«قصة حياتي» هو العنوان الذي اختاره المفكر المصري أحمد لطفي السيد، الذي كان يلقب في مصر بأستاذ الجيل، هو الذي اشتغل في السياسة والأدب والفلسفة، وكان من مترجمي أرسطو إلى العربية.
والكتاب عبارة عن مواقف ومشاهدات متفرقة، لكل منها ظروفه ودلالاته.. وأبرزها يتعلق بسفرات قام بها السيد إلى أنحاء متفرقة من العالم. وهنا إطلالة على أول رحلة قام بها إلى انجلترا، عند بدايات القرن العشرين. وهي رحلة عاد بها بالكثير من العبر والدروس، من دون أن ينقص عليه ذلك كون الانجليز يحتلون بلاده وصاروا أعدى اعداء شعبه.
يخبرنا المفكر المصري أحمد لطفي السيد أن سافر إلى لندن في مطلع حياته وهو لا يعرف من اللغة الانجليزية ما يكفي لاستيفاء أبسط الأحاديث موضوعاً، فهو كان يعتمد على إتقانه للفرنسية معتقدا أن لغة موليير معروفة في لندن لدى الكثير من الطبقات وخصوصا طبقة الكتاب والطبقة التي لاغنى للسائح عن محادثتها «فان أمثالهم في الفنادق الكبرى يتكلمون لغتين أو ثلاثاً إحداها الفرنسية».
إضافة إلى هذا كان السيد يعتمد أيضا على أن له في لندن وغيرها من المدن الانجليزية أصدقاء من المصريين. لكن الصدمة جاءته مبكرة اذ يقول انه منذ «كنا في الميناء الفرنسية كاليه، انقلبت الحال فجأة حتى ان الحمالين الفرنسيين اخذوا يخاطبوننا باللغة الانجليزية.
وكأن الفرنسية قد غسلت من الوجود على شاطئ المانش. فشق ذلك على رجل فرنسي كان معي في العربة وقال للحمال الذي بادرنا بالانجليزية «نحن نعرف من الفرنسية ما يكفينا للحديث عند الضرورة». وهو قالها ساخراً معنفاً هذا الحمال الذي يعدل عن لغته لغير الضرورة، فانقلب الحمال بفضل هذه الجملة فرنسيا يفهمنا ونفهمه.
ويقول السيد معقباً ان هذا ذكره ببعض المصريين الذين يتكلمون الفرنسية أو الانجليزية بينهم في بلادهم، وما هم بذلك بمحتقري لغتهم، ولكنهم يتراطنون باللغة الأجنبية حتى يظنهم سامعهم أنهم قليلو الاعتداد بلغتهم وقوميتهم.
فرغ السيد من الحمال بتلك الملاحظة، ودخل السفينة التي تمخر بحر المانش وصولاً إلى دوفر ولقد لاحظ السيد انه ثمة بين الركاب رجلا هنديا يتجنب الناس ويقترب منه «وكأن كلانا شعر بانجذاب إلى الآخر» لم يكن على المركب من سمر اللون غير المصري والهندي «وكفى بالتقارب في اللون وبالانتماء الشرقي جامعاً بيننا نحن الاثنين».
ويلفتنا السيد في هذا الصدد إلى حادثة الشاب الهندي دنجرا الذي اغتال السير كرزون في لندن حديثة العهد وقتذاك «فوقع في نفسي أنني سأشارك جاري الهندي في استقبال النظر الشذر من الانجليز الذين اشتهروا في العالم بأنانيتهم حتى اضطر حكيمهم هوبز إلى أن يقول أن أصل الخير والشر في هذا العالم هو حب الذات، وانه هو أصل علم الأخلاق عنده. كما اشتهروا بالتضامن الشديد وحبهم لكبار رجالهم مثل سير كرزون القتيل».
*منظر الهندي
عول السيد أن لا يبعد عن جاره الهندي وقال في نفسه «إن عادة المصري أن يكون ضحية لغيره وما كانت بلادنا إلا ضحية يضحى بها من أجل مصالح القوي. للانجليز مصلحة في اقرب طريق إلى الهند، فماذا جنت مصر حتى تكون هي الضحية لتلك المصلحة، حيث قال أحد ساستهم يوم فتح قناة السويس: «الآن لزم احتلال مصر».
والحال أن السيد حين تذكر هذا كله تذكر انه من قوم هم ضحايا الكرم والصبر فتوقع أن يضايقه الانجليز بصفته هنديا مع جاره الهندي. لكن شيئا مما توقعه لم يحدث.
إذ سرعان ما لاحظ أن أحداً لم يبن عليه اثر لما كان ظن من تأففهم لرؤية الهندي.. فأكبر أخلاقهم! «غير أني لما خرجت بعد ذلك إلى البر، وكان يوم المرافعة في قضية الهندي، صرت اسمع نقلاً عن المجالس صحة ما كنت أظن..
أي أن الهنود مضايقون من البوليس السري وان كثيرا من الانجليز كانوا يكررون ما قاله بعض كبرائهم من ان طرائق التربية الغربية ـ الحرية والعلم ـ مفسدة للشرقيين وان لا بد لصلاحهم من تركهم على ما هم عليه فان ذلك خير طريق لسعادتهم !».
* الثروة الحقيقية
وراح أحمد لطفي السيد يتجول في انكلترا وكان أطول ما قطع من مسافة هي تلك بين لندن وليفربول «يمر القطار فيها بقرى ومدائن لا يدل منظرها على حب الشذوذ، ولا على الابتكار الذي أخذ من فكر الأوروبيين مأخذاً عظيماً حتى صار مقياسا لشخصية الفرد، علامة على النبوغ فان الكاتب الذي لا يولد للغته أسلوبا جديدا لا يعد كاتباً.
وكذلك الشاعر الذي لا يأخذ خياله من الطبيعة أفكارا حديثة ومقاصد لا يعد شاعراً» فلا يلفت النظر عادة إلى الشيء إلا غرابته وجدته ولكن على الرغم من ذلك رأى السيد وقتذاك المدن والقرى الانجليزية متشابهة جدا في تخطيط الشوارع وارتفاع الأبنية وألوانها «حتى كان يخيل للرائي أنها بنيت على فكرة المحافظة أو في عهد حكومة المحافظين».
ومر القطار بغير المدائن، وبحقول جميلة فسيحة قليلة الغلة معظمها كلأ ترعاه الأغنام والقليل مزروع حنطة، والأقل منه مزروع خضر وفواكه «فخطر في نفسي مشهد هذه الأرض القليلة الغلة، كيف ان الانجليز بهذه الأرض أغنياء؟ خطر لي هذا الخاطر السريع غير الناضج لأني فلاح من قوم كل ثروتهم مما ينبت في الأرض.
ولكني لم ألبث ان لاحظت موارد الثروة الانجليزية الطائلة في الصناعة التي كنا نحن المصريين نحتقرها بعض الشيء، والتجارة التي كنا نأباها بعض الشيء تبسمت لهذا الخاطر ثم قلت في نفسي «ان غنى الأمة وسعادتها ليسا في خصب أرضها ولا في صفاء جوها واعتدال منطقتها.
وليس بضخامة مدائنها، بل بعدد المهذبين من أبنائها، فهم الذين يبنون مجدها وهم الذين يخلقون غناها. نعم إذا أعوزتهم خصوبة الأرض خلقوا لأمتهم بعقولهم وعلمهم من الصناعة والتجارة والاعتماد على الذات والمخاطرة في سبيل المنفعة، ثروة تفوق الثروة الزراعية أضعافاً...».
* سياسيوهم وسياسيونا
لقد اكتشف السيد هذا كله خلال تأمل حال أعداء بلده الانجليز، ولم يفقه أن يجد في أبناء الانجليز هؤلاء عادات «تأصلت في نفوسهم وصارت لهم أخلاق، ازعم أنها هي وحدها السبب في قوتهم ـ تلك القوة المستفادة من جدهم في العمل وتقديسهم لمعنى الواجب».
ومن اخص ما لاحظ السيد من تلك الصفات، حرية القول والاستماع لكل قائل من غير أن يصادر احد حريته «من ذلك أنني رأيت خطباء كثيرين يخطبون في حديقة هايد بارك، بعضهم واقف على الأرض وبعضهم يعلو منبرا متنقلاً(...).
وتمر الجماهير بهؤلاء الخطباء ويقف كل واحد منهم على الخطيب الذي يعجبه، فيصفق له مع المصفقين» ويستدرك السيد مشيرا إلى أن الهايد بارك هذا ليس منبراً خاصاً بأولئك الخطباء العاديين «بل هو أيضاً منبر عام لكبار الساسة والخطباء.
فقد كان غلادستون، مثلاً، كلما ضاقت قاعة البرلمان بصوته العالي وأغراضه الكبيرة عمد الى هذه الروضة العامة، يخطب في الألوف من الناس ساعات متوالية فيحول الأمة من فكرة إلى فكرة ويخرجها من مقعد الى مقعد.
وكذلك كان كارهاردي وغيره من خطباء الانجليز». وهنا لا يسع السيد الا ان يقارن هذا مع «وزرائنا ونوابنا سامحهم الله ـ الذين يتجنبون الكلام حتى في سياستنا الداخلية إلا ما يكون من التهامس في الآذان في الخلوات والنوادي بينهم وبين أخصائهم الأقربين».
