كما أخرج الحاكم والبيهقي وغيرهما عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا وكان بمواقع النجوم وكان الله تعالى ينزل على رسوله صلى الله عليه وسلم بعضه في إثر بعض.
فهذه أحاديث أربعة من جملة أحاديث كثيرة ذكرت في هذا الباب وكلها صحيحة، كما قال السيوطي وهي أحاديث موقوفة على ابن عباس رضي الله عنهما غير أن لها حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم لما هو مقرر من أن قول الصحابي مما لا مجال للرأي فيه، ولم يعرف بالأخذ عن الإسرائيليات ولا ريب أن نزول القرآن إلى بيت العزة من أنباء الغيب التي لا تعرف إلا من المعصوم.
وكان هذا النزول جملة واحدة في ليلة واحدة هي ليلة القدر لأنه المتبادر من نصوص الآيات السابقة والأحاديث المذكورة. بل ذكر السيوطي أن القرطبي نقل حكاية الإجماع على نزول القرآن جملة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا.
وهناك أقوال أخرى غير التي ذكرناها لكنها لا تستند إلى نص أو دليل نقلي قاطع.
كيفية أخذ جبريل للقرآن هناك العديد من الأقوال في هذا الشأن:
أولها: قال الطيبي: لعل نزول القرآن على الملك أن يتلقفه تلقفاً روحانياً أو يحفظه من اللوح المحفوظ فينزل به على النبي صلى الله عليه وسلم، فيلقيه إليه.
ثانياً: حكى الماوردي أن الحفظة نجمت القرآن على جبريل في عشرين ليلة، وأن جبريل نجمه على النبي صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة. ومعنى هذا أن جبريل أخذ القرآن على الحفظة.
ثالثهما: قال البيهقي في معنى قوله تعالى: «إنا أنزلناه في ليلة القدر» يريد ـ والله أعلم ـ إنا أسمعنا الملك وأفهمناه إياه وأنزلناه بما سمع، ومعنى هذا أن جبريل أخذ القرآن عن الله سماعاً وذلك فيما نرى أمثل الأقوال من ناحية أخذ جبريل عن الله لا من ناحية تأويل النزول في الآية بابتداء النزول.
ويؤيده ما أخرجه الطبراني من حديث النواس بن سمعان مرفوعاً الى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اذا تكلم الله بالوحي أخذت السماء رجفة شديدة من صوت الله فإذا سمع أهل السماء صعقوا وخرجوا سجداً ويكون أولهم يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله بوحيه بما أراد فينتهي به الى الملائكة فكلما مر بسماء سأله أهلها ماذا قال ربنا؟
قال: قال الحق فينتهي به حيث أمر»، وأيا ما تكن هذه الأقوال فإن هذا الموضوع لا يتعلق به كبير غرض ما دمنا نقطع بأن مرجع التنزيل هو الله تعالى وحده، لكن ما الذي نزل به جبريل؟
لنعلم في هذا المقام ان الذي نزل به جبريل عليه السلام هو القرآن باعتبار أنه الألفاظ الحقيقية المعجزة من أول الفاتحة الى آخر سورة الناس وتلك الألفاظ هي كلام الله وحده لا دخل لجبريل ولا للرسول في إنشائها وترتيبها بل الذي رتبها أولاً هو الله سبحانه وتعالى ولذلك تنسب اليه وحده دون سواه وإن نطق بها جبريل والرسول.
فالله جلت حكمته هو الذي أنزل القرآن وكلماته مرتبة على وفق ترتيب كلماته النفسية لأجل التفهيم والتفهم كما نبرز نحن كلامنا اللفظي على وفق كلامنا النفسي لأجل التفهيم والتفهم، لذلك لا يجوز إضافة القرآن على سبيل الإنشاء الى جبريل أو الرسول ولا لغيرهما وإنما هو الله وحده.
وقد أثم بعض الناس فزعم ان جبريل كان ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بمعاني القرآن والرسول يعبر عنها بلغة العرب وزعم آخرون أن اللفظ لجبريل وان الله كان يوحي اليه المعنى فقط وكلاهما قول باطل أثيم مصادم لصريح الكتاب والسنة والإجماع.
والحق أنه ليس لجبريل في هذا القرآن سوى حكايته للرسول وإيحائه إليه وليس للرسول صلى الله عليه وسلم في هذا القرآن سوى وعيه وحفظه ثم حكايته وتبلغه ثم بيانه وتفسيره ثم تطبيقه وتنفيذه.
نقرأ في القرآن نفسه أنه ليس من إنشاء جبريل ولا محمد صلى الله عليه وسلم نحو: «وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم» ونحو: «واذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها قل إنما اتبع ما يوحى إلي من ربي» ونحو:
«وإذا تتلى عليهم آيات بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا أئت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم).
ثم إن ما ذكرناه هو تحقيق ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن وإن كان قد نزل عليه أيضاً غير القرآن.
ـ كلام الله المنزل قسمان: (قسم) قال الله لجبريل: قل للنبي الذي أنت مرسل إليه: إن الله يقول افعل كذا وكذا وأمر بكذا وكذا فهم جبريل ما قاله ربه ثم نزل على ذلك للنبي .
وقال له ما قاله ربه ولم تكن العبارة تلك العبارة كما يقول الملك لمن يثق به قل لفلان يقول لك الملك: اجتهد في الخدمة واجمع جندك للقتال فإن قال الرسول يقول لك الملك لا تتهاون في خدمتي ولا تترك الجند يتفرق وحثهم على المقاتلة لا ينسب إلى كذب ولا تقصير في أداء الرسالة.
رجاء علي
ـ (وقسم) آخر قال الله لجبريل: «إقرأ على النبي هذا الكتاب ونزل به جبريل من عند الله من غير تغيير كما يكتب الملك كتاباً ويسلمه إلى أمين ويقول اقرأه على فلان فهو لا يغير منه كلمة ولا حرفاً» قال السيوطي بعد ذلك. قلت: القرآن هو القسم الثاني والقسم الأول هو السنة. هنا ورد أن جبريل كان ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن.
ومن هنا جاز رواية السنة بالمعنى لأن جبريل أداها بالمعنى ولم تجز القراءة بالمعنى لأن جبريل أدى القرآن باللفظ ولم يبح له أداؤه بالمعنى والسر في ذلك أن المقصود منه التعبد بلفظه والإعجاز به فلا يقدر أحد أن يأتي بلفظ يقوم مقامه وأن تحت كل حرف منه معاني لا يحاط بها كثرة فلا يقدر أحد أن يأتي بدله بما يشتمل عليه .
والتخفيف على الأمة حيث جعل المنزل إليهم على قسمين: قسم يروونه بلفظه الموحى به وقسم يروونه بالمعنى ولو جعل كله مما يروى باللفظ لشق عليهم ذلك أو بالمعنى لم يؤمن التبديل والتحريف.
وهناك قسم ثالث وهو الحديث القدسي الذي قاله الرسول صلى الله عليه وسلم حاكياً عن الله تعالى فهو كلام الله تعالى أيضاً غير أنه ليست فيه خصائص القرآن التي امتاز بها عن كل ما سواه ولله تعالى حكمة في أن يجعل من كلامه المنزل معجزاً .
وغير معجز لمثل ما سبق في حكمة التقسيم السابقة في إقامة حجة للرسول وللدين الحق بكلام الله المعجز ومن التخفيف على الأمة بغير المعجزة لأنه تصح روايته بالمعنى وقراءة الجنب وحمله له ومسه إياه إلى غير ذلك.
وصفوة القول في هذا المقام إن القرآن أوحيت ألفاظه من الله اتفاقاً وأن الحديث القدسي أوحيت ألفاظه من الله على المشهور والحديث النبوي أوحيت معانيه في غير ما اجتهد فيه الرسول والألفاظ من الرسول صلى الله عليه وسلم بيد أن القرآن له خصائصه من الإعجاز والتعبد به ووجوب المحافظة على أدائه بلفظه ونحو ذلك وليس للحديث القدسي والنبوي شيء من هذه الخصائص.
والحكمة في هذا التفرق أن الإعجاز منوط بألفاظ القرآن فلو أبيح أداؤه بالمعنى لذهب إعجازه وكان مظنة للتغيير والتبديل واختلاف الناس في أصل التشريع والتنزيل. أما الحديث القدسي والحديث النبوي فليست ألفاظهما مناط إعجاز ولهذا أباح الله روايتهما بالمعنى ولم يمنحها تلك الخصائص والقداسة الممتازة التي منحها للقرآن الكريم تخفيفاً على الأمة ورعاية لمصالح الخلق في الحالين من منح ومنع (إن الله بالناس لرؤوف رحيم).