*في الفترة ما بين عام 1310 و1314 للميلاد عكف الشاعر الإيطالي دانتي الليجيري على كتابة قصيدة ملحمية ونشرها بعد انجازها باسم «الكوميديا»، وهو مصطلح لا يعني الضحك أو الهزل أو حتى التهكم أو السخرية.. المصطلح ينصرف أصلا إلى معنى النهاية السعيدة أو حسن الختام كما يقول المصطلح الإسلامي.
والسعادة والخير هنا من نصيب الأتقياء الطيبين الذين يحسنون صنعا في الحياة الدنيوية فإذا بهم يجزون خير الجزاء في العالم الآخر الذي حاولت قريحة الأديب الإيطالي أن تنفذ إلى جنباته وتستجلي معالمه محلقا في ذلك على أجنحة من خيال منطلقا من ثقافة العصر وأوهام العصر واستيعاب ما كان متاحا في ايامه من خلال الكتب المقدسة من معارف وأخيلة وأفكار.
ولكن «كوميديا» دانتي ما لبثت أن وجدت من يخشى عليها من مغبة التصنيف مع هزليات المسرح وسخرياته.. وكان ذلك بعد صدورها بأكثر من قرنين من عمر ذلك الزمان وهي فترة الأوج من عصر النهضة الأوروبية..
ومن هنا فقد جاء عام 1555 للميلاد فإذا بها تكتسب الاسم المضاف الذي عُرفت وذاعت به في عوالم الشعر والأدب والنقد واللغة فأصبح اسمها هو «الكوميديا.. الإلهية» بأجزائها الثلاثة المعروفة «الجحيم» (انفيرنو) والمطهر (بورجاتوريو) ثم الفرودس (باراديسو) .
وهى الساحات الثلاث التي يجتازها إنسان شغوف من ظلمات الخطأ وغياهب الذنب عبر أعراف التطهر والاستغفار وإنابة الندم أو التطلع المتبتل إلى رحمة السماء.. ومن ثم إلى عالم يضاء بنور البصيرة وسكينة القلب وفردوس النفس المطمئنة بين الجوانح ثم فردوس الخلود عند سدرة المنتهى ومعاينة الذات الإلهية متوجة ببهاء لم يطالعه بشر من قبل ولا تحده قيود أو حدود.
* كتب دانتي قصيدة الملحمة في 100 نشيد (كانتو من الوزن الثلاثي في الشعر الإيطالي) وظل محافظا على فكرة هذا الايقاع الثلاثي (الملحمة ذاتها ثلاثية الأجزاء) تكريسا للرقم ثلاثة والرقم تسعة وغيرهما من الأرقام ذات المكانة الخاصة في نفوس المؤمنين.
وكما ألمحنا في سطور سبقت كان دليله في أغوار الجحيم ثم في أعراف المطهر هو الشاعر الوثني القديم فرجيل، فيما كان دليله إلى مجالي الفردوس المفعم إيمانا والمشع جمالا وضياء هي بياتريس حبيبة قلب الشاعر في الحياة الدنيا.