جاء إصلاح الوضع الاقتصادي في دبي في نهاية عقد الثلاثينات على رأس أولويات الحاكم الشيخ سعيد بن مكتوم. وكنتيجة لهذه الإصلاحات بدأ الوضع الاقتصادي للمدينة في التعافي وبدأ تجار دبي يجنون ثمرة هذه الإصلاحات. من ناحية أخرى بدأت المدارس التي توقفت عن العمل لظروف الكساد الاقتصادي، في فتح أبوابها. ففتحت المدرسة الأحمدية، مثلاً، أبوابها وعين لها ثلاثة معلمين. كما وضعت خطة لإعادة فتح مدرسة الفلاح في بر دبي.

في عام 1939، وإيماناً من الشيخ سعيد بن مكتوم وولي عهده الشيخ راشد، بضرورة استمرار الإصلاح الاقتصادي تشكل في دبي مجلس سمي «مجلس التجار» وأوكل إلى هذا المجلس تنفيذ الإصلاحات السابقة التي طالب بها التجار. جاء تأسيس هذا المجلس خطوة مهمة في سبيل الارتقاء بالوضع الاقتصادي في دبي وخطوة مهمة اتخذها الشيخ للدلالة على أهمية الدور الذي يلعبه التجار في صنع القرار السياسي.

لقد كانت دبي في تلك المرحلة في أمس الحاجة لتكاتف الجهود الشعبية والرسمية لتفادي إفرازات الكساد العالمي ونذر الحرب العالمية الثانية. وتعتبر مرحلة الحرب العالمية الثانية ( 1939-1945) مرحلة حاسمة من تاريخ إمارة دبي. فعلى الرغم من ظروف التوتر الدولي الناتج.

وعلى الرغم من الركود الاقتصادي الذي خيم على العالم بصفة عامة وعلى منطقة الخليج بصفة خاصة نتيجة لانخفاض كمية التجارة بين موانئ الخليج وكل من الهند وإيران، نتيجة لفرض بريطانيا حصارا على إيران التي كانت تساند دول المحور في الحرب.

وخوفا من تسرب المواد الغذائية إلى إيران من دبي، فقد بالغت بريطانيا في إجراءات الحصار على موانئ الخليج ومن ضمنها ميناء دبي. ولكن بريطانيا خلال فترة الحصار قامت بتوفير المواد الغذائية الضرورية لأهل الإمارات بالبطاقة وبأسعار مخفضة.

ويبدو أن تلك الإجراءات القاسية قد شجعت التجار على كسر طوق الحصار في ميناء دبي حيث عادت ونشطت تجارة المواد الغذائية بين دبي وموانئ إيران وبقية موانئ الخليج الأخرى الأمر الذي وفر لدبي دخلا منتظما خلال سنوات الحرب العالمية الثانية.

أما في مجال الخدمات العامة فقد أظهرت مطالب التجار ضرورة وجود مجلس بلدي يتولى مسؤولية الإشراف على تنفيذ وتشييد بعض المرافق الضرورية مثل توسيع الخور وتطوير الميناء وتجميل الطرق وصرف مخصصات للمحتاجين والفقراء وغير ذلك من متطلبات الحياة العصرية. كما أظهرت مطالب التجار أن مجتمع دبي قد بدأ يدرك أهمية تواجد هذه المرافق كضرورة لمسايرة روح العصر خاصة في مجتمع منفتح متعدد الجنسيات والأعراق.

والواقع أن المطالب التي رفضها الشيخ سعيد بن مكتوم سابقاً تبناها ولده وولي عهده الشيخ راشد. فقد أمر راشد بتشكيل ما عرف بمجلس التجار وأوكل لهذا المجلس مهمة تنفيذ المشاريع الاقتصادية الضرورية في دبي وفي حدود الميزانية المتوفرة، خاصة أنه لم يكن لدبي آنذاك ميزانية ثابتة نظرا لتوقف أعمال شركات البترول عن التنقيب خلال الحرب.

منذ تلك الفترة أخذ الشيخ راشد بن سعيد مزيدا من المسؤوليات في شؤون دبي. فقد أوكل إليه الشيخ سعيد مسؤوليات الإشراف على تأسيس خدمات عامة، كما بدأ الشيخ سعيد يعهد لولي عهده، الذي أظهر براعة كبيرة في تنفيذ المشاريع العامة ضمن إطار المخصصات المالية الممكنة والمتوفرة آنذاك. فبدأت تظهر خدمات الأمن التي وفرها للأهالي عن طريق زيادة تعيين الحرس «المطارزية» لحراسة الأسواق وأطراف مدينة دبي.

كان أهم مطلب للتجار في فترة الثلاثينات هو توسعة خور دبي من الرمال المتراكمة والتي غالبا ما تسد المدخل الضيق فيصبح دخول وخروج السفن منه صعبا للغاية. ولكن تنفيذ مثل هذا المشروع يتطلب ميزانية كبيرة وكافية. لذا أرجئ تنفيذ هذا المشروع حتى يتم توفير تلك الميزانية.

كذلك واجهت الشيخ راشد مشكلة أخرى تتمثل في عدم التنظيم الإداري للجمرك الذي يعتبر موردا حيويا للإمارة، لذلك فقد بدأ بوضع التصورات اللازمة لتأسيس بنية تحتية عصرية وتمكن من تنفيذ بعض المشاريع البسيطة. أما المشاريع الأكثر كلفة فقد تم أرجاؤها لحين انتهاء الحرب العالمية الثانية، تلك الحرب التي تكبدت خلالها دول الخليج الكثير من المشاق والعناء.

تميزت المرحلة التي تلت الحرب العالمية الثانية ( 1946-1971) بظهور دبي كنموذج ومثال لمدن الخليج العربي التي تطورت وازدهرت بمقومات ذاتية قبل ظهور البترول. فلم يكن لدبي في تلك المرحلة ميزانية كبيرة أو دخل ثابت منتظم. فقد كان دخلها بعد الحرب يأتي من المصادر التالية:

ـ أولا: شركة الامتيازات البترولية. فمنذ عام 1937 كانت الإمارة تستلم حوالي 000,30 روبية هندية سنويا كعائد من شركة البترول نظير شراء حق التنقيب. وقد تضاعف هذا المبلغ فيما بعد ليصل إلى حوالي 000 ,100 روبية هندية سنويا 0

مما شكل دخلاً ثابتاً للإمارة. بالإضافة إلى ذلك صارت تستلم ومنذ عام 1950، حوالي 000 ,100 روبية سنويا من شركة أميركية نظير شرائها حق التنقيب عن النفط هي شركة سوبيرور اويل كمبني، Superior Oil Company تدفعها لقاء قيامها بعمليات الاستكشاف البحري مما وفر للإمارة حوالي 000,200 روبية سنويا على شكل دخل ثابت.

ثانياً: دخل الإمارة من الجمارك، فعلى الرغم من عدم وجود إحصائيات ثابتة تبين لنا حجم الصادرات والواردات إلا أن الجمرك في تلك الفترة كان لا يزال المصدر الرئيسي لدخل دبي، حيث كانت تفرض ضريبة على أنواع السلع الواردة كافة تبلغ حوالي 4% من قيمة البضاعة وكان هذا الدخل يحصى بواسطة موظف بريطاني .

ويقوم بعد ذلك بتقديم الإحصائيات للوكالة البريطانية. وعلى الرغم من غموض تلك الإحصائيات حيث لم تقدم لنا فكرة واضحة عن حجم الصادر والوارد أو مقدار السلع المنقولة أو المبلغ المحصل إلا أن الدلالات تشير إلى أن هذا المبلغ كان كبيرا في الخمسينات.

وبدراسة الوثائق البريطانية يمكن الحصول على معلومات عن نوعية السلع الواردة ومصدرها لأنها كانت ترسل بانتظام للوكالة البريطانية، فكان الأرز والسكر والقهوة والسيارات على رأس قائمة السلع المستوردة أما السلع المصدرة فعلى رأسها تأتي التمور والأسماك المجففة والمحار.

وهكذا، وكنتيجة لتطور المجتمع التجاري في دبي منذ الخمسينات من القرن العشرين ونتيجة للزيادة السكانية في أعداد المهاجرين إلى دبي أخذت مطالب السكان تزداد وتتنوع واحتياجاتهم تأخذ منحى جديداً. هذا الوضع الاقتصادي المتغير أجبر تجار دبي على مناقشة رفع الوصاية الاقتصادية البريطانية عن المجتمع التجاري في دبي وإعطائه المزيد من الحريات.

ففي لقاء جرى بين ممثلي المجتمع التجاري في دبي وممثلين عن الحكومة البريطانية عرض التجار مطالبهم التي تركزت على ثلاث مواد رئيسية تهدف إلى رفع سقف الحرية الاقتصادية أمام تجار دبي وفتح أسواق تجارية لهم للخروج من دائرة الاحتكار البريطاني. وكانت مطالب التجار كالآتي:

ـ فتح باب التجارة المباشرة بين دبي وبريطانيا من دون تحويل طلبات التجار إلى الوكالات البريطانية في البحرين والعراق وأحيانا كثيرة إلى سنغافورة.

ـ زيادة نسبة السكر المستورد إلى الإمارات وأن يفتح باب الاستيراد من دول أخرى مثل هولندا.

ـ تعطي للتجار تسهيلات للدفع بالدولار الأميركي بدلاً من الروبية الهندية والجنيه الاسترليني، وأن يسمح لهم بتنويع مصادر الاستيراد فقد طلبوا السماح لهم باستيراد القهوة والأرز من البرازيل وقطع الغيار من الولايات المتحدة.

هذه المطالب توضح نضوج الجالية التجارية واستقلاليتها وتطلعها إلى الخروج من دائرة الاحتكار البريطاني للعب دور مهم في الارتقاء باقتصاد دبي.

ترصدها:د. فاطمة الصايغ