قد نقصر الحديث على أولى مشاهد الكوميديا الإلهية ولعله أهم مشاهدها.. وهو معاينة الجحيم وأطوار الرحلة الرهيبة ضمن ساحاته بصحبة فرجيل. إن أناشيد الملحمة الإيطالية تصور جحيم «سقر» على أنه حفرة هائلة لها شكل مخروط عملاق مؤلف بدوره من تسع دوائر وطبقات متداخلة ـ وطبقات يعلو بعضها بعضا.
وكلما انحدرت طبقة فهي في درك أسفل آية على أن ساكنيها اقترفوا ذنوبا أكثر فداحة وأوجب بتغليظ العقاب. تحدد الملحمة موقع حفرة الجحيم الهائلة على أنه تحت أراضى بيت المقدس وأن أدنى نقطة فيها تمثل مركز كرة الأرض..
هناك تسود ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج المرء يده لم يكد يراها حقت اللعنة على سكان هذا الدرك الذين يروون حكايات ذنوبهم وخطاياهم على مسمع من شاعر الكوميديا الذي لا تخطئ مسامعه أيضا أصداء الندب والعويل، من شدة ما يعانون من الألم وأيضا من فرط الندم على ما جنته أيديهم فيما سبق من حياة.
على أبواب الجحيم يقرأ الشاعر الزائر لافتة تقول:
ـ لا أمل لكم ولا رجاء يا من تدخلون من هذا الباب.
تلك إذن هى لعنة اليأس ـ فالقنوط هو أول ما يطالع الزائر عند مداخل الجحيم.
ولكن ما هذا الرواق القريب الفسيح؟ إنه رواق.. الانتظار وفيه يعرف الزائر أن المنتظرين فيه ـ ربما أبد الدهر ـ هم أهل اللا موقف.. الذيم لم يقترفوا شرا في حياتهم الأولى لكنهم أيضا لم يتخذوا فيها موقفا محددا من شأنه فعل الخير أو الخطر أو للدفاع عن قيمة أو لتكريس مبدأ يمكث في الأرض أو ينفع الناس..
أمرهم عجب.. أي عجب.. لا الجحيم يريدهم ولا الفردوس يرحب بهم، لذلك فقد حقت عليهم لعنة غريبة اسمها سأم الانتظار. ثم ما هذا النهر المتلاطم يكاد يضطرم بالحمم ويتربص بالخطر؟.. ثمة سفينة يقودها شيطان من خدم الجحيم اسمه شارون (وهل هناك غيره؟) .
وظيفته هي نقل الآلاف من الأرواح الملعونة إلى حيث تلقى العذاب.. بعدها تنتقل رحلة دانتي بين طبقات الجحيم يطالع الدرك الذي يضم الذين ارتكبوا أخطاء بحق أنفسهم ومن تحته درك أدنى يضم الذين ارتكبوا ذنوبا وخطايا ألحقت أضرارا بالآخرين.. ومن تحته مذنبو الكبائر الذين لم يتورعوا عن قتل النفس التي حرم الله سبحانه إلا بالحق، أو أنكروا وجود المولى تبارك وتعالى أو كانوا يأكلون أموالهم بينهم ربا بالباطل .
وباستغلال حاجة المستضعفين كم أن المشاهد مرعبة والظلمات متكاثفة وأهل الجحيم يجأرون ألما وأعوان الخدمة في الجحيم لهم أشكال عجيبة يطالعها الشاعر في رعب وعجب: منهم نصف حصان ونصف إنسان.. أو نصف امرأة ونصف طير.. حتى الأشجار ليست بالأشجار: لقد التقط الشاعر الزائر غصنا منها وحين كسره إذا بفرع الشجرة يقطر بالدماء.
هل هناك درك أسفل وأدنى من مستوى القتلة والسفاحين والمرابين والملاحدة؟ نعم هناك الدرك الثامن من الجحيم انفيرنو حيث الغشاشون والمنافقون ومن يرتكبون بغاء الجسد وأيضا بغاء الروح والفكر. يستوي في ذلك من تبيع جسدها أو من يبيع رأيه وروحه وفكره في أسواق الطمع والرياء المنضوية أبدا في الحياة الدنيا.
أما أسفل مراتب الجحيم ـ الدائرة رقم 9 فقد تصورها الشاعر الزائر وقد خصصت لأحقر الخونة على مر التاريخ قابعون في قعرها وقد تجمدوا في قوالب من جليد.. أشهرهم يهوذا الذي خان السيد المسيح .
ومعه أيضا بروتوس الذي خان ولي نعمته القائد الروماني يوليوس قيصر.. ومع هؤلاء جميعا يضم الدرك الأسفل من النار إبليس أولوسيفر ـ رمز كل ما هو شر وكل ما هو خطيئة وهو الذي وسوس في نفوس البشر بالغواية حتى اقترفوا كل ما يعاقبون عليه في جوف «سفر» (الإنفيرنو) من ذنوب.
. لم يعد إذن من زيادة لمستزيد.. تشابكت أيدي الشاعر الزائر وأيدي دليله الشاعر فرجيل فكان أن طفا الاثنان من القاع إلى السطح حيث ألفيا شاطئا آمنا فاتخذا طريقهما صوب أعراف المطهر حيث تتحول أبيات الكوميديا الإلهية من شعر ينضح كآبة وتشاؤما إلى نشيد يشع بالأمل.. كيف لا والمطهر هو السبيل المفضى بالشاعر إلى روح الحبيبة بياتريس التي ستأخذ بيده إلى سدرة المنتهى عند الملأ الأعلى حيث السلام الأبدي وحيث النعيم والخلود.
* الرموز.. الرؤى.. الدلالات
زمن الكوميديا الإلهية بأناشيدها المئة يستغرق أربعة أيام فقط.. وهناك بطلان يرتبطان بهما وكلاهما يحمل اسم دانتي: الأول هو دانتي الشاعر مبدع هذا العمل الكبير.
والثاني هو دانتي المسافر في رحلة الخيال عبر مشاهد العالم الآخر الثلاثة وهو هنا يرمز إلى البشرية كلها.. إلى فضول الإنسان، إلى أن يلقى نظرة مهما كانت موجزة أو خاطفة على عالم ما بعد الحياة. وبقدر ما ان دانتي الخيالي هو رمز البشرية في حال شغفها الفضولي فإن بياتريس، التي تدل على الفردوس وهي رمز البشرية في أرفع مراتب سموها الروحي:
كم أحبها الشاعر بعمق وإخلاص لكنها رحلت في ميعة الخامسة والعشرين فآثر أن يخلد ذكراها في سطور ملحمته الكبرى، وربما خالط إبداع الشاعر نوعاً من أنانية الثأر لنفسه من مبغضيه الذين أساءوا إليه فحكموا عليه بالنفي من فلورنسة ها هو ينتقم منهم فيذكر كل واحد باسمه ويعرض في أشعاره ما ارتكبه خصومه من أخطاء وخطايا ولا يتورع عن أن يضعهم في قاع جهنم وكأنه يحقق ما يوصف في معاجم النقد بأنه «العدالة الشعرية».
حيث يعمد الفنان إلى إنصاف من يهوى وإلى إدانة من لا يجب (هكذا فعلها نجيب محفوظ في روايته بعنوان «أمام العرش» التي حاكم فيها ـ بريشة الفن الرفيع سلسلة من زعماء بلده وأصدر عليهم ما شاء له الله والفن أن يصدر من أحكام).
لقد اهتم نقاد دانتي بجزء الجحيم في ملحمة الكوميديا.. بعضهم اهتم بدقة المشاهد وروعة التصوير وبأسلوب الشعر.. والبعض الآخر اهتم بالمغزى الأخلاقي الذي حققه الشاعر بغير مواعظ خطابية زاعقة أو مباشرة ويتمثل هذا المغزى في أن الإنسان لا يدرك نقاء المطهر ولا بهاء الفردوس إلا بعد أن يعاين بنفسه ما آلت إليه ـ في غياهب الجحيم ـ أحوال الخطاة والمذنبين والمكابرين والمنكرين والمنافقين والمتاجرين في الأجساد والنفوس والمواقف والآراء.
* العمل في ذاكرة الإنسانية
شأن أي عمل إبداعي كبير.. تعكس الكوميديا الإلهية عدة أوجه للأهمية.. سواء بوصفها عملا شعريا كان بمثابة البناء التأسيسي في معمار اللغة والثقافة الإيطالية، أو بوصفها عملا أخلاقيا من مستوى رفيع .
حيث تعبر عن صراع الخير والشر وتنتصر لنصر الخير في الإنسان وتدين آفات الخطايا التي يرتكبها البشر وفي مقدمتها النفاق.. أو بوصفها وثيقة سياسية تاريخية عبرت عن التيارات التي كانت تتفاعل وتضطرم في شبة جزيرة إيطاليا على عهد دانتي والتي أصابت الشاعر شخصيا في حياته ومستقبله حين أبعدته عن مدينته المحببة ورفضت عودته إلى ربوعها.
على أن جمهور النقاد والمحللين لاحظو مدي إقبال القراء عبر العصور على جزء «الجحيم «من ثلاثية الكوميديا الإلهية ومنهم من يعزو ذلك إلى قدرة الشاعر في إجادة عرض المواقف ورسم صورة شديدة الجذب من حيث غرابتها وجدّتها لأحوال ساكني نار الله الموقدة وإتقان حبك المواقف الدرامية وفنية تصوير الضعف الإنساني وربط شخوص الجحيم برموز السياسة والتاريخ.
فضلا عن مهارة الشاعر في استخدام جميع الحواش البشرية في مضمار العرض والتصوير بين مشاهد مرعبة للنظر وروائح تنقبض معها النفس وأصوات تتناهى أصداؤها، وسط دياجير المكان نادبة بالعويل، فضلا عن أفراد كانوا بشرا أو كانوا سادة أو طغاة في حياتهم الأولى.. ولكنهم تجمدوا وسط ركام الثلج.. لأنهم كانوا من القوم الخائنين.
* المبدع
دانتي من أبناء فلورنسه، وهي من أجمل مدن إيطاليا إذ تزدان بأبدع فنون المعمار بل توصف أحيانا بأنها عاصمة الرينسانس ـ عصر النهضة والاستنارة التي كانت التمهيد الزمني والحضاري والعلمي لكل ما تميزت بل وتفوقت به أوروبا في العصر الحديث، عاش في الفترة بين عامي 1265 و1321 وكان في طليعة مثقفي عصره ومن أعلام من كتبوا باللاتينية في مجالات الفلسفة والعلوم الدينية وأصول الحكم وعلم التاريخ.
لكن لعل أهم إسهاماته بالنسبة لوطنه هو أنه كتب ملحمته الكبرى باللغة الإيطالية، وبفضل هذا الانجاز فقد اتاح للإيطالية ما يمكن أن نسميه «الفطام» عن اللاتينية ومن بعدها استقلت اللغة الإيطالية ونضجت واشتد عودها لغة قائمة بذاتها للعلم والثقافة والفكر والإبداع.
يكاد قارئ الكوميديا الإلهية، في أصلها أو في ترجماتها الرصينة ـ يستشعر خيطا أثيرا من شجن يتردد في أوصال العمل الفني الكبير.. إنه طائف الحنين الدافق إلى مسقط رأس الشاعر في فلورنسا بعد أن حكموا عليه بالنفي إلى خارجها.. وربما جاءت كوميديا دانتي لتعبر عن شعور مركب بوطأة المنفي:
فالمبدع الإيطالي منفي عن مراتع صباه الأولى وموئل غرامه المشبوب ومواقع ذكرياته منذ فترات النشأة واليفاعة.. ثم ها هو يكتب عملا إبداعيا عن منفي الروح التي تجتاز رحلة طويلة من معاناة المشاهد واجتياز الأعراف من ظلام الجحيم عبر برزخ المطهر إلى حيث تؤوب الروح إلى ملاذ الفردوس كي تخلد إلى سلام تظلله نعمة الأمل في الغفران.
يرصده : محمد الخولي
