شهر رمضان مدرسة تربوية إيمانية، والغرض من انتماء المسلمين إليها هو تقوية النفس وتهذيب الروح والارتقاء بها بعيداً عن ملذات الحياة الزائلة مع ما فيها من معاني التراحم والتكافل بين أفراد المجتمع المسلم.
هذا ما قاله الدكتور رضوان بن غربية أستاذ الدراسات العليا ورئيس قسم الشريعة في كلية الدراسات الإسلامية والعربية في دبي خلال حوار معه بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك .
وأضاف ان دروس الشهر الفضيل عديدة، ويكافئ الله تعالى الفائزين بامتحانات هذه المدرسة، لذا ينبغي الحرص على التزام حدود وواجبات هذا الشهر قدر المستطاع والبحث عن الأجر واستقطاب الثواب في مجالات الحياة المختلفة مع الإكثار من الطاعات والعمل الصالح وفيما يلي نص الحوار:
* رمضان مدرسة
* يحل شهر رمضان الفضيل علينا كل سنة بحلله ونفحاته وكرمه كيف ترى هذا الشهر بين الأمس واليوم؟
ـ يقول الدكترو رضوان بن غربية شهر رمضان خير مؤنس لمسلم شغلته هموم أمته وأنهكته متاعب حياة قاسية على كل المستويات فهو من عطاء الله عز وجل الذي لا ينفذ، والمسلمون باستمرار في جهاد مع الحياة على كل المستويات.
ورمضان شعبة من شعب هذا الجهاد، لكن أنى يتمكن المسلم من أداء هذا الامتحان الرباني مع نفسه وظروفه تشغل من حوله فما زالت أرض المسلمين تحرق في كل مكان بأيدينا وبأيدي أعدائنا وما زالت دماء المسلمين تسفك على مرأى ومسمع من العالم ولا يحرك لأجلها ساكن.
ويضيف بن غربية: «رمضان منعطف مهم وتجديد إيماني سنوي يعمل على تجسيد مبدأ العبادة لله تعالى وتكريس أسلوب الإيضاح لأوامره، فالمدرسة الرمضانية لها خصائص قد لا تجتمع في عبادة واحدة إلا في هذه المدرسة، ففي رمضان تفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب النيران وتصفد الشياطين فلا مجال فيه إلا للإيمان وتقويته والعمل الصالح والاستمرار عليه.
وفي رمضان مؤشر على أن ديننا أعطى أولوية للمجتمع المدني من خلال العناية به مادياً ومعنوياً فالمنظمات الخيرية والدعوية والإصلاحية لا يحلو لها العمل والنجاح إلا في هذا الشهر المبارك ففيه يبدع فاعل الخير فيرتقي بمبادراته المتعددة فتسمو نفسه ولا يرى لها خيراً إلا بالمسارعة تجاه المجتمع الذي ينتمي إليه.
* إرادة ربانية
* تختلف طقوس رمضان من بلد مسلم إلى آخر وتتربع معه نفحاته ورحماته ما الذي يثير الانتباه لديك وفي أي البلدان وجدت لرمضان طابعاً خاصاً؟
ـ أينما حل رمضان في بلاد المسلمين تتشابه طقوسه لكن ما يثير الانتباه هو وحدة الشعور بين المسلمين تجاه بعضهم البعض حيث تنطلق النفوس والأرواح فتحلق في سماء واحدة ملبية للإرادة الربانية دون كلل أو ملل فترى معاني الإخاء .
والود والتراحم تشد من أزرهم بالإضافة إلى ظهور الكثير من القيم والمبادئ تطفو على قلوب المسلمين وتهيمن على تصرفاتهم وفي كل هذا دلالة على عمق الرباط الذي يحدثه هذا الشهر بين أفراد المسلمين وجماعاتهم.
ويتابع بن غربية قوله لرمضان سمات واحدة في كل البلاد الإسلامية لكنها تزداد ظهوراً ورفعة ومكانة في أحضان الحرمين، فكم هو جميل رؤية جموع المسلمين حول الكعبة يطوفون وهم مشدودون إلى ربهم بدعائهم وتضرعهم. وكل هذا لأجل عظمة الشهر الكريم، فالتدافع على الطاعات هو شعار المسلمين ورايتهم في كل مكان.
* الخيم الرمضانية
* انتشرت ظاهرة الخيم الرمضانية وما يصاحبها من الممارسات الخاطئة كيف السبيل للقضاء عليها وإنقاذ الشباب المسلم من الاستسلام لمغرياتها؟
ـ في الوقت الذي تعمر فيه مساجد الله بالصلاة والقيام والذكر وتلاوة القرآن والتقرب إلى الله بفضل الطاعات، يسعى طرف آخر إلى الجنوح دفعة واحدة إلى معسكر الشر والإبداع فيه ورب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش.
ورب قائم ليس من قيامه إلا السهر، ومن هنا فإنني أعتقد ان هناك مسؤولية كبيرة تقع على عاتق الجميع في هذه المحنة التي أصابت الشباب المسلم وأزاحته عن صواب طريقه ورسالته خاصة وسائل الإعلام التي أسهمت إلى حد بعيد في هذا الفساد الذي انتشر في بلادنا تحت غطاء الحرية الفردية وحق الناس في ممارستها.
ولا ننسى دور الأسرة وتوجيهها لأبنائها والمدرسة حيث يجب عليها مضاعفة الجهود في توعية طلبتها واستشعارها بخطورة الموقف والدواء كل الدواء في الرجوع إلى الله والالتزام بشريعته.
* استقطاب الشباب
* لشهر رمضان وقع كبير في نفوس المسلمين عامة والشباب خاصة كيف نستثمر شهر المغفرة في استقطاب هؤلاء الشباب وضمهم إلى قافلة الشباب المسلم؟
ـ نحرص على استقطاب الشباب إلى هذا الدين من خلال حلقات العلم والذكر وقراءة القرآن فيتعود الشاب على هذه الوصفة التي تعطى له خلال هذا الشهر .
وقديماً قيل «والنفس ما عودتها تتعود» مع الأخذ بعين الاعتبار أن الحديث عن الإسلام والتكامل بين فرائض شريعته من شأنه لفت انتباه الصائم إلى عظمة هذا الدين وتناسب أحكامه وتناسقها مع الابتعاد عن الجفاء في العرض والتركيز على التيسير ورفع الحرج فإن أثقل ما يكون على النفس عامة تكليفها بما لم تتعود عليه.
*نفحات إيمانية
* قطعت كلية الدراسات الإسلامية والعربية شوطاً لا يستهان به في مجال النشاط العلمي والثقافي الذي يمتد طوال السنة كيف تحتفلون بشهر رمضان وهل يحظى باهتمام خاص لدى الكلية؟
ـ يأخذ الأمر طابعاً خاصاً في شهر رمضان حيث تدعو الكلية أساتذة وعلماء من داخل الدولة وخارجها لإحياء أيام رمضان وإلقاء محاضرات وعقد لقاءات متنوعة مع الطلاب والطالبات فتفتح الحوارات والمناقشات المتنوعة الفقهية منها والاجتماعية والتربوية.
بالإضافة إلى الحركة النشطة التي تتبذلها الكلية مع أساتذتها حيث يسهم البعض منهم في إدارة محاضرات في مدارس ونواد ومراكز متعددة لذا فإنني أستطيع القول ان للكلية سجلاً كبيراً ومليئاً بالعمل العلمي والنشاط الثقافي والتربوي.
* دروس وعبر
* ما الدروس والعبر التي على المسلم تعلمها من الشهر الفضيل؟
ـ لعل العبر والمعاني في هذا الشهر المبارك كثيرة ومتعددة، ومنها إطعام الجائع والبحث عن المحتاج ومواساة الفقير والمسح على الأيتام وتفقد الأسر المعوزة وزيارة العائلة وإكرامها والجلوس مع الأبناء وتعليم الصغار الصيام.
وبيان معاني الإمساك عن الشهوات ومن أشهر الحكم المهمة إشاعة الروح الجماعية في كل شيء فإن الجماعة يد واحد في المجتمع المسلم، والشهر الفضيل وسائر العبادات الكبرى من صلاة وزكاة وحج تمثل أهم دعائم العمل الجماعي.
* نصائح
* ما النصائح التي تقدمها للشباب المسلم؟
ـ العمل على إصلاح أنفسهم ومؤسساتهم وسياساتهم وثقافاتهم وان لا يكونوا معاول هدم في مجتمع هو في أمس الحاجة إلى منقذ يخرجه إلى النور ويحميه من الوحوش المفترسة التي نراها تنفث سمومها في كل اتجاه.
ويضيف الدكتور رضوان ان المسلم الصابر القابض على دينه كالقابض على الجمر فيجب أن نحافظ عليه لأن الدنيا زائلة وعلى الشباب ان يعملوا على تقديم دينهم للناس شاملاً كاملاً غير منقوص ولا ننجر وراء الاستفزازات التي لا تنتهي ولا نترك فرصة لمن تسول له نفسه أن ينال من ديننا، كما على المسلم أن يوسع دائرة الفضائل والمكارم فالنفس جبلت على حب التقرب لمن يقول لها الكلمة الطيبة.
* إسراف في الموائد
* تصبح الموائد الرمضانية الهدف الأهم في نفوس الناس ونرى حالة من التبذير غير المستحب ما الحلول للقضاء على هذه الظاهرة؟
ـ يشير الدكتور بن غربية إلى توجه الكثير من الناس سواء عن قصد أو غير قصد إلى انه لا يستقيم صيام دون مائدة رمضانية متنوعة المأكل والمشرب بحيث يستغرق هذا جل اهتمام الصائمين طوال اليوم.
لكن الإفراط في المائدة ومحاولة المبالغة في إعدادها والإغناء بطعامها وشرابها عمل يتنافى مع جوهر الصيام، الصائم مطالب بالابتعاد عن الشهوات والارتقاء بالنفس عن المطالب الحيوانية.
وليس هذا معناه الابتعاد عن الأكل والشرب في هذا الشهر إنما أحسن ما يقال ما ورد في الحديث الشريف «إذا كان ولابد فثلث لطعامك وثلث لشرابك وثلث لنفسك» فالاعتدال في كل الأمور مرآة لحقيقة هذا الدين العظيم.
حوار: نورا الأم
