من عرف محمد بن أبي عامر في مبتدئ حياته لم يتوقع له أكثر من أن يكون كاتباً في دائرة من الدوائر، أو عند ثري من الأثرياء، يضبط له شؤونه ويجري حساباته، ويتصرّف مباشرة وعن طريق الكتابة نيابة عنه.
بدأ ابن أبي عامر حياته كغيره من طلبة العلم، لكنه اتجه بعد التحصيل العلمي اللازم إلى الكتابة الديوانية وتعرّض للخدمة في ديوان الخلافة واحداً من جملة الكتاب، لكنه كان يتمتع بالذكاء والطموح، وجاءت الظروف المساعدة فصار اسماً مشهوراً، ووصل إلى ما يفوق درجة الوزراء والكتاب.
ولد محمد بن أبي عامر سنة 326 هـ في بلدة طرش، ولما شب قدم إلى قرطبة فتلقى علومه فيها. ومن شيوخه أبو علي القالي (توفي 356 ه) وابن القوطية (توفي 367 ه) وغيرهما وسرعان ما صار كاتباً لدى القاضي أبي بكر بن السليم (توفي 367 هـ ).
وتدرّج في الكتابة في ديوان الدولة. وعهد إليه الخليفة الحكم الإشراف على شؤون ابنه هشام وأملاك زوجته صُبح. وترقّى إلى منصب قاضي الجند (358ه)، في أشبيلية ولبلة، وصاحب الشرطة (361ه).
وبعد وفاة الحكم (366 ه) كان ابنه هشام ابن اثني عشر عاماً، وتولى منصب الحاجب جعفر المصحفي، ووزر له محمد بن أبي عامر.
وخاض محمد بن أبي عامر مع قائد الجيش غالب حرباً مع العدو الشمالي في السنة نفسها 336 هـ وكان النصر عظيماً فاقتسم ابن أبي عامر النصر مع غالب، وارتفع نجمه كثيراً.
وبمداخلات شخصية، وظروف مواتية، ورؤية ميكافيلية وصل ابن أبي عامر إلى منصب الحاجب. وهذا المنصب هو في الأندلس أعلى منصب بعد الخليفة. وتلقّب بالمنصور فصار يعرف بالحاجب المنصور. ولما توفي سنة 392هـ خلفه ولداه بالتناوب في منصب الحجابة وطمح الثاني منهما إلى منصب الخلافة أيضاً!!
وابن أبي عامر مع اشتغاله الواسع بالتدبير السياسي والإداري والعسكري والمتواصل، كان يمارس الكتابة ونظم الشعر.
وتظهر شخصية ابن أبي عامر في ما بين أيدينا من نثره وشعره، وهي شخصية الرجل المعجب بنفسه، العارف لخصائصه، المتطلع إلى المزيد من سلطته ونفوذه المتسلط الراغب في المزيد.
محمد رضوان الداية
وفي شعره قطعة يعبر فيها عن رغبة في الالتفات إلى المشرق لضم مُلك المشرق إلى المغرب والأندلس:
منع العين صفوها والمناما
حُبُّها أن ترى الصفا والمقاما
لي ديونٌ بالشرق عند أناس
قد أحلوا بالمشعرين الحراما
إن قضوها نالوا الأماني وإلا
جعلوا دونها رقاباً وهاما
عن قريب ترى خيول هشام
يبلغ النيل خطوها والشآما
(والمقصود بخيول هشام: الخليفة الفتى الذي يتولى الحجابة له، والحكم باسمه)
ومن هذا الشعر الصدّاح على لسان صاحبه.
رميت بنفسي هول كل عظيمة
وخاطرت والحُرُّ الكريم مُخاطِرُ
وما صاحبي إلا جنان مشيَّعٌ
وأسمر خطيٌّ وأبيض باتر
(يقول إن يصاحب هؤلاء الثلاثة: عقله الثاقب، ورُمحه اللّدن، وسيفه القاطع)
وإني لزجّاء الجيوش إلى الوغى
أسوداً تلاقيها أسود خوادِرُ
وسدت بنفسي أهل كل سيادة
وفاخرت حتى لم أجد من أفاخر
وواصل الشعر حتى افتخر بأجداده القُدامى من معافر (قبيلة يمنية)
وفي أخبار المنصور ابن أبي عامر أنه غزا العدوّ كثيراً، وتوفي بمدينة سالم (من مدن شمال الأندلس) سنة 392، وهو منصرف من إحدى غزواته، وكان أوصى أن يدفن حيث يوافيه الأجل، وألا يحملوه في تابوت (لنقله إلى قرطبة) فدفنوه في مدينة سالم، وأوصى أن يكتب على قبره:
آثاره تُنبيك عن أخباره
حتى كأنك بالعيان تراه
تالله ما يأتي الزمان بمثله
أبداً ولا يحمي الثغور سواه
والثغور مناطق الحدود التي يكون فيها خطر العدوّ.