من سنن الله سبحانه وتعالى في خلقه أن جعلهم بحاجة إلى دستور ينظم حياتهم في أمورها كلها، ولعل من أهم الأمور ما يتعلق بالعبادات كلها، من طهارة وصلاة وصوم وزكاة، وفرائض وحج ونكاح وما إلى ذلك.
إن الدستور الذي ينظم هذه الأمور هو الفقه، المستمد من مباديء القرآن، وآثار الرسول، ونتج عن قطف ثمار آيات القرآن، وعن التفيؤ في ظلال السنة، من قبل علماء أناروا بما أنتجته قرائحهم كل زاوية معتمة من زوايا حياة المسلم، مذاهب الأربعة.
وضع أسسها الأئمة الأربعة، أحمد بن حنبل، وأبو حنيفة النعمان، والشافعي، ومالك، وفصل جزئياتها تلامذتهم من بعدهم، الذين نشروا مذاهبهم بين رجالات هذه الأمة، علماء، وعوام، فسار الناس في عباداتهم ومعاملاتهم في نهجهم.
وانطلق العلماء بعدهم يفسرون ويبسطون مباديء كل مذهب منها، من خلال إتباعهم لمذهب منها، وقلة من علمائنا من حاول جمع المذاهب الأربعة في كتاب، يبين رأى كل من مؤسسيها في المسألة الواحدة. ولعل كتاب عيون المذاهب الكاملية من الكتب التي تعرضت لهذا الموضوع.
* المؤلف:
هو محمد بن محمد بن أحمد الخجندي السنجاري، قوام الدين، الكاكي، فقيه حنفي، تفقه بترمذ، ثم أقام في القاهرة إماماً في جامع المارداني، يقوم فيه ويفتي ويدرس، وبقي فيها إلى أن استرد الله منه وديعته سنة 749 ه. وترك لنا مؤلفات في الفقه وأصوله، ولعل من أهم مؤلفاته التي وصلت إلينا:
كتاب معراج الدراية شرح الهداية، والغاية في شرح الهداية، وجامع الأسرار شرح منار الأنوار للنسفي، وبيان الأصول في شرح الأصول للبزدوي، وعيون المذاهب الكاملية، وهو الكتاب الذي نتناوله بالعرض والتحليل.
يعدّ هذا الكتاب من الكتب الجامعة المانعة، نظراً لحاجة الناس إليه، لمعرفة أمور دينهم، ولإيجاد الحلول الملائمة لما يعرض لهم في حياتهم، فقد جمع فيه مؤلفه آراء العلماء على اختلاف مذاهبهم، في المسألة الواحدة، فقد قال مؤلفه في ديباجته:
«فإني لما رأيت علم الفقه أعظم العلوم وأحوجها في كيفية سلوك المنهج القويم والصراط المستقيم أردت ان اجمع فيه مختصراً في المذاهب الأربعة، ليكون سهل الانقياد، وعليه الاعتماد، ترغيباً للطلبة في الحفظ والاجتهاد».
فمن هذه الكلمات يتضح لنا السبب الذي دعاه إلى جمعه وتأليفه، فقد رأي ان الناس بحاجة إلى ما يوضح لهم كيفية سلوك المنهج القويم، والصراط المستقيم، وذلك تسهيلاً على الطلبة ليقوموا بحفظ آراء العلماء واجتهاداتهم في الأمور الحياتية التعبدية، ومن أجل الحفظ جعله مختصراً.
وقد اتبع فيه كما فعل غيره ممن سبقوه في التأليف في الفقه، فقسمه إلى كتب، مبتدئاً بكتاب الطهارة ثم كتاب الصلاة، فكتاب الزكاة، فالصوم، فالحج، فالنكاح، فالرضاع، فالطلاق، فالإيمان، فالحدود، فالبيع، فالدعوى، منهياً كتابه هذا بكتاب الفرائض، وقسم كل كتاب من تلك الكتب إلى فصول، واضعاً عبارة فصل في بداية كل منها، ووضع للكتب عناوين، بينما ترك عناوين الفصول.
وقد كان يعرض المسألة أولاً ذاكراً ما اجمع عليه فقهاء المذاهب الأربعة أولاً، ثم يذكر ما اختلفوا فيه، وان كان في مذهب منها روايتان ذكرهما، ثم يبين الأصح منهما والأرجح في المذهب.
كما كان ينص في ذكر رأي المذهب الشافعي في المسألة على المذهب الجديد أو القديم، وكان يفصل القول في رأي المذهب الحنفي، فيذكر آراء أبي يوسف وزفر ومحمد بن الحسن، ويذكر في نهاية كل حكم ما عليه الفتوى، ولعل انتهاجه المذهب الحنفي حتّم عليه التفصيل في رأي الحنفية.
الجدير بالذكر ان المؤلف أهداه إلى السلطان، الملك الكامل، شعبان بن محمد الناصر بن قلاوون، من ملوك الدولة القلاوونية بمصر والشام، المتوفى في سنة 747 ه، حيث ذكر المؤلف في ديباجته:
«ثم لما تيسر لي الفراغ منه جعلته تحفة، بل بضاعة مزجاة إلى حضرة من يحق ان يدور باسمه الفلك وتباهى بوصفه الملك، وهو السلطان المعظم.. شعبان بن محمد الملك الكامل ولعله من إهدائه للملك الكامل انتزع الكتاب عنوانه، إذ قال مؤلفه: «وسميته عيون المذاهب الكاملية».
ونثبت فيما يأتي أنموذجاً منه، لنتلمس طريقته في عرض المسألة والحكم فيها: «كتاب الرضاع: مصّ رضيع من ثدي أدمية في وقت معين حرم به. وإن قل في وقته ما حرم بالنسب إلا أم أخته وأخت ابنه رضاعاً لا النسب إلا عند الشافعي.
وأحمد في رواية خمس رضعات مشبعات، وعن أحمد ثلاث رضعات، مدته ثلاثون شهراً، وعندهما والثلاثة حولان إلا أن مالكاً زاد أياماً يسيرة عليهما. زوج مرضعة لبنها منه أب للرضيع بالإجماع، وابنه أخ، وبنته أخت، وأخوه عم، وأخته عمة، تحل أخت أخيه رضاعاً ونسباً.
ويحرم لبن البكر بالإجماع، وكذا الميتة إلا في قول الشافعي، الاحتقان ولبن الرجل والشاة لا بالإجماع إلا عند محمد والمزني ومالك في رواية في الاحتقان.
تقع هذه النسخة في 107 ورقات، كتبت بخط نسخي جيد مقروء، لكن الملفت للنظر أن الخط في الأوراق من 69 ـ 107 يختلف عن خط الأوراق 1 ـ 68 مما يعني أنه قام بنسخها أكثر من ناسخ، مع العلم أنه سجل في آخرها اسم الناسخ محمد بن محمود، وأنه أنهى نسخها سنة 1270هـ ، وعلى الورقة الأولى تملك باسم محيي الجباري الكركوكي، مؤرخ سنة 1209 هـ.
وعلى الحواشي تعليقات وشروح وتعقيبات. وعلى الجملة تعد هذه النسخة من أقدم النسخ التي تعرفناها وهذه النسخة تحتفط بها مكتبة تشستربيتي ـ بدبلن ـ إيرلندا، تحت رقم 3766، وعنها نسخة مصورة على ميكر.
وفيلم في مركز جمعة الماجد، محفوظ تحت رقم 811. وهذه النسخة من تراثنا الذي فقدناه، ولم نتمكن من صيانته أو الحفاظ عليه، إذ إن هذه النسخة تسربت إلى مكتبة تشستربيتي، لا ندري كيف تم ذلك،. فقد سجل في الورقة الأولي منها: كركوك 68 مما يشير إلى أنها كانت قبل ذهابها إلى إيرلندا في مدينة كركوك في العراق.
وقد هيأ الله سبحانه وتعالى بفضله العميم ومنه على هذه الأمة رجلاً أخذ على عاتقه أن يعيد كنوز أمتنا، التي تاهت في صحراء الحياة، فوقعت في أيدي من لا يستطيعون أن يفيدو منها إلا قلة قليلة منهم، وإن قدورها حق قدروها، لكننا أحوج ما نكون إليها الآن، لعلنا نصحح باستردادها.
والنهل من معينها مسيرتنا، فنعيد لهذه الأمة مكانتها تحت الشمس، هذا الرجل هو جمعة الماجد رئيس المركز ومؤسسه، فقد نذر أن يمد يد العون لكل الباحثين عن التراث، اللاهثين وراء كنوزه، فيخفف عنهم، ويزيل من دروبهم كل العوائق والسدود.
بالتعاون مع مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث
نسخ أخرى
من حسن حظ الباحثين عن هذا الكتاب أن وجد له مكاناً في قلوب النساخ والمتعلمين، وطالبي العلم، فانتسخوا منه نسخاً عديدة، ومن حسن حظنا أننا استطعنا أن نتعرف أماكن وجود هذه النسخ، فنسهل على المشتغلين بتحقيق التراث، ونقصر عليهم الطريق فنذكر من نسخها:
؟ نسخة مكتبة الظاهرية بدمشق، رقم 2272 نسخت سنة 782 ه، عنها نسخة مصورة على ميكروفيلم في المركز تحت رقم 2208.
؟ نسخة المكتبة التيمورية بمصر رقم 261 نسخت سنة 795 ه، عنها نسخة مصورة على ميكروفيلم في مركز جمعة الماجد، رقم 4047.
؟ نسخة مكتبة بلدية الإسكندرية رقم 1042 نسخت سنة 834 ه، عنها نسخة مصورة على ميكروفيلم في مركز جمعة الماجد رقم 4047.
؟ نسخة المكتبات الوقفية في حلب رقم 303 نسخت سنة 957 ه، عنها نسخة مصورة على ميكروفيلم في مركز جمعة الماجد رقم 997.
؟ نسخة الخزانة العامة بالرباط بالمغرب تحمل الرقم 478 ـ ف، عنها نسخة مصورة في مركز جمعة الماجد، رقم 2992.
؟ نسخة في خزانة ابن يوسف في المغرب رقم 292، عنها نسخة مصورة في مركز جمعة الماجد، رقم 2639.
ولنا هنا كلمة أخيرة، بعد أن وطأنا السبيل، وهيأنا الأداة، ومهدنا الدرب، وحددنا أماكن وجود نسخ متعددة، ومعظمها قريبة عهد من المؤلف، فهل من همة تخلع عن نفسها مسوح الكسل، فتحقق رغبة دفينة في نفس رجل الخير، رئيس المركز، فنسعده برؤية هذا الكتاب أو ذاك محققاً؛ لينهل منه طلاب العلم؟
عبدالقادر أحمد عبدالقادر