كتاب فريد في اللغة العربية، كتاب الإمام أبو حامد الغزالي المعنون «المنقذ من الضلال».. فهو سيرة ذاتية، لكنها وضعت في زمن تأزم كان لا بد له أن ينتهي بالنسبة إلى صاحبه بنوع من العودة إلى اليقين.. عن طريق العلم وعن طريق التسامح و«جادلهم بالتي هي أحسن». هنا إطلالة على بعض جوهر هذا الكتاب الفذ.
من المؤكد أن ليس في العربية، قبل العصور الحديثة على الأقل، نص يشابه في معناه وفي قوته، وحتى في بعده الذاتي كتاب «المنقذ من الضلال» لأبي حامد الغزالي.
ومن هنا لم يكن غريباً أن يعطى هذا الكتاب الذي صدر قبل أكثر من ثمانية قرون من يومنا هذا، هو أكثر من ذلك بكثير، هو بالأحرى كتاب التسامح الأكبر في الفكر العربي الإسلامي كما سوف نرى. وحسبنا هنا أن نبدأ في منتصف الكتاب حيث يقول الإمام أبو حامد:
«فلما رأيت أصناف الخلق قد ضعف إيمانهم إلى هذا الحد بهذه الأسباب، ورأيت نفسي علبة بكشف هذه الشبهة، حتى كان انفتاح هؤلاء عندي أيسر من شربة ماء لكثرة خوضي في علومهم ـ اعني علوم الصوفية والفلسفية والتعليمية والمتوسمين من العلماء ـ القدح في نفسي أن ذلك متعين في ذلك الوقت، محتوم. فماذا تغنيك الخلوة والعزلة وقد عم الداء ومرض الأطباء وأشرف الخلق على الهلاك؟ ثم قلت في نفسي:
متى تشتغل أنت في كشف هذه الغمة ومصادمة هذه الظلمة والزمان زمان القشرة والدور دور الباطل، ولو اشتغلت بدعوة الخلق عن طرقهم إلى الحق، لعاداك أهل الزمان بأجمعهم، وأنى تقاومهم فكيف تعايشهم ولا يتم ذلك إلا بزمان مساعد، وسلطان متدين قاهر؟ فترخصت بيني وبين الله تعالى. بالاستمرار على العزلة تعللاً بالعجز عن إظهار الحق بالحجة.
فقدر الله ان حرك داعية سلطان الوقت من نفسه لا يتحرك من الخارج. فأمر أمر إلزام بالنهوض إلى نيسابور، لتدارك هذه الفترة وبلغ حدا كان ينتهي لو أصررت على الخلاف، على حد الوحشة».
واضح هنا إن الغزالي يفسر أسباب رجوعه عن العزلة التي كان ارتضاها لنفسه قبل فترة، وذلك إذ رأى الخطر يحيط بأمته ووجد ان لا مناص من التدخل.
وما كتاب «المنقذ من الضلال» سوى وصف للانصراف من العزلة ثم العودة عنها.. ومن هنا فرادته في شقيه هذين والحال ان الغزالي كان في السادسة والثلاثين من عمره في العام 1095م.
حيث شهدت حياته ذلك التحول الحاسم الذي دفعه الى الشك ووضعه على تماس مباشر مع واحدة من أعمق الأزمات الروحية والفكرية التي تصيب عالما من طينته. يومها وقف فجأة وقد وجد أن العقل والمنطق اللذين احتكم إليهما لم يعودا قادرين على إعطائه الأجوبة الواضحة على أسئلة كانت تقلقه.
وكان قد أنجز قبل ذلك اثنين من أهم كتبه: «مقاصد الفلاسفة» و«تهافت الفلاسفة» وكان خيل إليه انه عبرهما قد وجه إلى العقلية ضربة قاضية، لكن الذي حدث كان ان مفكرنا نفسه وقف أمام كتابيه عاجزا عن العثور على يقين فماذا يفعل؟ دون طول تردد استجاب إلى أزمته الداخلية.
واعتبرها مشلة لمجرى حياته التعليمية، هو الذي كان قد عيّن بعد رحيل أستاذه الجويني أمام الحرمين مدرسا في المدرسة النظامية «بعد اتصاله بنظام الملك ،مؤسس المدرسة، على عادة فتقضي تلك الأزمان في الاتصال بذوي الشأن والمنافحة عن مواقعهم حتى يبلغوا شأنهم.
وكان شأن الغزالي أن يصبح مدرسا رسميا فكان له ما أراد. ولكن الغزالي سرعان ما راح يضع ذلك كله موضع الشك في وقت كان «ضلاله» قد اخذ يشككه في كل شيء.
وهكذا اتخذ قراره واعتزل التدريس وترك الحياة العائلية متخلياً عن كل ما في الحياة المريحة من متع. ثم ترك بغداد وسط دهشة المقربين إليه من الذين راح يخيل إليهم أن الإمام قد جن إذ ما كانوا ليتصوروا أن العالم الكبير الناطق باسم الاشعرية، وقطب المدرسة النظامية يمكن ان يخونه اليقين إلى هذه الدرجة.
وبعد مبارحته بغداد بدأت في حياة الغزالي مرحلة التجوال والتصوف والزهد التي قادته إلى مناطق عديدة من العالم الإسلامي يجول فيها وحيدا مرتديا ثياب أهل التصوف. وقادته جولته تلك إلى دمشق والقدس وربما إلى الإسكندرية والقاهرة، قبل أن يصل إلى مكة والمدينة.
واستمر هذا التجوال قرابة العشر سنين احتاجها الغزالي يومها حتى يعثر على دعة روحه، فتنتهي أزمته ويعود إلى يقينه وقد أنقذ «من ضلاله» حسب ما يفيدنا عنوان وجوهر ذلك الكتاب الذي وضعه في آخر أيامه.
ومن هنا فرادة هذا الكتاب التي اشرنا اليها، إذ فيه يعرض الإمام أبو حامد الغزالي (1058- 1111) أزمته الداخلية ويرسم الرحلة المزدوجة، من اليقين إلى الشك ثم من الشك إلى اليقين.
انه بهذا الكتاب لسيرة ذاتية في حضارة خلت تقريبا تراثيا على الأقل من كتب السيرة الذاتية. بل ان الكتب القليلة التي وضعت في هذا السياق (مثل سيرة ابن سينا ورحلة ابن خلدون) إنما أتت سردية تبريرية بالكاد تغوص في جوانية كتبها، كما فعل الغزالي.
وفي المقابل يبدو كتاب هذا الأخير الذي كثيراً ما قارب مؤرخو الثقافة بين فكره وجوانيته، وفكر الفرنسي رينيه ديكارت وجوانيته ، يبدو منتميا إلى عصورنا الحديثة أكثر منه إلى زمنه.. لا سيما إذا ما تفحصنا جيدا مدى ما فيه من موضوعية (هو الذي يفترض أن يكون غارقا في الذاتية)، بل روح التسامح أيضا.
وهو أمر قد يجد خير تعبير عنه في هذا النص المأخوذ من الكتاب، حيث يقول الغزالي، «ولم أزل في عنفوان شبابي وريعان عمري منذ راهقت البلوغ، قبل بلوغ العشرين إلى الآن وقد أناف السن على الخمسين، اقتحم لجة هذا البحر العميق، وأخوض غمرته خوض الجسور، لا خوض الجبان الخدور.
وأتوغل في كل مظلمة وأتهجم على كل مشكلة واقتحم كل ورطة وأتفحص على عقيدة كل فرقة واستكشف أسرار مذهب كل طائفة لأميز بين محب ومبطل ومتسنن ومبتدع، لا أغادر باطنيا إلا وأحب ان اطلع على باطنيته، ولا ظاهريا إلا وأريد ان اعلم حاصل ظاهريته.
ولا فلسفيا الا واقصد الوقوف على كنه فلسفته، ولا متكلماً الا واجهته في الاطلاع على غاية كلامه ومجادلته ولا صوفيا إلا واحرص على العثور على سر صوفيته ولا متعبدا إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته ولا زنديقا معطلاً إلا وأتجسس من ورائه للتنبه لأسباب جرأته وتعطيله وزندقته..».
وهكذا، بالتزامن مع سيرته الذاتية التي هي هنا سيرة فكرية قدم الغزالي في صفحات هذا الكتاب الفذ، عرضا للأفكار والتيارات مناقشا إياها، محاولا ان يعود بأصحاب كل منها إلى ما اعتبره الصراط المستقيم ولكن على طريقته «وجادلهم بالتي هي أحسن» ولسان حاله يقول: «هذا هو الآن نيتي وقصدي وأمنيتي، يعلم الله ذلك في وأنا ابغي ان أصلح نفسي ولست ادري أأصل الى مرادي أم احترم دون غرضي؟
لكنني أؤمن إيمانا يقينا ومشاهدة انه لا حول ولا قوة إلا بالله واني لم أتحرك لكنه حركني واني لا اعمل لكنه استعملني فاسأله ان يصلحني أولا ثم يصلح بي ويهديني ثم يهدي بي وان يريني الحق حقا ويرزقني اتباعه، ويريني الباطل باطلا ويرزقني اجتنابه».
