح هنا وسط أشجار الصبار لتدخل اثر ذلك في بحر من الخضرة المزينة بثمار البطاطا.. ثم يبدأ البرتقال والليمون الحامض والرمان بالظهور واللمعان وسط اكوام من اوراق الشجر الغامقة.

بما يشبه ما نراه عادة على شواطئ البوسفور.. وذلك قبل ان نشاهد اشجار التين وجذوع النخيل. وبمقدار ما كنا نتقدم في مسيرتنا، كانت تظهر لنا بين الأشجار وفي خلفية المشهد اجزاء من زرقة البحر وكأنها جزء من تلك الغابة.

وهكذا يختلط اللون الازرق باللون الاخضر قبل ان تبدأ بالظهور بيوت يافا العتيقة، معلقة فوق الصخور والتلال ناشرةسطحياتها البيضاء تحت جدران محببة لا شك ان موضع في هذا المكان بالذات حدائق ارميد ابتكرها من وحي خياله.

وأصارحكم هما بأني لم أعش في حياتي لحظة اجمل وأكثر متعة من لحظة هذا الدخول الى يافا: خالجني على الفور شعور من يستجيب لنداء بوق وسط اشعة الشمس ذات صباح نيساني عند حافة البحر.

حين نخرج من الحدائق، نجدنا على الفور وقد صرنا على سطح من الأرض العالية الفسيحة، خارج أسوار المدينة وبابها وقد صرنا عند ذلك الباب. واذ تهبط درجة عريضة واحدة تجدنا امام مشهد حي صاخب ندر مثيله وجدير بأن يصوّر:بين الطاولات المغطاة بأهرامات من ثمار البرتقال، بين الجمال الراكضة تستريح .

والتي تحمل الآن بالفواكه المتنوعة، وبين أهل المدينة الضاجين الصاخبين، عرب روم زنوج نساء مسيحيات في أرديتهن الطويلة وتحت غطاء رؤوسهن، حمالون من مصر، بحارة من جنوب. وكل هذا الشعب يتحرك هنا يصرخ يقول ما عنده ويعيش.

وفي وسط هذا الزحام رأينا رجلاً صغير القامة مرتديا ثيابا شرقية ويركض نحونا. وعلى الفور لاحظنا انه يغطي رأسه بعمامة بيضاء سرعان ما رفعها حين وصل إلينا، مجيباً بسيل من الكلمات التي لا أجد هنا مكانا لتكرارها .

وان كانت بدأت بـ «يسرني ان اترك مكتبي لآتي واستقبلكم» وهو قال هذه العبارات بلغة حائرة بين الايطالية والفرنسية وسرعان ما تعرفنا عليه من لغته الأسطورية هذه. انه السيد دامياني، عميلنا القنصلي في الرحلة.

. وآخر عميل يرتدي الثياب الشرقية الذي احتفظت به فرنسا في هذا المكان من العالم. والحال ان آل دامياني يمتلكون في خزائنهم تاريخاً طويلاً حيث انهم آووا في دارتهم كبار زمننا هذا والزمن الذي سبقه، من رحالة وشعراء وجنود. آووا كل رجال الفكر والعمل من الذين تجتذبهم هذه الأرض بقوة مغناطيسها..

وكل هؤلاء تناولوا الطعام على موائد آل دامياني الذين يفخر رب أسرتهم بأنهم استقبلوا بونابرت وشاتوبريان. اما مضيفنا الحالي فقد استقبل لإمارتين وإبراهيم وغيرهما. غير ان فخره الأكبر الآن ينصب على المنصب الذي يشغله في الرملة حيث انه قنصل كلي الصلاحيات.

وهو ينظر الى هذا الأمر بكل جدية. ويروي انه مؤخراً لدى مرور قطع من الأسطول الفرنسي بيانا، أسرع صاعداً الى متن السفينة القائدة مطالباً بأن تطلق القنابل الخمس في الهواء تحية له. فكان له ما أراد. والحقيقة ان دامياني هذا يعتبر أفضل إنسان في العالم كما انه آخر من تبقى من ماض سياسي وإداري صار الآن بعيدا جدا، ماض شرقي لم يكف آبائنا عن الحديث عنه ووصفه بإعجاب.

أما اليوم فالبرنيطة والثياب السود مذ حلت محل القفطان والعمامة لدى كل من يمثّل الآلة الاوروبية من قريب أو من بعيد. في معنى ان البيروقراطي حل محل البطرقي. والكونتوار حل محل السلاملك(..) فهل كسبت إدارة الأعمال على الطريقة الغربية ما خسرناه من لون محلي عريق عتيق؟

مدينة يافا الحالية التي نحن الآن في داخلها لا تزال محاطة في وسطها بأسوار العربية. اما زواياها فإنها في أماكن عديدة تبدو على شكل مسرح يوناني قديم صنع في بيوت ركبت فوق بعضها البعض في أزقة وشوارع مسقوفة.

ومن خانات ومستودعات منتشرة عند البحر. ان المجموع اذ تنظر اليه على هذا النحو يبدو ولا أروع لكن المشكلة تبدأ حين ندخل في التفاصيل. بيد ان المبنى الوحيد الذي أدركنا انه هنا يرتبط بذكرى لافتة لنا هو الدير الأرمني، الذي فيه حبس ذات يوم المصابون من أفراد الجيش الفرنسي.. وهو واقع خلده الرسام غرو في لوحة شهيرة له.

والحقيقة ان ما من شيء قادر على إبقائنا هنا طويلاً.. ثم ان المركب الذي كان قد وصل عند الصباح بدأ يتأرجح في عرض البحر، بعيداً عن الشاطئ بعض الشيء مطالبا بأن يبعد بسرعة عن هذا المرسى الذي لا يبدو مضيافاً الى حد معقول. وهكذا تجاوبنا معه وفيما كنا نودع قنصل فرنسا في المدينة، والرجل الطيب دامياني.

حملنا ستة او سبعة مجذفين عرب بين ايديهم وهم واقفون فوق مركبهم يناضلون ضد الأمواج العاتية التي راحت تتقاذف المركب وتوقعهم ارضا..لكنهم كانوا يعرفون كيف يقاومون..يقاومون وهم ينشدون معا أغنية ايقاعية.. على الطريقة نفسها التي لاحظنا كيف ان المراكبية يتبعونها في بحيرة طبريا.

ان مرسى يافا هو الأسوأ والأخطر بين كل المراسي التي عرفناها في هذه المنطقة..وهي سيئة الى درجة ان المراكب لا تعود قادرة على الدخول اليها ما ان يسوء الطقس وتقسو الرياح. اما العبارات التي تستخدم حينئذ لإيصال الناس والبضائع الى الميناء فإنها تعجز عن العبور من دون المرور بأخطار حقيقية. اما هذه المرة فقد بدا لنا ان البحر هادئ نسبيا .

ومع هذا ها هي العبارة تتراقص بنا وتقلقنا. وتجعل من العسير علينا للحظات الدخول الى سلم السفينة ومهما يكن فاننا وصلنا الى السفينة في نهاية الأمر. وانا ما ان وضعت قدمي على متنها حتى عرفتها: إنها السفينة «تيبر» التي كانت هي أول من أتى بي الى الشرق هنا. وها هي الآن ستبعدني عنه للمرة الأخيرة في حياتي دون ريب.

أخيراً حين تركت السفينة، وكان الليل قد أرخى سدوله.. رحت أتأمل ارض فلسطين وهي تبتعد مختفية أمام ناظري..وخالجني شعور بأن وداعي عنها هذه المرة وداع نهائي(..) وفكرت «اذا كانت هذه البلاد التي يتعين على كل إنسان ان يأتي اليها متسائلا قبل ان يكون لنفسه اية فكرة اخيرة حول قضايا الروح لا يعطي ابدا كل الحقائق التي لديها وكل ضروب اليقين.

وكل الشعور بالراحة التي لا يمكن أبداً لأية أرض أخرى في هذه الحياة الدنيا ان توفره للإنسان، فإنها على الأقل تتسم بفضيلة سرية غامضة لا يمكن لأحد نكرانها او التهرب منها: ذلك انني سأشعر دائما بالعرفان لها لأنها ادخلت الى روحي مزيداً من النور والشعر والاحترام والدعة والأمن.. وتلك هي فضيلتها الرئيسية.